فس الشهر السادس حكـايـات أسمـا ×1
في الشهر السادس من حملي، كنت أتابع نبضات طفلتي على شاشة السونار… ثم ظهر خبر عاجل على التلفزيون: زوجي الملياردير يستعد للزواج من امرأة أخرى الشهر القادم
لم تكن الممرضة قد انتهت حتى من مسح الجل عن بطني عندما انهار زواجي أمام عيني على الهواء مباشرة.
منذ لحظات فقط كنت مستلقية على سرير الفحص في أحد أكبر المستشفيات الخاصة بالقاهرة الجديدة، أتابع صورة طفلتي الصغيرة وهي تتحرك داخل رحمي.
كان صوت نبضات قلبها يملأ الغرفة.
سريعًا.
قويًا.
مطمئنًا.
بعد سنوات من الانتظار والألم ومحاولتين فاشلتين للحمل انتهتا بخسارة قاسية، كانت طفلتي أخيرًا هنا.
حية.
بصحة جيدة.
وقريبة مني أكثر من أي شخص آخر في العالم.
ثم فجأة انقطع البرنامج المعروض على التلفزيون المعلق في زاوية الغرفة.
ظهر شريط أحمر عاجل.
وتغير كل شيء.
“رجل الأعمال الشهير كريم الشاذلي، رئيس مجموعة الشاذلي للتطوير والاستثمار، يعلن رسميًا خطوبته على الإعلامية المعروفة ياسمين السيوفي، على أن يقام حفل الزفاف الشهر المقبل في أحد المنتجعات الفاخرة بالساحل الشمالي.”
في البداية ظننت أنني سمعت خطأ.
ثم ظهر وجهه على الشاشة.
زوجي.
كريم الشاذلي.
الرجل الذي ما زلت أرتدي خاتم زواجه في إصبعي.
كان يقف وسط عشرات الكاميرات مرتديًا بدلة سوداء فاخرة، بينما كانت ياسمين تقف بجواره متعلقة بذراعه وكأنها ملكة متوجة.
ورفعت يدها أمام المصورين بفخر.
خاتم ألماس ضخم يلمع تحت الأضواء.
خاتم خطوبة.
شعرت أن الأرض تميد بي.
كان يبتسم لها بنفس الابتسامة التي منحني إياها يوم طلب الزواج مني.
قبل أن يبدأ بالكذب.
قبل أن تتحول رحلات العمل إلى اختفاءات طويلة.
قبل أن تصبح المكالمات غير المجابة جزءًا طبيعيًا من حياتي.
وقبل أن أقضي ليالي كاملة وحدي أقنع نفسي أن نجاحه يحتاج إلى تضحية.
في تلك اللحظة كانت شاشة السونار بجانبي ما تزال تعرض نبضات قلب طفلتي.
منتظمة.
قوية.
حية.
بينما كانت البلاد كلها تشاهد والدها يستعد للزواج من امرأة أخرى.
لا أتذكر إن كنت جلست أم توقفت عن التنفس.
كل ما أتذكره أن الدكتور أحمد منصور دخل الغرفة بسرعة وأغلق صوت التلفزيون.
ثم اقترب مني بهدوء وقال:
“يا ليلى… بصيلي.”
رفعت عيني نحوه بصعوبة.
همست:
“ده جوزي.”
أومأ برأسه.
“عارف.”
“هيتجوز الشهر الجاي.”
ساد الصمت للحظة.
ثم قال بحذر:
“بنتك بخير… وده أهم شيء دلوقتي.”
ضحكت ضحكة قصيرة خرجت مكسورة أكثر من كونها ضحكة.
“لا يا دكتور.”
وضعت يدي فوق بطني.
“الأهم إن بنتي لسه متعرفش إن أبوها خانها قبل ما تتولد.”
تغيرت ملامحه.
ثم سألني:
“عندك مكان تروحي له؟”
في تلك اللحظة تحركت طفلتي داخل بطني.
ركلة صغيرة.
لكنها كانت كافية لتعيدني إلى الواقع.
قلت بهدوء:
“بيت أهلي.”
“كلميهم.”
اتصلت بأمي.
ردت قبل أن تكتمل الرنة الثانية.
وكان صوتها مرتبكًا بالفعل.
“ليلى؟”
ثم أضافت بسرعة:
“قوليلي إنك مش بتتفرجي على الأخبار.”
حاولت الكلام.
لكن صمتي كان كافيًا.
سمعتها تأخذ نفسًا عميقًا.
ثم قالت بحزم:
“أنا وأبوكي جايين حالًا.”
“ماما…”
انفجرت باكية.
“أوضة البيبي… هدومها… كل حاجة هناك.”
قاطعتني فورًا.
“إنتِ وبنتك أهم من أي حاجة.”
ثم أكملت:
“كل حاجة تانية تتعوض.”
بعد ساعات قليلة فقط كان والداي أمامي.
وما إن رأيت أبي حتى انهرت بين ذراعيه.
ضمّني بقوة وقال:
“أنا هنا يا بنتي.”
ثم كررها مرة أخرى.
“أنا هنا.”
في تلك الليلة غادرت القاهرة.
لم أحمل معي سوى حقيبة صغيرة.
وصور السونار.
وخاتم الزواج الذي أصبح وجوده في يدي مؤلمًا أكثر من أي جرح.
أما كريم…
فلم يتصل.
لم يرسل رسالة.
لم يسأل أين ذهبت.
ولم يحاول حتى تفسير ما شاهده العالم كله على التلفزيون.
الصحفيون كانوا يملأون هاتفي بالاتصالات.
البرامج الإخبارية تتحدث عنه.
ومواقع التواصل تنشر صور خطوبته في كل مكان.
لكن أمي أخذت الهاتف مني وأغلقته تمامًا.
ثم قالت بهدوء:
“مش لازم تعيشي وجعك قدام الناس.”
جلست بجوار نافذة السيارة.
وضعت يدي على بطني.
ونظرت إلى الظلام خارج الطريق.
قلت بصوت خافت:
“أنا مش عايزة منه حاجة.”
“لا فلوسه.”
“ولا اسمه.”
“أنا بس عايزة أحمي بنتي.”
التفتت أمي نحوي.
ونظرت في عيني مباشرة.
ثم قالت:
“اسمعيني كويس.”
“كرامتك شيء مهم.”
“لكن مستقبل بنتك أهم.”
“حقها عند أبوها مش منّة.”
“وخليكي فاكرة…”
“الست القوية مش اللي بتمشي من غير حقوقها.”
“الست القوية هي اللي بتاخد حقها كامل وبتبدأ من جديد.”
مرّت ثلاثة أيام كاملة.
ثلاثة أيام لم أسمع فيها كلمة واحدة من كريم.
ثم أخيرًا وصل ردّه.
لكن ليس باتصال.
ولا باعتذار.
ولا حتى برسالة.
في صباح اليوم الرابع، توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام منزل والدي.
وترجل منها رجل يرتدي بدلة رسمية.
وفي يده ظرف سميك يحمل شعار إحدى أكبر شركات المحاماة في القاهرة.
حينها فقط أدركت…
أن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد.
الفصل الثاني
ظل الظرف فوق الطاولة عدة ثوانٍ دون أن يلمسه أحد.
كانت أمي تنظر إليه وكأنه قنبلة موقوتة.
أما أبي فكان واقفًا أمام الرجل الذي أحضره، وملامحه جامدة بطريقة أعرفها جيدًا.
تلك الملامح التي تظهر فقط عندما يكون غاضبًا إلى أقصى درجة.
قال الرجل الرسمي بهدوء:
“حضرتك الأستاذة ليلى الشاذلي؟”
أومأت برأسي.
مد الظرف نحوي.
“هذه أوراق رسمية من مكتب المستشار القانوني للسيد كريم الشاذلي.”
شعرت بشيء بارد يمر داخل صدري.
حتى اسمه أصبح مؤلمًا.
أخذ أبي الظرف قبلي.
فتح الغلاف.
وبدأ يقرأ.
في البداية لم يتغير وجهه.
ثم فجأة اشتدت ملامحه.
ثم تحول الصمت إلى شيء أخطر.
غضب.
غضب حقيقي.
قال بصوت منخفض:
“الحقير.”
رفعت رأسي بسرعة.
“في إيه؟”
ناولني الأوراق.
وبدأت أقرأ.
كل كلمة كانت كصفعة جديدة.
السيد كريم الشاذلي يقر بانفصال الزوجين فعليًا منذ أكثر من عام.
ويؤكد أن الحمل الحالي لا يمكن إثبات نسبه قانونيًا إلا بعد إجراءات قضائية.
كما يطالب بتجميد أي مطالبات مالية أو إعلامية لحين انتهاء التحقيقات.
توقفت عيناي عند السطر الأخير.
لم أعد أرى شيئًا بعده.
الحروف كلها اختلطت ببعضها.
ثم همست:
“هو بيقول إن البنت مش بنته؟”
لم يجب أحد.
لأن الإجابة كانت واضحة.
شعرت بطفلتي تتحرك داخل بطني.
كأنها تحتج.
كأنها ترفض الإهانة هي الأخرى.
وضعت يدي فوق بطني.
وبكيت لأول مرة منذ مغادرتي القاهرة.
ليس بسبب الخيانة.
ولا بسبب الزواج الجديد.
بل بسبب هذه الطعنة.
الرجل الذي انتظر خبر حملي سنوات.
الرجل الذي بكى عندما أخبرته أن اختبار الحمل أخيرًا أصبح إيجابيًا.
الرجل الذي كان يضع يده على بطني كل ليلة ويتحدث إلى طفلته.
يقف الآن أمام العالم ويشكك فيها.
قالت أمي وهي تمسح دموعي:
“ده مش كريم اللي عرفناه.”
ضحك أبي بمرارة.
“لا… ده كريم الحقيقي.”
في تلك الليلة لم أنم.
كلما أغلقت عيني رأيت صوره مع ياسمين.
ورأيت الأوراق.
وسمعت عبارة واحدة تتكرر داخل رأسي.
لا يمكن إثبات النسب.
عند الفجر تقريبًا رن هاتفي.
رقم مجهول.
ترددت.
ثم أجبت.
جاءني صوت امرأة.
هادئ.
ومتوتر.
“ليلى؟”
عقدت حاجبي.
“مين؟”
ساد صمت قصير.
ثم قالت:
“أنا ياسمين.”
تجمد جسدي بالكامل.
الاسم وحده كان كافيًا.
المرأة التي ظهرت على الشاشات وهي تتباهى بخاتم خطوبتها.
المرأة التي سرقت زوجي.
أو هكذا كنت أعتقد.
أغلقت الهاتف فورًا.
لكن بعد ثوانٍ وصلني تسجيل صوتي.
ترددت طويلًا.
ثم ضغطت تشغيل.
وجاء صوتها المرتجف:
“أرجوكي اسمعيني للنهاية.”
“أنا ما كنتش أعرف إنه متجوز.”
اتسعت عيناي.
واصلت الكلام.
“كريم قال إنه مطلق من سنتين.”
“وقال إن مفيش أولاد.”
“وإن علاقته القديمة انتهت.”
شعرت أن أنفاسي تتسارع.
أكملت:
“عرفت الحقيقة من التلفزيون زيك بالضبط.”
“وأول ما واجهته… كذب.”
“ولما جبتله دليل… كذب تاني.”
“ولما قلتله إني هسيبه… هددني.”
في تلك اللحظة جلست مستقيمة فوق السرير.
أول مرة منذ أيام أشعر أن هناك شيئًا لا أفهمه.
شيئًا أكبر من مجرد خيانة.
ثم سمعتها تقول الجملة التي غيرت كل شيء.
“ليلى… في ناس خطر حوالين كريم.”
“ونصيحة مني… متفتكريش إن اللي حصل مجرد قصة راجل خان مراته.”
“في حاجة أكبر بكتير.”
انتهى التسجيل.
وظللت أحدق في الهاتف.
دقائق كاملة.
قبل أن يصلني ملف آخر.
صورة.
فتحتها.
وشعرت بالدم يتجمد في عروقي.
كانت صورة لعقد.
عقد موقع باسم كريم الشاذلي.
وتحته توقيع رجل آخر.
رجل أعرفه جيدًا.
رجل كان شريك كريم منذ سنوات.
رجل مات في حادث سيارة قبل ستة أشهر.
أو هكذا قالت الأخبار.
لكن التاريخ الموجود على العقد…
كان بعد وفاته بشهر كامل.
حينها فقط أدركت أن ياسمين ربما لم تكن عدوتي.
وأن الشخص الذي كنت أظنه مجرد زوج خائن…
قد يكون يخفي أسرارًا أخطر بكثير مما تخيلت.
وفي نفس اللحظة بالضبط…
وصلت رسالة جديدة إلى هاتفي.
من رقم غير معروف.
تحتوي على سبع كلمات فقط:
“لو عايزة بنتك تعيش… ابعدي فورًا.”
وتحت الرسالة مباشرة…
كانت هناك صورة لمنزل والدي.
تم التقاطها قبل دقائق فقط.
