تزوجت عجزه حكـايـات أسمـا ×4
الفصل الرابع
بيت الأمان اتولد من وسط الحريق…
بس الحقيقة إن أي حاجة بتتولد وسط النار لازم تتحارب علشان تعيش.
بعد الحريقة بثلاث أيام، ريحة الدخان كانت لسه ماسكة في الحيطان رغم التنضيف والدهان. إيدي المحروقة بقت ملفوفة بشاش أبيض، وكل ما أحاول أشيل حاجة تقيلة الألم يضرب لحد كتفي، لكني ماكنتش قادر أقعد. كأن الوقوف نفسه بقى نوع من المقاومة.
الصبح كان بيبدأ بدري جدًا.
يوسف يصحى الأول. ينزل يجيب عيش من الفرن. مريم تكنس الأرض. آدم يقعد يرسم على الكراتين اللي لسه ما اترمتش.
أما أنا… فكنت ببص للمكان كل يوم وأشوفه بيتحول بالتدريج من ورشة مهجورة لحاجة شبه الحياة.
داليا بدأت تيجي تقريبًا يوميًا. وفي أول مرة شفتها داخلة شايلة ملفات وكوبايات قهوة ولبس بسيط بدل هدومها الغالية، حسيت إن الدنيا فعلًا بتتغير بطرق غريبة.
يوسف همسلي وقتها: — هي غنية قوي؟
ضحكت. — أظن.
قال وهو مركز معاها: — ليه بتيجي هنا؟
ماعرفتش أجاوبه فورًا.
لأن السؤال كان جوايا أنا كمان.
ليه واحدة عندها كل حاجة تيجي تقعد وسط دخان وتراب وعيال شارع؟
لكن وأنا ببصلها وهي قاعدة على الأرض وسط الورق، وشعرها مربوط بعشوائية، وعينيها مركزة في ملفات التراخيص… افتكرت نعمات.
يمكن الطيبة معدية فعلًا.
في يوم، داليا رمت قلمها بعصبية وقالت: — الموضوع أصعب مما تخيلت.
كنت بقفل شباك مكسور. — يعني؟
— يعني علشان المكان يبقى قانوني، محتاجين جمعية رسمية، وموافقات، وتبرعات، وفحص هندسي للعمارة… غير إن في ناس بدأت تعترض.
وقفت أبصلها. — مين؟
بصتلي بتردد. — شوقي العتال مش ساكت.
اتنهدت.
طبعًا.
راجل زي ده مش هيسيبنا نلعب في الأرض اللي عايزها.
قالت: — في محامي صاحبه قدم بلاغ إن المكان بيأوي أطفال هاربين وبيستغلهم.
ضحكت بذهول. — بيستغلهم؟
— أيوه.
يوسف كان سامع من بعيد. وشه اتغير فورًا.
قرب وقال بخوف: — هما هيخدونا؟
ركعت قدامه بسرعة. — لا.
— بس البوليس لو جه…
مسكت كتفه. — طول ما أنا موجود محدش هيقربلكم.
الجملة دي بقيت تتكرر كتير. ومع كل مرة كنت بحس إني بحاول أقنع نفسي بيها أكتر منهم.
بعد يومين، حصل اللي كنت خايف منه.
عربية شرطة وقفت قدام العمارة.
آدم أول ما شافها استخبى تحت الترابيزة.
مريم وشها اصفر. أما يوسف… فوقف قدام الباب كأنه مستعد يتسحب في أي لحظة.
نزلت بسرعة.
اتنين أمناء شرطة وواحد ببدلة رسمية طلعوا السلم.
الراجل بص حوالين المكان باشمئزاز وقال: — مين المسؤول هنا؟
قلت: — أنا.
طلع ورقة. — في بلاغ إنك جامع أطفال مشردين بشكل غير قانوني.
قلت بهدوء بالعافية: — الأطفال دول مالهمش حد.
قال ببرود: — وده مش معناه إنك تحتجزهم.
الغضب بدأ يغلي جوايا. — تحتجزهم إيه؟ دول قاعدين بإرادتهم.
الراجل لف بعينه على المكان. — فين أسرتهم؟
سكت.
لأن الحقيقة؟ مافيش.
قال: — يبقى لازم يتحولوا للرعاية.
يوسف صرخ فجأة: — لأ!
كلنا بصيناله.
كان واقف ووشه أحمر وعينه مليانة دموع. — مش هرجع الشارع!
الراجل اتضايق. — وطي صوتك يا ولد.
يوسف رجع لورا فورًا، كأن الخوف القديم شدّه من رقبته.
قبل ما أتكلم، داليا دخلت.
لابسة بدلة رسمية المرة دي، وماسكة ملف.
قالت بثبات: — الأطفال دول تحت متابعة إجراءات حماية مؤقتة لحين تسجيل الجمعية، والمحامي بتاعنا هيقدم الأوراق النهارده.
الراجل بص لها باستغراب. واضح إنه اتلخبط أول ما شاف واحدة من الطبقة اللي بيحترموها.
داليا كملت: — ولو في أي إجراء رسمي، يبقى عن طريق النيابة والطفولة، مش بالطريقة دي.
فضل ساكت لحظة. وبعدين قال: — إحنا مجرد بنتأكد.
قلت بحدة: — اتأكدتوا؟
بصلي ببرود ومشي.
لكن قبل ما ينزل السلم، لف وقال: — خلي بالك يا أستاذ كريم… اللي يدخل نفسه في لعب أكبر منه بيتكسر.
وسابنا.
أول ما الباب اتقفل، آدم خرج من تحت الترابيزة وهو بيعيط. جري عليا وحضني بقوة.
اتجمدت مكاني.
أنا مش متعود حد يجري يحضني.
إيدي اتحركت ببطء على ضهره.
وقال بصوت مخنوق: — هما كانوا هيخدونا؟
بصيت للعيال التلاتة… وفهمت إن الخوف بقى جماعي.
مش خوفي أنا بس.
في الليل، ماحدش نام بسهولة.
حتى مريم اللي كانت دايمًا قوية، فضلت قاعدة جنب الشباك تبص للشارع.
قربتلها. — مالك؟
قالت من غير ما تبصلي: — لو خدونا… هيفرقونا.
الكلمة وجعتني أكتر من أي حاجة.
علشان دي الحقيقة.
الملاجئ الحكومية اللي شافوها زمان كانت أسوأ من الشارع أحيانًا. ضرب. إهمال. هروب.
قلت بهدوء: — مش هسيب ده يحصل.
ضحكت بسخرية صغيرة. — الناس الكبار دايمًا بيقولوا كده.
الجملة دخلت في قلبي زي المسمار.
يمكن علشان هي صح.
الكبار وعدوا العيال دي كتير… وفي الآخر سابوهم.
قعدت جنبها على الأرض. وبعد لحظة قلت: — أنا كمان زمان كنت مستني حد يختارني وماسابنيش.
بصتلي أخيرًا.
كملت: — ومحدش عملها.
— وإنت؟
سكت شوية. وبعدين قلت: — بحاول.
مريم فضلت باصةلي كام ثانية… ولأول مرة من يوم ما جات، قالت بهدوء: — أنا مصدقاك شوية.
وشوية دي؟ كانت أكبر انتصار أخدته من سنين.
تاني يوم، عم سيد دخل علينا وهو متوتر.
— في راجل تحت عايزك.
نزلت.
ولقيت شوقي العتال واقف جنب عربيته.
ابتسامته المستفزة نفسها.
قال: — تعالى نتكلم كلمتين بعيد.
قلت: — قول هنا.
ضحك. — بقيت شجاع؟
ما رديتش.
قرب مني وقال: — بص يا كريم… إنت شكلك طيب، بس طيب وغبي. والاتنين ما يعيشوش في البلد دي.
— ادخل في الموضوع.
قال: — هديك مبلغ محترم. تبيع العمارة وتمشي. وتاخد العيال اللي عندك وتعمل جمعية في أي حتة شعبية أرخص.
قلت: — ليه العمارة دي مهمة أوي كده؟
سكت لحظة.
وأول مرة ابتسامته خفت.
قال: — علشان موقعها ممتاز.
كداب.
عرفت من عينيه.
في سر.
قلت: — مش هبيع.
اتنهد كأنه زهق. — يبقى هتتعب.
لف يمشي… وبعدين وقف وقال: — على فكرة، الحاجة نعمات كانت تعرف أكتر مما تتخيل.
الكلمة شلت الدم من وشي.
— تقصد إيه؟
ابتسم. — اسأل نفسك ليه ست عجوز متمسكة بورشة خربانة بالشكل ده.
ومشي.
فضلت واقف مكاني وقلبي بيدق بعنف.
يعني إيه؟
إيه اللي كانت تعرفه نعمات؟
طلعت الورشة بسرعة. فتحت كشكول شريف. قلبت كل الورق. ودورت في الأدراج.
لحد ما لقيت خريطة قديمة للعمارة.
وفيها حاجة غريبة.
أوضة صغيرة متعلمة بالقلم الأحمر… تحت الورشة.
قطبت حاجبي.
أنا طول عمري فاكر المكان مجرد بدروم تخزين.
ناديت يوسف. — في مدخل تحت هنا؟
فكر شوية. — في باب مقفول ورا الدولاب الحديد.
جريت ناحيته.
زحزحنا الدولاب بالعافية. وظهر باب قديم متآكل.
قلبي بدأ يدق أسرع.
طلعت مفتاح قديم من درج المكتب. جربته.
والباب اتفتح بصوت صدى طويل.
ريحة تراب ورطوبة طلعت بقوة.
آدم استخبى ورايا فورًا. أما يوسف… فعينه لمعت بحماس.
نزلنا سلم ضيق لتحت.
واللي لقيناه… خلاني أفهم ليه شوقي العتال مستميت بالشكل ده.
البدروم ماكانش مخزن.
كان ورشة قديمة كاملة.
معدات نجارة أثرية. أخشاب نادرة. ودواليب مليانة ملفات وعقود قديمة جدًا.
وفي آخر المكان… خزنة حديد ضخمة.
داليا نزلت ورانا وهي بتنهج. — إيه ده؟
قلت وأنا مذهول: — معرفش.
قربنا من الخزنة.
كان عليها اسم محفور: “مصنع الهلال للأثاث الملكي — ١٩٤١”
داليا شهقت. — يا نهار أبيض…
بصيتلها. — تعرفيه؟
قالت: — طبعًا! ده كان واحد من أشهر مصانع الأثاث زمان. اتقفل بعد الحريق الكبير في الأربعينات.
قلبي اتقبض.
حريق؟
قربت أكتر. وفي اللحظة دي لاحظت حاجة على الحيطة.
صورة قديمة.
شاب واقف جنب نعمات وهي صغيرة.
وشه مألوف بطريقة غريبة.
يوسف قال: — ده شبهك.
بصيت للصورة تاني… واتجمدت.
كان فعلًا شبهي بشكل مرعب.
نفس العين. نفس الفك. حتى نفس الوقفة.
تحت الصورة مكتوب: “سالم النحاس — ١٩٤٤”
صوت داليا طلع واطي: — سالم النحاس كان صاحب المصنع.
لفيت أبصلها ببطء. — وإيه علاقته بنعمات؟
قالت: — كان خطيبها قبل ما يختفي.
الدنيا سكتت حواليا.
اختفى؟
قربت من الصورة أكتر. وحسيت أنفاسي بتتلخبط.
أنا طول عمري معرفش أبويا الحقيقي. أمي ماتت وأنا صغير. وماكانش معايا غير اسم ناقص في شهادة الميلاد.
“سالم…”
الاسم نفسه.
جسمي كله برد.
فتحت أول درج في المكتب القديم اللي تحت الصورة.
ولقيت ظرف عليه اسمي.
“إلى كريم… لما يكتشف الحقيقة.”
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
وفي اللحظة دي… حسيت إن حياتي كلها كانت ماشية في طريق واحد من غير ما أعرف.
رسالة نعمات كانت قصيرة.
“يا كريم… لو وصلت للمكان ده، يبقى شوقي بدأ يتحرك، ويبقى لازم تعرف الحقيقة قبل ما يدفنها.
سالم النحاس… ماكانش مجرد حب عمري.
كان أبوك.”
وقعت الرسالة من إيدي.
الدنيا لفت.
يوسف قال حاجة ما سمعتهاش.
داليا قربت بسرعة. — كريم!
لكن صوتها بقى بعيد جدًا.
أبويا؟
سالم النحاس؟
الرجل اللي نعمات كانت محتفظة بصورته طول العمر؟
رجعت بصيت للصورة.
ونفس الصدمة ضربتني تاني.
أنا فعلًا شبهه.
الرسالة كملت:
“أمك كانت شغالة في المصنع. وسالم حبها رغم رفض عيلته. لما حملت بيك، وعدها إنه هيعترف بيك بعد ما يواجههم.
لكن المصنع اتحرق بعدها بأسبوع.
والكل قال إن سالم مات جوه الحريق.
بس أنا عمري ما صدقت.
لأن قبل الحريق بيوم، سالم اكتشف إن شوقي العتال الكبير — أبو الراجل اللي بيطاردك دلوقتي — كان بيسرق المصنع وبيهرب أخشاب وآثار من خلال الشحنات.
سالم هدده بالشرطة.
وبعدها المصنع اتحرق.”
قلبي كان هيقف.
شوقي العتال…
العيلة دي مرتبطة بكل حاجة.
الرسالة كملت:
“أمك ماتت بعد سنين فقيرة ومكسورة، وأنا فضلت أراقبك من بعيد. كنت عايزة أقولك الحقيقة ألف مرة… لكن الخوف كان بيمنعني.
لحد ما شفتك قدامي راجل ضايع شبه أبوك بالظبط.
وساعتها… قررت أديك البيت اللي اتحرم منه أبوك.”
دموعي نزلت غصب عني.
أنا ماكنتش مجرد نصاب فقير اتجوز ست كبيرة.
أنا كنت راجع لبيت أبويا من غير ما أعرف.
وفجأة كل حاجة فهمتها.
ليه نعمات اختارتني. ليه كانت بتراقبني. ليه كانت متمسكة بالمكان. وليه شوقي عايز العمارة بأي تمن.
الملفات.
أكيد في الملفات دليل.
فتحت الدولاب القديم بسرعة. قلبت العقود. الأوراق. لحد ما لقيت دفتر حسابات.
وفيه أسماء. تواريخ. وشحنات.
ودفعات باسم “شوقي العتال”.
داليا شهقت. — دي أدلة.
يوسف قال: — يعني الراجل الوحش ده حرامي؟
بصيتله. — من زمان.
وفي اللحظة دي… سمعنا صوت فوق.
باب الورشة اتكسر.
كلنا اتجمدنا.
وصوت رجالة طلع: — دوروا تحت!
قلبي وقف.
شوقي عرف.
العيال اتجمعوا حواليا مرعوبين.
والخطوات بدأت تنزل السلم علينا.
نهاية الفصل الرابع
يتبع