زوجي قرة عيني اسما السيد -1

زوجـك يجـلس على الطـاوله رقم 5 مع خطيبته…
أرسل لي زوجي رسالة يقول فيها إنّه عالق في العمل، ثم همس لي النادل قائلاً: زوجك يجلس على الطاولة رقم خمسة مع خطيبته، وفي تلك اللحظة بالذات قررت أن أفعل ما لم يخطر ببالي يومًا
اسمي نجلاء منصور، أبلغ من العمر أربعة وثلاثين عامًا، وفي تلك الليلة دخلت مطعمًا فاخرًا في قلب القاهرة وأنا أظن أنني سأتعشى وحدي. قبل دقائق فقط كان زوجي، كريم الدسوقي، قد أرسل لي رسالة قصيرة يقول فيها: أنا متأخر في الشغل، مش هعرف أجيلك. لم أتردد في تصديقه، رغم أن العذر ذاته تكرر كثيرًا في الأشهر الأخيرة، لكنني اخترت كعادتي ألا أفتش في التفاصيل.
جلست إلى طاولة قريبة من المدخل. كان المكان أنيقًا ومزدحمًا، تعلوه همهمة الأحاديث وضحكات خافتة، وأضواء دافئة تنعكس على الطاولات المصقولة. طلبت كأسًا من العصير وفتحت هاتفي أتنقل بين الرسائل بلا تركيز. في تلك اللحظة اقترب النادل بخطوات حذرة، انحنى قليلًا وهمس بصوت منخفض: سيدتي… أظن أنه يجب أن تعرفي شيئًا. زوجك يجلس على الطاولة رقم خمسة.
شعرت بض*ربة قوية في صدري، كأن الهواء انقطع فجأة. سألته إن كان متأكدًا، فأومأ برأسه وأضاف الجملة التي جمّدت الدم في عروقي: إنه يجلس مع خطيبته.
لم أبكِ. لم أصرخ. رفعت بصري بهدوء ونظرت ناحية الطاولة رقم خمسة. كان كريم هناك، يبتسم، يمسك بيد امرأة شابة ترتدي فستانًا أبيض، يلمع خاتم في إصبعها. كان ينحني نحوها بنفس النظرة التي كان يخصّني بها في بدايات زواجنا.
في تلك اللحظة فقط، اكتمل المشهد في ذهني. رحلات العمل المفاجئة، الرسائل المحذوفة، المكالمات الصامتة. لم تكن نزوة عابرة. كانت حياة كاملة موازية، تُدار في الظل.
أخذت نفسًا عميقًا، واستدعيت النادل مرة أخرى. طلبت منه أن يرسل كأسًا من العصير الفاخر إلى الطاولة رقم خمسة، على حسابي. ابتسم دون أن يفهم تمامًا ما يحدث. نهضت من مكاني، أمسكت بحقيبتي، وسرت بخطوات ثابتة نحوهم.
رآني كريم. سُحب اللون من وجهه في لحظة. التفتت المرأة بجواره إليّ بنظرة حائرة. وضعت الكأس بهدوء على الطاولة، وقلت بصوت واضح: مبروك الخطوبة.
وفي قلب المطعم، وبين العيون المندهشة، كانت الحقيقة على وشك أن تنفجر….عجبتك عندك شغف تكملها صلي على محمد وال محمد وتابع معايا 👇❤️👇
وفي قلب المطعم وبين العيون المندهشة كانت الحقيقة على وشك أن تنفجر
ظل كريم يحدق بي كأنني شبح خرج فجأة من ماضيه
أما الفتاة الجالسة بجواره فكانت تنظر بيننا بارتباك واضح لا تفهم ما يحدث
ابتسمت لها بهدوء رغم النار المشتعلة داخلي وقلت
واضح إن كريم نسي يعرّفك بيا
ابتلع ريقه بصعوبة ثم وقف بسرعة وقال بصوت مرتجف
نجلاء اسمعيني بس
لكنني رفعت يدي أوقفه
لا تقلق أنا مش جاية أعمل فضيحة
ثم التفت إلى الفتاة وقلت
أنا مراته
تغير لون وجهها فورًا
حدقت إليه كأنها تنتظر منه أن يكذبني
لكنه لم يفعل
ظل صامتًا
وذلك الصمت كان أقسى من أي اعتراف
قالت الفتاة بصوت مخنوق
مراته إيه
إنت قلت إنك مطلق من سنتين
شعرت بشيء بارد يمر في عروقي
حتى أنا لم أتوقع هذه الجملة
كان يخبرها أنه رجل حر
رجل جاهز لبداية جديدة
بينما كنت أنا في البيت أعد له العشاء وأغسل قمصانه وأنتظر رسائله الباردة كل ليلة
نظر كريم إليها بسرعة وقال
سارة الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة
ضحكت بمرارة وقلت
أيوه فعلًا الموضوع مش زي ما هي فاهمة خالص
بدأ الناس حولنا يلتفتون نحونا
الهمسات تعلو
والتوتر ينتشر فوق الطاولات المجاورة
لكنني بشكل غريب كنت هادئة جدًا
كأن الصدمة أكبر من أن تسمح لي بالانهيار
جلست على الكرسي المقابل لهما دون استئذان
ثم قلت وأنا أنظر إلى كريم مباشرة
بقالي كام سنة متجوزك يا كريم
أجاب بصوت منخفض
سبعة
هززت رأسي ببطء
سبعة سنين وأنا بدافع عنك قدام أهلي
سبعة سنين وأنا أقول للناس إنك تعبان ومضغوط وشغلك واخدك مني
سبعة سنين وأنا مصدقة إن الحب ممكن يرجع لو استحملت شوية
ثم أشرت إلى الخاتم في يد سارة
وأنت في الآخر خطبت واحدة تانية
كانت سارة على وشك البكاء
نزعت يدها من يده بسرعة وكأن لمسته أصبحت مؤذية
وقالت له بصدمة
إنت نصاب
حاول الإمساك بها لكنها وقفت بعنف
أنا كنت هتجوز راجل متجوز
كنت هبقى إيه بالنسبة للناس
ثم التفتت إليّ وعيناها ممتلئتان بالدموع
والله ما كنت أعرف
صدقيني
نظرت إليها طويلًا
كانت صغيرة
ربما في الخامسة والعشرين
جميلة ومرتبة وتبدو صادقة في انهيارها
وفي تلك اللحظة أدركت شيئًا مهمًا
هي ليست عدوتي
كلتانا خُدعنا بنفس الرجل
تنهدت وقلت لها بهدوء
أنا مصدقاكي
أما كريم فكان ينظر إليّ بخوف حقيقي لأول مرة منذ سنوات
قال بسرعة
تعالي نتكلم برا يا نجلاء
لكنني ابتسمت ببرود وقلت
ليه برا
خايف الناس تعرف الحقيقة
ثم أخرجت هاتفي وفتحت آخر رسالة أرسلها لي قبل نصف ساعة
أنا لسه في الشغل
الدنيا زحمة ومش هعرف أتحرك
ورفعت الهاتف أمامه
وقلت
الشغل شكله حلو أوي النهارده
سمعت ضحكات خافتة من إحدى الطاولات القريبة
فازداد ارتباكه أكثر
أما أنا فشعرت للمرة الأولى منذ شهور أنني أستعيد شيئًا من كرامتي
وقف كريم فجأة وقال بعصبية
كفاية
إنتي مش فاهمة أي حاجة
ضحكت
أمال إيه اللي المفروض أفهمه
إنك اتجوزتني للمنظر
ولا إنك كنت بتقسم وقتك بين بيتين
ولا إنك كنت بتخطط تطلقني أول ما تضمن إنها هتوافق عليك
تجمد مكانه
وكان ذلك كافيًا
لأنني عرفت أنني أصبت الحقيقة
شعرت بغصة مؤلمة في حلقي
لكنني رفضت البكاء أمامه
ليس بعد كل ما فعله
أخذت حقيبتي ونهضت
ثم نظرت إلى سارة وقلت
أنصحك تهربي دلوقتي
الراجل اللي يكدب على مراته سبع سنين هيكدب على أي حد
وغادرت الطاولة
كنت أسمع صوته يناديني خلفي لكنني لم ألتفت
خرجت من المطعم إلى شارع هادئ نسبيًا
وكان هواء الليل باردًا على وجهي
عندها فقط بدأت يداي ترتجفان
ركبت سيارتي وجلست دقائق طويلة أحدق أمامي دون حركة
كل شيء كان يتكسر داخلي
الذكريات
السنوات
الأحلام الصغيرة التي بنيتها معه
حتى البيت الذي كنت أعتبره أمانًا بدا فجأة غريبًا
رن هاتفي
كان كريم
أغلقت المكالمة
ثم عاد الاتصال مرة أخرى
ومرة ثالثة
وفي الرابعة أرسلت له رسالة قصيرة
ما ترجعش البيت النهارده
أطفأت الهاتف بعدها
عندما وصلت إلى الشقة شعرت بالاختناق
كل زاوية تحمل أثره
صورنا على الحائط
عطره فوق الرف
الجاكيت الذي نسيه على الأريكة
الحياة التي كنت أظنها حقيقية
جلست على الأرض في منتصف الصالة وانهرت أخيرًا
بكيت حتى شعرت بأن صدري يتمزق
ليس فقط لأنه خانني
بل لأنني كنت أعرف في أعماقي منذ شهور أن هناك شيئًا خطأ
لكنني خفت من مواجهة الحقيقة
في الثالثة فجراً سمعت صوت الباب
دخل كريم بهدوء
وعندما رآني جالسة على الأرض اقترب ببطء وقال
لازم تسمعيني
مسحت دموعي ونظرت إليه ببرود
اتفضل
جلس بعيدًا قليلًا وكأنه يخشى الاقتراب
ثم قال
أنا ماكنتش عايز الأمور توصل لكده
ضحكت بسخرية
يعني المشكلة إنني اكتشفت
مش إنك خنتني
خفض رأسه للحظات ثم قال
أنا كنت حاسس إن جوازنا انتهى من زمان
شعرت كأن أحدهم صفعني
قلت بصوت مرتجف
وأنا كنت أعرف إمتى
لما كنت بطبخلك
ولا لما كنت بستناك كل ليلة
ولا لما كنت باكدب على الناس وأقول جوزي تعبان ومضغوط
صرخ فجأة
عشان إنتي اتغيرتي
وقفت بسرعة
أنا اتغيرت
أنا اللي اتغيرت
أنا اللي كنت بصحى بدري أشتغل وأرجع أطبخ وأنظف وأستحمل برودك
أنا اللي فضلت جنبك لما خسرت شغلك أول مرة
أنا اللي بعت دهبي عشان نسدد ديونك
وفي الآخر أنا اللي اتغيرت
ظل صامتًا
لأنه لم يملك ردًا
ثم قال أخيرًا بصوت منخفض
سارة كانت مريحاني
معاها كنت حاسس إني لسه مرغوب
تلك الجملة جرحتني أكثر من الخيانة نفسها
لأنني فجأة رأيت الحقيقة كاملة
هو لم يكن يبحث عن حب
بل عن نسخة جديدة من نفسه
امرأة لا تعرف عيوبه بعد
امرأة لم تره في لحظات ضعفه
اقتربت منه وقلت بهدوء مخيف
عارف المشكلة إيه يا كريم
إنك طول الوقت كنت عايز واحدة تبصلك كأنك بطل
لكن عمرك ما حاولت تكون فعلًا راجل محترم
ثم دخلت غرفة النوم وأغلقت الباب بالمفتاح
في الصباح استيقظت على صوت رنين متواصل
كانت والدة كريم
رفضت الرد
ثم أرسلت رسالة
كريم قالي اللي حصل لازم تتكلموا بعقل يا بنتي
ضحكت بمرارة
حتى الآن ما زالوا يتصرفون وكأن الخيانة مجرد خلاف زوجي بسيط
لكن المفاجأة جاءت بعد الظهر
عندما رن جرس الباب
فتحت فوجدت سارة واقفة أمامي
كانت عيناها منتفختين من البكاء
وقالت بتردد
ممكن أتكلم معاكي دقيقة
سمحت لها بالدخول
جلست متوترة وهي تعصر أصابعها بقوة
ثم قالت بسرعة
أنا سيبته
أول ما خرجتي من المطعم سبت الخاتم ومشيت
لم أعرف ماذا أقول
فأكملت
أنا آسفة
والله لو كنت أعرف إنه متجوز ما كنت بصيتله أصلًا
هززت رأسي بهدوء
أنا عارفة
ثم أخرجت من حقيبتها ظرفًا صغيرًا ووضعته أمامي
وقالت
دي صور ومستندات لازم تشوفيها
شعرت بالقلق فورًا
فتحت الظرف ببطء
وكانت الصدمة الثانية في انتظاري
عقود شقق
كشف حسابات
وصور لكريم مع امرأة أخرى غير سارة
رفعت رأسي نحوها بذهول
فقالت بصوت مكسور
أنا اكتشفت إنه كان بيكذب عليا أنا كمان
في واحدة تالتة
شعرت بدوار مفاجئ
رجل واحد
ثلاث نساء
وثلاث حيوات مزيفة
قالت سارة
هو كان بيصرف فلوس كتير جدًا
ولما سألته كان بيقول دي استثمارات
بس الحقيقة إنه مأجر شقة لواحدة تانية في الشيخ زايد
جلست بصمت طويل
ثم بدأت أضحك
ضحكة خافتة مجنونة خرجت رغماً عني
لأن الأمر أصبح أكبر من الخيانة
لقد كنت متزوجة رجلًا لا أعرفه أصلًا
بعد دقائق سألتها
ليه جبتيلي الحاجات دي
نظرت إليّ بعينين دامعتين وقالت
عشان إنتي الوحيدة اللي تستحقي تعرفي الحقيقة كاملة
بعد أن غادرت بقيت أحدق في الصور لساعات
ثم بدأت أربط أشياء كثيرة ببعضها
اختفاء الأموال
الكذب المستمر
البرود المفاجئ
كل شيء أصبح منطقيًا الآن
لكن أكثر ما آلمني لم يكن النساء الأخريات
بل إدراكي أنني أضعت سنوات من عمري مع شخص كان يعيش كذبة كاملة
وفي المساء عاد كريم
دخل الشقة بثقة ظنًا منه أنني سأصرخ أو أبكي كعادتي
لكنه توقف فورًا عندما رأى الصور أمامي على الطاولة
شحب وجهه
وقال بصوت مخنوق
مين جابلك دي
ابتسمت ببطء
واضح إنك كنت مشغول أوي لدرجة إنك لخبطت بين أكاذيبك
اقترب بسرعة محاولًا أخذ الصور لكنني سبقته
ثم قلت
مين دي كمان يا كريم
لم يجب
فقلت بحدة
في كام واحدة في حياتك وأنا نايمة جنبك كل ليلة
جلس على الأريكة وكأنه انهار فجأة
ثم قال بصوت منخفض
أنا غلطت
هززت رأسي
لا
الغلط مرة
إنما اللي إنت عملته كان حياة كاملة مبنية على الخداع
رفع عينيه نحوي وقال
إنتي مش فاهمة الضغط اللي كنت فيه
ضحكت بمرارة
الخيانة بقت ضغط دلوقتي
ثم أخذت نفسًا عميقًا وقلت الجملة التي لم أتخيل يومًا أنني سأقولها
أنا هطلقك يا كريم
تجمد تمامًا
كأنه لأول مرة أدرك أنني قد أرحل فعلًا
وقف بسرعة وقال
إنتي مستحيل تعمليها
إنتي محتاجاني
نظرت إليه طويلًا
وهنا فقط فهمت لماذا استمر بكل هذه الثقة
لأنه كان يظن أنني لن أملك الشجاعة أبدًا
اقتربت منه حتى أصبحت أنظر مباشرة في عينيه
ثم قلت بهدوء ثابت
الست اللي قدرت تعيش مع راجل زيك سبع سنين تقدر تعيش من غيره العمر كله
ولأول مرة منذ سنوات شعرت أنني لا أخافه
ولا أخاف الوحدة
ولا أخاف البداية الجديدة
وفي تلك اللحظة بالذات أدركت أن الليلة التي دخلت فيها ذلك المطعم لم تكن نهاية حياتي
كانت أول مرة أفتح فيها عيني فعلًا
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *