ضرتي هانم حكـايـات أسمـا ×1
ضرتي متعلمه وعلشانها جوزي طلقني لأنه شايف إني عاطله وعاله عليه “ما بشتغلش”… لكنه ماكنش يعرف إن رسوماتي السرية كانت على وشك تتحول لعقد بملايين الجنيهات…هو خسرني
الجزء الأول
—أنا مش عايز زوجة تقضي يومها ترسم شخبطة أطفال وأنا اللي شايل البيت كله.
قالها كريم ببرود وهو بيرمي أوراق الطلاق على ترابيزة المطبخ كأنها فاتورة كهربا.
حتى ما بصليش…كان مركز في موبايله بنفس النظرة المتعالية اللي دايمًا يستخدمها لما يحب يحسسني إني قليلة.
—أنا محتاج ست عندها طموح يا ياسمين… حد بيشتغل بجد.
بصيت لإيديا الملطخة بالألوان المائية. كنت لسه مخلصة رسمة لكتاب الأطفال السابع بتاعي.طبعًا كريم ماكنش يعرف.بالنسبة له… دفاتري، وألواني الاحترافية، والتابلت اللي بقعد عليه بالساعات… كلها مجرد “هواية فارغة”.
عمره ما سألني بعمل إيه طول الوقت جوه المكتب. ولا اهتم يعرف ليه شركات شحن بتبعتلي طرود طول الأسبوع. ولا ليه إيميلات دور النشر ما بتوقفش.
بس ابتسمت بهدوء وقلت: أمضي فين؟
رفع عينه ليا بدهشة. كان متوقع عياط… ترجي… انهيار.
لكن اللي ماكنش يعرفه…إني طول 6 سنين كنت بنشر كتب أطفال باسم مستعار: “رحاب المنسي”.اسمي الحقيقي ماكنش معروف للناس.لكن كتبي؟ كانت في كل مكان.
معارض الكتاب. مكتبات الشروق. دور النشر الكبيرة. حتى مدارس خاصة بدأت تعتمد قصصي للأطفال.
السنة اللي فاتت وحدها… دخلت أكتر من 4 مليون جنيه من حقوق النشر.وفي نفس الأسبوع اللي كريم كان بيطلقني فيه… كنت على وشك توقيع عقد مع منصة عالمية لتحويل قصصي لمسلسل رسوم متحركة بمبلغ يقرب من 6 مليون جنيه.
لكن كريم ماكانش عايز ست “بتلعب بالألوان”.
كان عايز واحدة زي نادين.
نادين كانت صاحبتي من أيام الجامعة. دايمًا تمدح هدومي، وبيتي، وجوازي، وتقول: إنتِ محظوظة أوي يا ياسمين.
لكن بعدين فهمت… إن كلامها ماكانش إعجاب. كان غيرة.
بعد أسبوعين من الطلاق… كريم نقل يعيش معاها بكل بجاحه
والمصيبة الأكبر؟ إنهم اشتروا البيت اللي كنت عايشة فيه معاه في المعادي.
مطبخي. جنينتي الصغيرة. مكتبي اللي رسمت فيه أول قصة ناجحة ليا.
نادين بدأت تنزل صور على إنستجرام وهي بتشرب قهوة في البلكونة بتاعتي القديمة، وكاتبة: “أخيرًا وصلت للمكان اللي أستحقه.”
ما غيروش حتى كالون الباب. كان معايا نسخة من المفتاح…لكن عمري ما استخدمته.
لأني أصلًا ما كنتش محتاجة أرجع…كنت اشتريت شقة جديدة في الزمالك… شبابيكها واسعة، والشمس بتدخل كل الأوض، وفيها مكتب رسم كبير لأول مرة يبقى ملكي بالكامل.
ولأول مرة من سنين… بدأت أتنفس من غير خوف.
عدت 3 شهور كاملة من غير ما أسمع عن كريم.
لحد صباح يوم سبت الساعة 6 الصبح.
الموبايل رن.
“ياسمين، ممكن تخدي ليلى النهارده؟ نادين عندها سبا وأنا عندي اجتماع مهم. ضروري.”
ليلى كانت بنته من جوازته الأول. طفلة عندها 7 سنين… هادية وطيبة ومتعودة إن الكبار يقرروا كل حاجة بدلها.
وقاحة كريم خلتني أضحك فعلًا.
هو نفسه اللي كان بيقول إني عالة… دلوقتي جاي يطلب مساعدتي.لكن ليلى مالهاش ذنب.
فقلت بهدوء: —هاتها.
وصلت بشنطة عليها يونيكورن، وشعرها منكوش.
عملنا بان كيك بقطع شوكولاتة. وضحكت لما الدقيق طار على مناخيري…وبعدين طلعت كتاب من شنطتها.
كتابي.
آخر إصدار ليا. اللي بقاله 3 أسابيع رقم واحد في مبيعات كتب الأطفال في مصر.
بصتلي وقالت: طنط ياسمين… إنتِ تعرفي الكاتبة رحاب المنسي؟
حسيت إن الزمن وقف ثانية.
قلت بهدوء: يه بتسألي؟
قالت وهي تبص لصورة الكاتبة آخر الكتاب:علشان شبهك أوي… ونادين بتقول إنها أعظم كاتبة أطفال في مصر. عندها كل كتبها في البيت.
عضيت شفايفي علشان ما انفجرش من الضحك.
نادين… اللي كانت بتتريق على رسوماتي… دلوقتي معلقة صورتي على التلاجة.
ركعت قدام ليلى وقلت: عايزة أقولك سر… بس يفضل بينا.
عينيها وسعوا بذهول. —إنتِ… رحاب المنسي؟!
هزيت راسي بابتسامة.
حطت إيديها على بقها من الصدمة. نادين عندها صورتك على التلاجة فعلًا!
ضحكت لأول مرة من قلبي.
وقلت: —وعد بينا؟ محدش يعرف دلوقتي.
رفعت صباعها الصغير وقالت: وعد الخنصر.
قضينا باقي اليوم نرسم سوا. وكان عندها موهبة حقيقية.
الساعة خمسة، كريم جه ياخدها.
المرة دي ما استناش تحت. طلع لحد باب شقتي.
بصلي بنظرة مختلفة وقال: إنتِ… شكلك اتغير.
ابتسمت بهدوء: بقيت مرتاحة بس.
ليلى حضنتني بقوة وقالت: ينفع أجي السبت الجاي؟
—طبعًا يا حبيبتي.
كريم ماكنش يعرف أي حاجة. ولا نادين.
وفي نفس الليلة… وقفت قدام شباك شقتي، ببص على نور القاهرة، واتصلت بمديرة أعمالي.
—أكدي حضوري لحفل الجوائز يوم الجمعة.
سكتت ثواني بدهشة. هتظهري أخيرًا باسم رحاب المنسي قدام الإعلام؟
ابتسمت وأنا ببص للمدينة تحتيا.
—أيوه.
لأن نادين كانت على وشك تكتشف مين الست اللي طول عمرها بتعبد نجاحها.
وكريم… كان أخيرًا هيفهم إن الطموح مش لازم يكون صوته عالي.
أوقات… بيبني إمبراطورية كاملة في صمت… على نفس الترابيزة اللي ناس تانية كانت بتقول عليك فيها إنك بلا قيمة.
وماكانوش مستعدين أبدًا… للي هيحصل بعد كده.
يوم الحفل جه أسرع مما توقعت ياسمين.
القاهرة كلها كانت بتتكلم عن “جائزة القلم الذهبي لأدب الطفل”، الحفل السنوي الضخم اللي بتحضره أهم دور النشر، والإعلام، والمشاهير، وحتى رجال الأعمال المهتمين بصناعة المحتوى والرسوم المتحركة.
لكن السنة دي كان فيها مفاجأة قلبت الوسط كله… لأن الكاتبة الغامضة “رحاب المنسي” أخيرًا قررت تظهر بوشها الحقيقي لأول مرة بعد ست سنين من النجاح الساحق.
من أول ما الخبر نزل على السوشيال ميديا، الدنيا اتقلبت.
الناس بدأت تتوقع مين تكون رحاب المنسي.
ممثلين، إعلاميين، كاتبات مشهورات… الكل بيخمن.
أما نادين؟
فكانت مهووسة بالحفل بشكل هستيري.
كانت قاعدة في بيت ياسمين القديم، رجل على رجل، بتقلب في مجلة فنية وهي بتقول لكريم بحماس: — تتخيل لو اتصورنا مع رحاب المنسي؟ دي الست بقت أيقونة دلوقتي. المنصة العالمية اللي اشترت قصصها عاملة ضجة في كل الوطن العربي.
كريم كان مركز في اللابتوب، لكنه رد ببرود: — مجرد كاتبة أطفال يعني… مش فاهم الهوس ده.
نادين بصتله بضيق: — علشان إنت ما بتفهمش في النجاح الناعم. الست دي عملت ملايين من خيالها بس.
الجملة ضربته بدون ما يحس.
“ملايين.”
للحظة… افتكر ياسمين وهي قاعدة ترسم بالساعات.
افتكر هدوءها الغريب وقت الطلاق.
افتكر إنها ما سألتش على مؤخر ولا قاومت ولا حتى انهارت.
لكن بسرعة طرد الفكرة من دماغه.
مستحيل.
ياسمين كانت “فاشلة”.
على الأقل ده اللي أقنع نفسه بيه طول الوقت.
في نفس الوقت، كانت ياسمين واقفة قدام المراية في شقتها الجديدة، والمكياج الهادئ مرسوم على وشها بعناية.
كانت لابسة فستان أسود بسيط وأنيق، يبرز هدوءها وثقتها أكتر من أي فستان مبهرج.
مديرة أعمالها، مها، كانت واقفة وراها مبتسمة: — مستعدة؟
ياسمين أخدت نفس طويل وقالت: — مستعدة أخيرًا أبطل أستخبى.
ليلى كانت قاعدة على الكنبة وهي تصقف بحماس: — طنط ياسمين هتبقى أشهر واحدة في مصر!
ضحكت ياسمين وقبّلت رأسها.
الطفلة دي دخلت قلبها بشكل غريب.
لأنها كانت أول حد يشوف حقيقتها… ويحبها بدون شروط.
قبل الحفل بساعتين، كريم ونادين وصلوا للفندق الفخم في التجمع الخامس.
الصحافة والكاميرات في كل مكان.
نادين كانت لابسة فستان فضي لامع وتحاول بكل الطرق تخطف الانتباه.
كل شوية توقف أي صحفي: — أكيد مستنيين ظهور رحاب المنسي صح؟ أنا عندي كل كتبها تقريبًا.
كريم كان ماشي جنبها ساكت.
حاسس بضيق غريب مش فاهم سببه.
يمكن لأنه شاف نجاح ناس كتير حواليه وهو ثابت مكانه.
أو يمكن لأنه بدأ يلاحظ إن حياته بعد ياسمين بقت مليانة صريخ واستعراض فارغ.
نادين كانت جميلة فعلًا… لكن مرهقة.
كل حاجة عندها منافسة.
كل حاجة مقارنة.
كل حاجة لازم تتصور وتنزل ستوري.
على عكس ياسمين… اللي كان البيت معاها هادي.
أول ما دخلوا القاعة الرئيسية، الأضواء خفت، والمذيعة طلعت على المسرح بابتسامة ضخمة.
— واللحظة اللي كل الوطن العربي مستنيها… ظهور الكاتبة الغامضة، صاحبة أكبر مبيعات كتب أطفال آخر ست سنوات… رحاب المنسي!
القاعة كلها انفجرت تصفيق.
نادين قامت بسرعة تمسك موبايلها تصور.
كريم رفع عينه ناحية المسرح بلا اهتمام حقيقي…
لكن اهتمامه اتحول لصدمة كاملة في اللحظة اللي ظهرت فيها ياسمين تحت الضوء.
الفستان الأسود الناعم.
شعرها المرتب.
ابتسامتها الواثقة.
والتصفيق اللي هز القاعة كلها ليها.
كريم حس إن قلبه وقف.
الموبايل وقع من إيد نادين على الأرض.
— مستحيل… — خرجت منها بصوت مخنوق.
المذيعة كانت بتتكلم بحماس: — السيدة اللي قدرت تحقق نجاحات تاريخية، وتبيع ملايين النسخ، وتوقّع مؤخرًا أكبر عقد لتحويل قصص أطفال عربية لمسلسل عالمي…
لكن كريم ماكانش سامع باقي الكلام.
كل اللي كان شايفه… ياسمين.
مراته السابقة.
الست اللي كان بيقول عليها “عالة”.
ياسمين وقفت قدام الميكروفون بهدوء.
بصت للحضور للحظة… ثم قالت: — طول عمري كنت مؤمنة إن النجاح الحقيقي مش محتاج صوت عالي. أوقات أكبر الأحلام بتتبني في صمت… بينما ناس كتير بيكونوا مشغولين يقللوا منك بس لأنهم مش قادرين يفهموك.
كريم حس إن الكلمات بتضربه مباشرة.
أما نادين… فوشها كان بيبهت ثانية بعد ثانية.
المذيعة كملت بابتسامة: — واحتفالًا بالنجاح الضخم، يسعدنا نعلن إن شركة “MoonLight Animation” العالمية وقعت عقد مع الكاتبة رحاب المنسي بقيمة تتجاوز 6 مليون جنيه لتحويل أعمالها لأول سلسلة رسوم متحركة مصرية عالمية.
القاعة كلها وقفت تصقف.
الكاميرات بتلمع.
والناس تتسابق علشان تصور ياسمين.
في اللحظة دي… كريم فهم الحقيقة المرعبة.
هو ما طلقش “ست فاشلة”.
هو خسر واحدة من أنجح النساء اللي عرفهم في حياته.
بعد انتهاء التكريم، رجال أعمال وصحفيين ومشاهير التفوا حوالين ياسمين.
واحد من المنتجين قال بإعجاب: — مدام رحاب، أولادنا حافظين قصصك أكتر من المناهج الدراسية.
وسيدة أعمال شهيرة قالت: — إنتِ نموذج لكل ست عربية ناجحة.
أما نادين… فكانت واقفة بعيد، ملامحها متكسرة.
لأن المرأة اللي قضت شهور تقلل منها… كانت في الحقيقة المرأة اللي كانت بتحلم تبقى زيها.
كريم حاول يقرب من ياسمين بعد الحفل.
وقف قدامها مرتبك لأول مرة.
— ياسمين… أنا… ماكنتش أعرف.
ابتسمت بهدوء شديد: — فعلًا… عمرك ما حاولت تعرف.
الكلمات نزلت عليه كصفعة.
بلع ريقه وقال: — ممكن نتكلم؟
قبل ما ترد، صوت معروف قاطعهم.
— أظن إن مدام ياسمين مش فاضية.
الكل بص ناحية الصوت.
رجل طويل وأنيق كان داخل بابتسامة هادئة.
آسر الجمال… صاحب شركة إنتاج ضخمة وشريك المنصة العالمية الجديدة.
قرب من ياسمين بثقة ومد إيده لها: — مستنيك من بدري.
كريم بص للطريقة اللي آسر بيبصلها بيها… واحساس الخسارة مزق صدره.
لأول مرة يفهم إن ياسمين ما كانتش ناقصة.
هو اللي كان أعمى.
نادين قربت بسرعة وهي تحاول تبتسم: — ياسمين! يا حبيبتي! إحنا أكيد لازم نتصور سوا.
ياسمين بصتلها ثواني طويلة.
افتكرت كل السخرية.
كل الغيرة.
كل الطعنات اللي جت منها وهي عاملة صاحبة.
ثم ابتسمت بهدوء قاتل وقالت: — معلش… التصوير بيكون للناس اللي دعمتني من البداية.
وش نادين احمر من الإهانة.
أما كريم… فكان واقف يشوف المرأة اللي كسرها يومًا… وهي تتحول قدامه لقوة مستحيل يوصلها تاني.
وفي آخر الليل، رجعت ياسمين شقتها.
قلعت الكعب، ووقفت قدام الشباك تبص لأنوار القاهرة.
الموبايل رن برسالة من كريم: “أنا غلطت… وخسرت أحسن حاجة حصلتلي.”
بصتلها ثواني…
ثم مسحت الرسالة بدون رد.
لأن بعض الناس… ما بيكتشفوش قيمتك إلا بعد ما تبقى بعيد جدًا عن متناولهم.
يتبع