امنيه حماتي الأخيره حكـايـات أسمـا
سهير كانت واقفة تحت البيت وشعرها مفكوك بطريقة مخيفة، والكحل سايح حوالين عينيها وهي بتدوس على صور الفرح بكعبها كأنها بتنتقم من حد ق*تلها، مش مجرد جوازة باظت. الناس اتلمت حوالينها بسرعة، والبلكونات اتفتحت، وكل دقيقة كان الفضول بيزيد أكتر. أما كريم… فكان بيحاول يمسك إيديها وهي بتزقه بعنف وتصرخ: — قولتلهم إيه؟! قولتلهم إيه عني يا حسين؟! صوتها كان طالع بشكل هستيري لدرجة إني حسيت جلدي قشعر. حسين على مكالمة الفيديو سكت أول ما سمع صوتها، وبعدين غمض عينيه بتعب وقال: — أهي دي الحقيقة اللي كنت خايف تشوفيها. قلبي كان بيدق بجنون وأنا ببص من البلكونة. كريم رفع وشه فجأة وشافني واقفة فوق. النظرة اللي في عينيه كانت خليط بين الرعب والرجاء والانكسار. للحظة… قلبي وجعني عليه. فعلًا وجعني. لأنه كان باين عليه تايه. ولد كبير محبوس بين أم مريضة وست كان نفسه يحبها بشكل طبيعي لكنه ماعرفش. سهير شافت إنه بيبصلي، فلفت بسرعة ناحية البلكونة، وأول ما شافتني اتبدلت ملامحها بالكامل. الكراهية اللي في عينيها خلتني أرجع خطوة لورا غصب عني. رفعت إيدها ناحيتي وهي بتصرخ: — إنتِ! إنتِ السبب! إنتِ اللي خربتي ابني! أمي شدتني بعيد عن البلكونة فورًا، لكني كنت لسه سامعة صوتها تحت وهي تعيط وتزعق بطريقة مرعبة. حسين قال من الموبايل بصوت هادي: — اقفلي الشبابيك ومتردوش عليها. دي لما تدخل الحالة دي ما بتبقاش شايفة قدامها. آدم بصله بغضب: — وإنت سايبها كده كل السنين دي؟ حسين سكت ثواني طويلة، وبعدين قال بجملة كسرتني: — لأن ابني كان كل مرة يختارها… وأنا كنت بخسره أكتر. بعدها المكالمة اتقفلت، والصالة فضلت ساكتة إلا من صوت سهير اللي لسه طالع من تحت. وبعد حوالي نص ساعة، أخيرًا كريم قدر يدخلها العربية بالعافية ومشي. بس قبل ما العربية تتحرك، سهير نزلت الإزاز وبصت لفوق ناحية شقتنا وهي بتقول بصوت عالي: — هترجعولي! ابني عمره ما هيعيش من غيري! واللي هياخده مني… هدمره! العربية اتحركت بعدها، لكن صوتها فضل عالق في وداني. الليلة دي محدش فينا نام. أمي كانت قاعدة جنبي طول الوقت، وآدم رايح جاي بعصبية، أما أنا فكنت قاعدة في نص السرير بفستان البيت، حضني مضموم حوالين نفسي، وبحاول أفهم إزاي حياتي اتقلبت للكابوس ده في كام يوم. وقت الفجر تقريبًا، موبايلي رن. كريم. بصيت للشاشة كتير قبل ما أرد. أول ما فتحت الخط، سمعت نفسه متقطع كأنه كان بيجري. قال بصوت مبحوح: — سارة… أنا آسف. سكت. قال بسرعة كأنه خايف أقفل: — أمي تعبت. جالها انهيار عصبي. غمضت عيني بتعب. حتى دلوقتي… بيرجع لأمه أول حاجة. قلت بهدوء: — ربنا يشفيها. سكت ثانية، وبعدين قال: — ممكن أشوفك؟ قلبي وجعني فورًا. لأن رغم كل حاجة… كنت لسه بحبه. ودي كانت أسوأ حقيقة. قلت بصعوبة: — ليه؟ علشان نعيد نفس الكلام؟ صوته اتكسر: — علشان أقولك إني تعبت. الجملة خلتني أفتح عيني. لأول مرة… ماكانش بيتكلم عن أمه. كان بيتكلم عن نفسه. قال بصوت واطي: — أنا طول عمري بخاف أزعلها. طول عمري حاسس إني مسؤول عنها. لو بعدت شوية تعيط، تمرض، تكسر الدنيا… وأنا أرجع أجري عليها. حسيت دموعي بتنزل بهدوء. لأن كلامه طلع من مكان موجوع بجد. كمل: — بس لما شفتك النهاردة… عرفت إني خسرتك أنا كمان. همست بتعب: — أنت خسرت نفسك الأول يا كريم. سكت. وبعدها قال الجملة اللي عمري ما هنساها: — أنا مش عارف أكون راجل طبيعي يا سارة. قلبي اتقبض بقوة. لأنه أخيرًا اعترف. أخيرًا شاف الحقيقة اللي الكل شايفها. لكنه كمل بعدها: — بس أوعدك هتغير. وهنا… عرفت إن النهاية قربت. لأن الناس ما بتتغيرش بكلمة بعد سنين مرض. قلت بصوت كله وجع: — التغيير مش علشاني يا كريم. لازم يكون علشان نفسك. اتنهد، وبعدين قال: — يعني انتهينا؟ السؤال نزل على قلبي كأنه سكينة. لأن رغم كل شيء… كنت أتمنى يقول حاجة تخلي كل ده يختفي. لكن مفيش معجزة. مفيش حب يقدر يعيش وسط العلاقة المريضة دي. دموعي نزلت وأنا بقول: — أيوه يا كريم… انتهينا. سمعته بيعيط فعلًا المرة دي. مش بصوت عالي. العياط المكتوم بتاع الراجل اللي أخيرًا فهم حجم الخراب. وبعد ثواني… قفل السكة. قعدت أبص للموبايل بعدها طويل. وأمي كانت واقفة عند الباب سامعة كل حاجة. قربت مني بهدوء وقعدت جنبي وقالت: — موجوع؟ هزيت راسي وأنا بعيط. حضنتني وقالت: — الوجع اللي ينقذك… نعمة. عدّى أسبوع بعد اللي حصل. الفيديوهات فضلت منتشرة، والناس كلها بتحكي عن “العريس اللي شال أمه بدل عروسته”. بعضهم كان بيتريق، وبعضهم متعاطف، وبعضهم حوّل القصة لنكتة. وأنا في البداية كنت بموت من الإحراج. ماكنتش قادرة أفتح السوشيال ميديا، ولا أرد على حد. لكن بالتدريج… بدأت أحس بحاجة غريبة. راحة. آه، كنت موجوعة. بس مرتاحة إني ما دخلتش البيت ده. مرتاحة إني مشيت بدري. وفي يوم، وأنا قاعدة مع أمي في الصالة نشرب شاي، الباب خبط. آدم فتح… واتجمد مكانه. دخل ببطء وقال: — في حد عايز يشوفك. قلبي اتقبض فورًا. افتكرت سهير. لكن اللي دخل كان حسين. أبو كريم. كان شكله أهدى من أول مرة شوفته فيها، لكن التعب محفور في وشه. وقف قدامي وقال بهدوء: — آسف لو جيت من غير معاد. أمي رحبت بيه بحذر، وقعد. فضل ساكت شوية كأنه بيجمع كلامه، وبعدين مدلي ظرف صغير. أخدته باستغراب. فتحته… ولقيت جواه صور. صور قديمة لكريم وهو صغير. مع أبوه. بيضحك. طبيعي. سعيد. حسين قال بصوت حزين: — قبل ما تضيع حياته. قلبي وجعني. قال: — أنا جيت علشان أقولك حاجة مهمة… متكرهيهوش. بصيتله بدهشة. كمل: — ابني ضحية زي ما إنتِ ضحية. الفرق إنك عرفتي تهربي. أما هو… فاتربى جوه السجن لدرجة بقى فاكره بيت. دموعي نزلت من غير ما أحس. حسين قام ببطء وقال: — يمكن يوم يقدر يتعالج… ويمكن لأ. بس القرار لازم ييجي منه هو. وقبل ما يمشي، وقف عند الباب وقال: — على فكرة… النهاردة أول يوم كريم يسيب أمه ويروح جلسة علاج نفسي. اتجمدت. بصيتله بصدمة. ابتسم بحزن: — شكلك لما سيبتيه… فوقه أخيرًا. ومشي. قعدت مكاني بعدها وأنا حاسة بمشاعر متلخبطة بشكل مرعب. فرحت إنه أخيرًا طلب المساعدة. ووجعت عليه. لكن في نفس الوقت… كنت عارفة إن دوري انتهى. أنا ماكنتش المنقذة. ولا العلاج. أنا كنت الصفعة اللي صحته. وبعد شهور، بدأت حياتي ترجع بالتدريج. رجعت شغلي. خرجت مع صحابي. بقيت أضحك تاني. وأول مرة أبص للمراية من غير ما أشوف البنت المكسورة اللي واقفة بفستان فرحها لوحدها. وفي يوم، كنت ماشية مع أمي في مول، لما فجأة شفت حد واقف بعيد بيبصلي. كريم. كان أهدى. أضعف شوية. لكنه مختلف. ولأول مرة… كان لوحده. عيوننا اتقابلت ثواني طويلة. قرب بهدوء. قلبي دق… لكن مش بنفس الطريقة القديمة. وقف قدامي وقال بابتسامة خفيفة متعبة: — عاملة إيه؟ قلت بهدوء: — كويسة. هز راسه. وبعدين قال: — كنتِ عندك حق. سكتنا شوية. بعدها قال: — أنا آسف إني ما عرفتش أحبك بالطريقة اللي تستحقيها. دموعي لمعت، لكني ابتسمت. — وأنا آسفة إني حاولت أصلح حاجة مكسورة من زمان. ابتسم بحزن. ولأول مرة… ما حسيتش إنه بيشدني ناحيته. حسيت بس بالسلام. السلام اللي بييجي بعد النجاة. قبل ما يمشي، قال: — أمي اتعالجت شوية… ولسه الطريق طويل. هزيت راسي. — المهم إنك بدأت تمشيه. بصلي آخر نظرة… ومشي. وأنا واقفة مكاني أدركت أخيرًا إن بعض الناس مش بيبقوا حب حياتنا… بيبقوا الدرس اللي ينقذ حياتنا. واليوم اللي حسّيت فيه إني اتهنت قدام العالم كله… كان في الحقيقة اليوم اللي ربنا أنقذني فيه من عمر كامل من الذل.:::
تمت