ابنة عمي حكـايـات أسمـا ×1
كنت أبكي في غرفة العناية المركزة بعد أن فقدت توأمي اللتين انتظرتهما 14 عامًا كاملة… ثم اقتربت مني ممرضة وهمست: “أثناء فترة غيابك عن الوعي، كان زوجك يزور الغرفة رقم 8 كل يوم حاملًا الورود والهدايا. لازم تشوفي بنفسك مين اللي هناك.”
كنت أظن أنني وصلت إلى أقصى درجات الألم التي يمكن أن تتحملها امرأة.
لكنني كنت مخطئة.
لأنني في الخامسة صباحًا، نزعت الغطاء عن قدمي، وسحبت حامل المحاليل خلفي، وخرجت من غرفة العناية المركزة رغم الجرح الذي ما زال يؤلمني، ورغم الدوار الذي كان يهدد بإسقاطي في أي لحظة.
مشيت عبر ممرات أحد أكبر المستشفيات الخاصة في القاهرة.
خطوة بعد خطوة.
حتى وصلت إلى الغرفة رقم 8
كان الباب مواربًا قليلًا.
ومن الداخل سمعت صوت زوجي أحمد.
هادئًا.
حنونًا.
ذلك الصوت نفسه الذي كان يطمئنني به منذ أن استيقظت بعد فقدان طفلتيّ.
دفعت الباب ببطء.
وفي اللحظة التي وقعت عيناي فيها على المرأة المستلقية على السرير…
شعرت أن ركبتيّ لم تعودا قادرتين على حملي.
لأنني عرفتها فورًا.
عرفتها من أول نظرة.
وكانت آخر شخص يمكن أن أتخيل وجوده هناك.
آخر شخص توقعت أن أراه في حياتي كلها….
كنت في الحادية والأربعين من عمري عندما حملت أخيرًا.
بعد 14 عامًا من المحاولات.بعد خمس حالات إجهاض.
بعد أن أخبرني الأطباء مرارًا أن ذلك مستحيل.
ثم حدثت المعجزة.
توأم.
بنتان.
بكى زوجي أحمد عندما رأينا نبضين صغيرين على شاشة السونار.
ظل يردد طوال الطريق إلى المنزل:
“الحمد لله… أخيرًا ربنا جبر خاطرنا.”
وفي نفس اليوم اشترى زوجين صغيرين من الجوارب الوردية.
وظل يحملها في جيب سترته لأسابيع.
لكنني فقدت طفلتيّ الأسبوع الماضي…في الأسبوع الحادي والثلاثين من الحمل.
في لحظة كان هناك نبضان.
وفي اللحظة التالية…
كان هناك صمت.
تعرضت لنزيف حاد أثناء الولادة.
ولم أستيقظ إلا بعد أربعة أيام كاملة في العناية المركزة.
استيقظت والأنابيب في ذراعي.
وبطني فارغ.
لكن الألم بداخله كان لا يزال كما لو أن طفلتيّ ما زالتا هناك.
كان أحمد بجانبي كلما فتحت عيني.
يمسك بيدي.
ويبكي معي.
ويهمس أننا سنتجاوز هذه المحنة سويًا.
وصدقته.
حتى جاءت ممرضة الليل.
كانت سيدة كبيرة في السن.
هادئة.تفحصت الأجهزة.
ثم اقتربت مني وكأنها تعدل الوسادة.
وهمست:
“زوجك كان يزور جناحًا آخر أثناء فترة غيابك عن الوعي.”
توقفت أنفاسي.
ثم أضافت:
“الغرفة رقم 8.”
ونظرت إليّ نظرة سريعة قبل أن تقول:
“أنا لم أقل لكِ شيئًا.”
ثم غادرت.
لم أنم تلك الليلة.
لم أستطع.
ظللت أحدق في السقف لساعات.
وأفكر في كل الطرق التي يمكن لرجل أن يخون بها زوجته بعد أن فقدت طفلتيها.
وعند الخامسة صباحًا…
خرجت من سريري.
وسرت حتى وصلت إلى الغرفة رقم 8.
ثم فتحت الباب.
ورأيتها.
المرأة التي كانت مستلقية على السرير…
كانت ابنة عمي سارة.
سقط حامل المحاليل من يدي.
واصطدم بالأرض بصوت مرتفع.
التفت أحمد بسرعة.
واتسعت عيناه من الصدمة.
أما سارة…
فشهقت وهي تحاول الجلوس.
وقبل أن ينطق أي منهما بكلمة…
شعرت أن العالم كله ينهار فوق رأسي.
لأن ساره لم تكن مريضة فقط.كانت …
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
كانت… حاملاً.
في شهرها الثامن.
وبطنها المنتفخ كان أوضح من أن يخطئه أحد.
تجمدت في مكاني.
أما أحمد فاندفع نحوي بسرعة وكأنه يحاول الإمساك بشيء ينهار أمامه.
“اسمعيني يا منى… الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.”
ضحكت.
ضحكة خرجت مكسورة ومخيفة حتى بالنسبة لي.
لأن كل شيء أصبح واضحًا فجأة.
زياراته اليومية.
اختفاؤه لساعات.
دموعه التي ظننتها حزنًا على طفلتينا.
كل شيء أصبح له معنى واحد فقط.
الخيانة.
لكن الشيء الذي جعل الدم يتجمد في عروقي لم يكن حمل سارة.
بل الكلمات التي قالتها وهي تبكي على السرير:
“والله ما كنت عاوزة كده… والله ما كانش المفروض تعرفي بالطريقة دي.”
في تلك اللحظة فقط…
عرفت أن المصيبة أكبر بكثير مما تخيلت.
وأكبر من مجرد خيانة زوج.
لأن سارة كانت تخفي سرًا دفنته العائلة منذ أكثر من خمسة عشر عامًا…
سرًا جعل أحمد يزور غرفتها كل يوم.
وسرًا لو خرج للنور…
سيدمر حياة الجميع.
يتبع…تجمدت أنفاسي وأنا أحدق في بطن سارة المنتفخة.
شعرت وكأن الهواء اختفى من الغرفة.
وكأن الجدران اقتربت فجأة لتطبق على صدري.
أما أحمد فكان واقفًا بيني وبين السرير، وعيناه مليئتان بالخوف.
الخوف الحقيقي.
ذلك النوع من الخوف الذي لا يصنعه الكذب العادي.
بل تصنعه الأسرار الكبيرة.
قلت بصوت مرتجف:
ـ من إمتى؟
لم يجب.
فنظرت إلى سارة.
ـ من إمتى وإنتِ حامل؟
انفجرت بالبكاء.
لكن أحمد تدخل بسرعة.
ـ منى… ارجعي أوضتك الأول.
صرخت فيه:
ـ ما تلمسنيش!
ارتد خطوة للخلف.
كانت أول مرة أصرخ فيها عليه منذ سنوات طويلة.
وأول مرة أرى الرعب في عينيه بهذه الصورة.
اقتربت من السرير رغم الألم الذي كان يمزق بطني.
ثم سألت سارة:
ـ الطفل ده ابن مين؟
انخفض رأسها.
ولم تنطق.
لكن صمتها كان أسوأ من أي إجابة.
شعرت أن الأرض تميد بي.
خمسة عشر عامًا من الزواج.
خمسة عشر عامًا من الحب والثقة.
ثم أكتشف كل شيء بهذه الطريقة؟
بعد موت طفلتيّ مباشرة؟
بعد أن دفنت أحلامي كلها؟
لم أعد أرى أمامي بوضوح.
فجأة بدأ صوت أجهزة المراقبة يعلو.
وشعرت بدوار شديد.
ثم اختفى كل شيء.
—
عندما فتحت عيني من جديد كنت في غرفتي.
والطبيب يقف بجوار السرير.
كان غاضبًا.
قال بحزم:
ـ لو كررتي الحركة دي ممكن يحصل نزيف جديد.
لم أرد.
كل ما كنت أفكر فيه هو الغرفة رقم 8.
وسارة.
وأحمد.
بعد دقائق خرج الطبيب.
وبقي أحمد وحده.
دخل الغرفة ببطء.
وجلس على الكرسي المجاور للسرير.
لكنني أدرت وجهي بعيدًا.
قال بصوت منخفض:
ـ لازم تسمعيني.
أغمضت عيني.
ـ مفيش حاجة أسمعها.
ـ فيه.
ـ هتقول إيه؟ إنها غلطة؟ ولا هتقول إنك بتحبها؟ ولا هتقول إن الطفل مش ابنك؟
صمت.
ثم قال:
ـ الطفل فعلًا مش ابني.
ضحكت بمرارة.
ـ طبعًا.
ـ أقسم بالله.
ـ بطّل حلفان.
ـ منى… اسمعيني للنهاية.
التفت نحوه أخيرًا.
وكانت عيناه حمراوين من السهر.
قال:
ـ اللي هقوله دلوقتي كان المفروض تعرفيه من سنين.
شعرت بانقباض في صدري.
ـ أعرف إيه؟
تنهد طويلًا.
ثم قال:
ـ سارة مش بنت عمك.
توقفت الدنيا للحظة.
حدقت فيه دون فهم.
ـ إيه؟
ـ سارة أختك.
شعرت أن قلبي توقف.
حرفيًا.
توقفت أنفاسي.
وتسمرت عيناي في وجهه.
ـ إنت مجنون؟
هز رأسه.
ـ لا.
ـ أختي إزاي؟
ـ أختك من أبوك.
ساد الصمت.
صمت ثقيل.
مرعب.
قال بصوت مكسور:
ـ قبل أكتر من أربعين سنة كان عند أبوك بنت من زواج قديم.
العيلة كلها خبت الموضوع.
وأمك نفسها ما عرفتش غير بعد سنين.
والبنت دي اتربت بعيد عنكم.
وما حدش قال الحقيقة.
حتى لما رجعت القاهرة واتعرفت عليكم قالوا للناس إنها بنت عمك.
مش أختك.
كنت أشعر وكأن شخصًا يقرأ قصة عن حياة إنسانة أخرى.
ليست حياتي.
ليست عائلتي.
ليست الحقيقة.
قلت:
ـ مستحيل.
ـ دي الحقيقة.
ـ وأنت عرفت منين؟
ـ أبوك قبل ما يموت بسنتين.
قالي كل حاجة.
طلب مني أحافظ عليها.
وما أقولكيش.
انفجرت في البكاء.
شعرت بالخيانة من الجميع.
من أبي.
من عائلتي.
من أحمد.
من كل شخص حولي.
لكن السؤال الأخطر خرج من فمي رغمًا عني:
ـ وحملها؟
هنا انكسر وجه أحمد بالكامل.
وقال:
ـ بسبب ابنها.
تجمدت.
ـ ابنها؟
أومأ برأسه.
ـ سارة كانت حامل في توأم.
زيك بالضبط.
وفي نفس اليوم اللي دخلتي فيه العمليات…
دخلت هي كمان.
حدقت فيه بعدم فهم.
وأكمل:
ـ فقدت أحد الطفلين أثناء الولادة.
والطفل التاني دخل الحضّانة بين الحياة والموت.
بدأت الصورة تتغير ببطء داخل رأسي.
سألته:
ـ وإنت كنت بتزورها؟
ـ كل يوم.
ـ ليه؟
أجاب والدموع في عينيه:
ـ لأنها كانت لوحدها.
جوزها مات من سبع شهور في حادث.
ومفيش حد معاها.
كنت بساعدها بس.
وبحاول أطمنها.
وضعت يدي على فمي.
شعرت بالخجل.
لكن الألم كان ما زال موجودًا.
قلت:
ـ ليه ما قلتليش؟
أطرق رأسه.
ـ لأنك كنتي بتحاربي علشان تعيشي.
الأطباء ما كانوش ضامنين إنك هتفوقي أصلًا.
وكنت خايف أزود وجعك.
في تلك اللحظة فُتح باب الغرفة.
ودخلت الممرضة العجوز نفسها.
نظرت إليّ ثم إلى أحمد.
وشعرت فورًا أنها تعرف كل شيء.
قالت بهدوء:
ـ فيه حد عايز يشوفك.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وأضافت:
ـ أختك.
لأول مرة في حياتي…
سمعت الكلمة بهذه الطريقة.
أختك.
ولأول مرة أدركت أنني فقدت طفلتين…
لكن ربما لم أفقد كل شيء.
يتبع…