العوده حكايات اسما ×3

الفصل الرابع: السر الذي أخفته أمي ثلاثين عامًا

 

ظل أحمد ينظر إلى أمه غير قادر على استيعاب ما سمعه.

 

“فؤاد السيوفي كان خطيبك؟”

 

هزت منى رأسها ببطء.

 

وعيناها معلقتان بالأرض.

 

كأنها تنظر إلى ثلاثين سنة مضت.

 

ثلاثين سنة حاولت دفنها.

 

وفشلت.

 

جلس أحمد أمامها.

 

وقال:

 

“احكي.”

 

تنهدت طويلًا.

 

ثم بدأت.

 

—

 

قبل أكثر من ثلاثين سنة…

 

كانت منى شابة في العشرين.

 

تعمل في مكتب محاسبة صغير بوسط القاهرة.

 

وهناك تعرفت على فؤاد السيوفي.

 

كان وقتها شابًا طموحًا.

 

يحلم بتأسيس شركة كبيرة.

 

وكان يحبها بجنون.

 

قالت منى وهي تبتسم بحزن:

 

“كان أول راجل يحبني بجد.”

 

ثم أضافت:

 

“وأول راجل كسر قلبي.”

 

—

 

كانت الخطوبة تسير بشكل طبيعي.

 

حتى ظهر والد فؤاد.

 

رجل أعمال معروف.

 

يريد لابنه زوجة من عائلة ثرية.

 

لا فتاة بسيطة مثل منى.

 

وبدأت الضغوط.

 

ثم جاءت فتاة أخرى.

 

ابنة رجل أعمال كبير.

 

وبدأ الجميع يقنع فؤاد أنها الاختيار الأفضل.

 

صمتت منى للحظة.

 

ثم قالت:

 

“وفي يوم اختفى.”

 

رفع أحمد رأسه.

 

“اختفى؟”

 

“سافر.”

 

“من غير ما يقول حاجة؟”

 

أومأت.

 

“ولا حتى وداع.”

 

—

 

عاشت منى شهورًا طويلة مكسورة.

 

ثم تعرفت على والد أحمد.

 

وتزوجته.

 

وحاولت نسيان الماضي.

 

لكنها لم تنسه أبدًا.

 

—

 

قال أحمد:

 

“وإيه علاقة ده بسارة؟”

 

أخرجت منى صورة قديمة من حقيبتها.

 

كانت صورة بالأبيض والأسود.

 

شاب وفتاة يقفان أمام النيل.

 

نظر أحمد إليها.

 

ثم شعر بقشعريرة تسري في جسده.

 

لأن الشاب في الصورة كان يشبه سارة بشكل مرعب.

 

نفس العينين.

 

نفس الابتسامة.

 

نفس الملامح.

 

—

 

قالت منى:

 

“أول ما شفت اسمه في الظرف عرفت إنه هو.”

 

ثم أضافت:

 

“وقريت كل حاجة.”

 

شعر أحمد بالتوتر.

 

“إيه اللي مكتوب؟”

 

سكتت.

 

ثم قالت:

 

“سارة ورثت أكتر من اللي تتخيل.”

 

—

 

لم يكن فؤاد مجرد رجل أعمال ناجح.

 

بل أصبح واحدًا من أكبر المستثمرين في الشرق الأوسط.

 

شركات.

 

فنادق.

 

موانئ.

 

مشروعات ضخمة.

 

وثروة تقدر بمليارات الجنيهات.

 

وكانت سارة…

 

الوريثة الوحيدة.

 

—

 

جلس أحمد مصدومًا.

 

لكن ما قالته والدته بعد ذلك كان أخطر.

 

“وفي حاجة تانية.”

 

رفع رأسه.

 

“إيه؟”

 

قالت:

 

“في ناس مش عايزة سارة تعرف الحقيقة.”

 

—

 

في نفس اللحظة…

 

داخل جناح فاخر في أحد الفنادق بالقاهرة.

 

كان رجل خمسيني أنيق يجلس أمام شاشة كبيرة.

 

يراقب صور سارة.

 

وصور أحمد.

 

وصور المستشفى.

 

ثم أغلق الملف.

 

وقال بهدوء:

 

“وصلوا للظرف.”

 

رد الرجل الجالس أمامه:

 

“أيوة يا فندم.”

 

سأله:

 

“والبنت؟”

 

“لسه عايشة.”

 

ساد الصمت.

 

ثم قال الرجل:

 

“دي مشكلة.”

 

—

 

في المستشفى…

 

استيقظت سارة أخيرًا.

 

فتحت عينيها ببطء.

 

وكان أول شيء رأته هو أحمد.

 

أمسك يدها فورًا.

 

“الحمد لله.”

 

ابتسمت بتعب.

 

ثم سألت:

 

“البيبي؟”

 

دمعت عينا أحمد.

 

“بخير.”

 

أغمضت عينيها للحظة من الراحة.

 

ثم تذكرت فجأة.

 

“الظرف!”

 

نظر إليها.

 

وقال:

 

“لقيته.”

 

تنفست الصعداء.

 

لكنها لم تلاحظ نظرة القلق في عينيه.

 

—

 

بعد ساعات قليلة…

 

دخلت المحامية هدى إلى الغرفة.

 

وأغلقت الباب.

 

ثم جلست أمام سارة.

 

وقالت:

 

“في حاجة لازم تعرفيها.”

 

تجمدت سارة.

 

أما أحمد فشعر أن قلبه بدأ يدق بعنف.

 

أخرجت المحامية ملفًا.

 

ووضعته أمامها.

 

ثم قالت:

 

“الأستاذ فؤاد السيوفي…”

 

وتوقفت.

 

“مش بس والدك.”

 

صمت.

 

صمت ثقيل.

 

ثم أكملت:

 

“هو موجود حاليًا في نفس المستشفى.”

 

اتسعت عينا سارة.

 

كأن العالم توقف.

 

“إيه؟”

 

أومأت المحامية.

 

“وجاي يطلب يشوفك.”

 

في تلك اللحظة…

 

رن هاتف المحامية.

 

نظرت للشاشة.

 

ثم شحب وجهها فجأة.

 

وقفت بسرعة.

 

وقالـت:

 

“لازم نخرج من هنا حالًا.”

 

قفز أحمد من مكانه.

 

“ليه؟”

 

نظرت إليه بخوف لأول مرة.

 

ثم قالت:

 

“لأن الشخص اللي كان بيدور على الظرف…”

 

وأشارت إلى الملف.

 

“…عرف مكان سارة.”

 

انطفأت الابتسامة من الوجوه.

 

وشعر أحمد أن الخطر الحقيقي بدأ الآن.

 

يتبع…

الفصل الخامس: الرجل الذي كان الجميع يخشاه

 

شعر أحمد بأن الدم انسحب من وجهه.

 

“إيه يعني عرف مكانها؟”

 

كانت المحامية هدى تنظر نحو باب الغرفة كأنها تتوقع دخول أحد في أي لحظة.

 

ثم قالت بصوت منخفض:

 

“في ناس مستعدة تعمل أي حاجة عشان سارة متوصلش للميراث.”

 

تجمدت سارة في سريرها.

 

“ميراث إيه؟”

 

نظرت إليها المحامية بحزن.

 

وأدركت أن لحظة الحقيقة وصلت.

 

جلست بجوارها.

 

ثم أمسكت يدها.

 

وقالت:

 

“فؤاد السيوفي… والدك الحقيقي.”

 

ساد الصمت.

 

صمت طويل ومؤلم.

 

ثم بدأت سارة تضحك.

 

ضحكة قصيرة مرتبكة.

 

“حضرتك أكيد غلطانة.”

 

لكن المحامية دفعت الملف نحوها.

 

وفي داخله…

 

تحليل DNA.

 

صور قديمة.

 

شهادات رسمية.

 

خطابات.

 

وتقارير تحقيق.

 

كلها تؤكد نفس الحقيقة.

 

فؤاد السيوفي هو والدها.

 

—

 

كانت سارة تقلب الأوراق بيد مرتعشة.

 

ثم توقفت عند صورة.

 

رجل في الثلاثينات يحمل طفلة صغيرة.

 

الطفلة تشبهها بشكل مخيف.

 

وشعرت لأول مرة أن الأرض تميد تحتها.

 

“ماما قالت إنه مات.”

 

همست بالكلمات.

 

فقالت المحامية:

 

“لأنه عمره ما عرف مكانكم.”

 

ثم بدأت تحكي.

 

—

 

بعد الطلاق…

 

اختفت والدة سارة تمامًا.

 

غيرت رقمها.

 

وعنوانها.

 

وحتى اسمها في بعض الأوراق الرسمية.

 

وكانت مقتنعة أن فؤاد تخلى عنها بإرادته.

 

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

 

فؤاد ظل يبحث سنوات.

 

سنوات طويلة.

 

حتى فقد الأمل.

 

—

 

انهمرت الدموع من عيني سارة.

 

“يعني كان بيدور عليا؟”

 

هزت المحامية رأسها.

 

“طول عمره.”

 

ثم أخرجت ظرفًا آخر.

 

أكثر سمكًا.

 

وقالت:

 

“دي صور وخطابات كان بيكتبها ليكي من وإنت طفلة.”

 

لم تستطع سارة منع دموعها.

 

أما أحمد فشعر بغصة في حلقه.

 

—

 

لكن فجأة…

 

فتح باب الغرفة بعنف.

 

فانتفض الجميع.

 

دخل اثنان من رجال الأمن الخاص.

 

وخلفهما رجل طويل في أواخر الستينات.

 

شعره الأبيض مرتب بعناية.

 

ملابسه أنيقة بشكل لافت.

 

لكن عينيه…

 

كانتا ممتلئتين بالوجع.

 

تجمدت المحامية.

 

وقالت:

 

“أستاذ فؤاد.”

 

—

 

لم يتحرك أحد.

 

أما الرجل فبقي واقفًا مكانه.

 

ينظر إلى سارة فقط.

 

كأنه يرى معجزة.

 

أو حلمًا ضاع منه ثلاثين سنة.

 

ثم قال بصوت مرتجف:

 

“سارة؟”

 

بدأت دموعه تنزل.

 

رجل بمليارات الجنيهات.

 

لكن في تلك اللحظة…

 

كان مجرد أب ضائع.

 

قال:

 

“أنا آسف.”

 

انفجرت سارة بالبكاء.

 

“ليه سبتني؟”

 

أغلق عينيه من الألم.

 

وقال:

 

“والله ما سبتك.”

 

—

 

استمر اللقاء أكثر من ساعة.

 

حكى لها كل شيء.

 

وأخبرها عن السنوات التي قضاها يبحث عنها.

 

وعن المحققين.

 

والإعلانات.

 

والرحلات.

 

وكل الأبواب التي طرقها.

 

دون أن يجدها.

 

—

 

لكن وسط الحديث…

 

رن هاتف أحد رجال الأمن.

 

نظر إلى الشاشة.

 

ثم شحب وجهه.

 

اقترب من فؤاد وهمس في أذنه.

 

فتغيرت ملامحه فورًا.

 

وقف.

 

ثم قال:

 

“لازم نخرج حالًا.”

 

سألت سارة بخوف:

 

“في إيه؟”

 

نظر إليها.

 

ثم قال:

 

“ابن عمي.”

 

—

 

كان لفؤاد شريك قديم.

 

اسمه كامل السيوفي.

 

وبعد وفاة أبناء كامل في حادث قبل سنوات…

 

أصبح يتوقع أن تؤول إليه معظم ثروة العائلة يومًا ما.

 

لكن ظهور سارة غيّر كل شيء.

 

فجأة أصبحت هي الوريثة الوحيدة.

 

وأصبح كامل على وشك خسارة مليارات.

 

—

 

قال فؤاد:

 

“من ساعة ما عرف بوجودك وهو بيحاول يمنع وصولك للميراث.”

 

سأل أحمد:

 

“للدرجة دي؟”

 

نظر إليه فؤاد.

 

ثم قال الجملة التي جعلت الصمت يسيطر على الغرفة:

 

“الست اللي خلت أمك تمنع الإسعاف عن سارة…”

 

اتسعت عينا أحمد.

 

“…كانت بتشتغل عند كامل.”

 

شعر أحمد أن قلبه توقف.

 

“إيه؟”

 

أومأ فؤاد.

 

“ومن شهرين بدأت تراقب سارة.”

 

—

 

تجمد أحمد.

 

وتذكر كل شيء.

 

إصرار أمه الغريب.

 

رفضها للإسعاف.

 

الظرف المسروق.

 

كل الأحداث فجأة بدأت تتجمع.

 

لكن السؤال الأخطر كان:

 

هل كانت والدته تعرف الحقيقة؟

 

أم تم استغلالها فقط؟

 

—

 

في تلك اللحظة…

 

دخل طبيب الأطفال مسرعًا.

 

ملامحه متوترة.

 

وقال:

 

“مين والد الطفل؟”

 

قفز أحمد واقفًا.

 

“أنا.”

 

نظر إليه الطبيب.

 

ثم قال:

 

“ابنك دخل في أزمة تنفس مفاجئة.”

 

اختفى اللون من وجه سارة.

 

أما فؤاد فأمسك طرف السرير بقوة.

 

وتحولت الأنظار كلها نحو الطبيب وهو يكمل:

 

“لازم تيجوا حالًا.”

 

وفي نفس اللحظة…

 

كان شخص مجهول يقف في آخر ممر المستشفى.

 

يراقب الغرفة من بعيد.

 

ثم أخرج هاتفه.

 

وقال بهدوء:

 

“البنت لسه عايشة.”

 

ثم ابتسم.

 

“بس مش لفترة طويلة.”

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *