خذلان حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثالث

الساعة كانت خمسة وخمسين دقيقة مساءً.

وحسام الجندي كان قاعد في مكتب المحامي بتاع العيلة.

التكييف شغال بأقصى درجة.

ومع ذلك كان العرق نازل من جبينه.

للمرة الأولى من يوم ما هربت ياسمين من البيت…

بدأ يحس إن الموضوع أكبر من مجرد خناقة عائلية.

أكبر بكتير.

المحامي الكبير سامح الزيات كان بيقلب في الأوراق قدامه بعصبية.

وبعدين قال:

“أنا مش عاجبني الموضوع.”

سأله حسام:

“ليه؟”

رفع المحامي رأسه وقال:

“لأن الراجل ده مش بيتصرف كأب غاضب.”

“بيتصرف كأنه بيبني قضية إعدام.”

بلع حسام ريقه.

وقال:

“يعني إيه؟”

رد المحامي:

“يعني كل خطوة اتحركت ضدكم كانت مدروسة.”

“تقرير طبي.”

“طب شرعي.”

“شهود.”

“كاميرات.”

“صور.”

“وتوقيتات.”

“ده مش شغل حد متوتر.”

“ده شغل حد عارف بيعمل إيه.”

في اللحظة دي…

دخلت نادية الجندي المكتب بعصبية.

وقالت:

“سيبك من الكلام ده.”

“إحنا معانا فلوس.”

“وأقصى حاجة البنت هتقول إنها اتخانقت مع حماتها.”

المحامي بص لها نظرة طويلة.

وبعدين قال:

“لو كنت مكانك ما كنتش مطمن أوي.”

وقبل ما تكمل كلامها…

رن هاتفه.

رد.

وسكت.

ثم وقف فجأة.

وبص لحسام.

وقال:

“إحنا لازم نمشي حالًا.”

اتوتر حسام.

“في إيه؟”

رد المحامي:

“البنك جمد بعض الحسابات الخاصة بالشركة.”

اتصدمت نادية.

“إزاي؟!”

قال:

“في تحقيق مالي مفتوح.”

سكت لحظة.

ثم أضاف:

“والموضوع مش صدفة.”

هنا بدأ الخوف الحقيقي.

لأن شركة الجندي للمقاولات كانت نقطة القوة الوحيدة للعيلة.

ومن غيرها…

كل شيء ممكن ينهار.

في نفس الوقت…

كان فؤاد الشاذلي واقف أمام نافذة غرفة ياسمين بالمستشفى.

بينما هي نائمة بعد المسكنات.

دخل أحد الرجال الثلاثة الذين حضروا معه.

وقال:

“كل حاجة جاهزة.”

أومأ فؤاد برأسه.

ثم سأله الرجل:

“متأكد إنك عايز تفتح الملف؟”

لف فؤاد نحوه.

ولأول مرة ظهر الحزن في عينيه.

وقال:

“أنا قفلته عشر سنين عشان بنتي.”

“دلوقتي بفتحه عشان أنقذها.”

الرجل تنهد.

وقال:

“أنت عارف إن ناس كتير هتقع.”

رد فؤاد:

“يبقى يقعوا.”

في صباح اليوم التالي…

استيقظت القاهرة والمحلة الكبرى على خبر صادم.

النيابة فتحت تحقيقًا واسعًا في عدة شركات مقاولات.

من بينها شركة الجندي.

وسرعان ما بدأت الصحافة تتكلم عن مستندات قديمة.

ورشاوى.

وتلاعبات في عقود حكومية.

وحسابات مجهولة.

حسام كان مصدوم.

لأن الملفات دي قديمة جدًا.

وقديمة لدرجة إنه نفسه ما كانش يعرف عنها حاجة.

أما أبوه فكان شاحب الوجه.

لأنه الوحيد الذي عرف الحقيقة.

الحقيقة التي أخفاها سنوات.

وفي المساء…

دخل الأب غرفة حسام.

وأغلق الباب.

وقال بصوت مرتجف:

“إحنا لازم نسافر.”

اتجمد حسام.

“نسافر؟”

هز رأسه.

“دلوقتي.”

“قبل ما يبقى فات الأوان.”

سأله حسام:

“أنت خايف من إيه؟”

نظر الرجل إلى الأرض.

ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء:

“أنا أعرف فؤاد الشاذلي.”

“من قبل ما تتولد.”

سكت حسام.

أما أبوه فأكمل:

“وصدقني…”

“لو اتحرك بنفسه…”

“يبقى خلاص.”

في تلك الليلة…

كانت ياسمين بدأت تستعيد جزءًا من قوتها.

وكانت جالسة مع أمها وفؤاد لأول مرة منذ سنوات.

الصمت كان يملأ الغرفة.

حتى قالت فجأة:

“بابا.”

رفع رأسه.

فابتسمت بحزن.

وقالت:

“ليه سيبتني كل السنين دي؟”

السؤال أصاب فؤاد في مقتل.

خفض عينيه.

ولأول مرة منذ وصوله…

ظهر الانكسار على وجهه.

قال بهدوء:

“كنت فاكر إني بحميكي.”

“بس اكتشفت إني كنت بغيب.”

دموع ياسمين نزلت.

أما هو فمد يده وربت على رأسها.

وقال:

“سامحيني.”

بكت أكثر.

ثم احتضنته.

ولأول مرة منذ عشر سنوات…

عادت الأسرة التي ظنت أنها انتهت.

لكنهم لم يعرفوا أن الخطر الحقيقي لم يبدأ بعد.

لأن في نفس اللحظة…

كان شخص مجهول يراقب المستشفى من داخل سيارة سوداء.

يمسك صورة لياسمين.

وصورة لفؤاد.

ويتحدث في الهاتف قائلًا:

“الهدف رجع للساحة.”

جاءه صوت بارد من الطرف الآخر:

“إذن ابدأوا المرحلة الثانية.”

ثم أُغلق الخط.

وفي صباح اليوم التالي…

اختفت ياسمين من غرفتها بالمستشفى.

واختفى معها الحارس الذي كان يحرس الباب.

يتبع… الفصل الرابع.

الفصل الرابع

الساعة كانت السادسة وعشر دقائق صباحًا.

الممر الخاص بالطابق الخامس في المستشفى كان هادئًا بشكل مخيف.

الممرضة دخلت غرفة ياسمين كعادتها لتغيير المحلول.

لكن بعد ثانيتين فقط…

سمعوا صرختها.

صرخة هزت الدور كله.

فؤاد كان في غرفة الاستراحة المقابلة.

خرج جريًا.

وأول ما وصل للغرفة…

اتجمد مكانه.

السرير كان فاضي.

المحلول مقطوع.

والنافذة مفتوحة جزئيًا.

أما الحارس الذي كان واقف على الباب طوال الليل…

فكان مختفيًا هو الآخر.

في أقل من دقيقة تحولت المستشفى كلها إلى حالة طوارئ.

الأمن بيجري.

الأطباء متوترين.

والممرضات في حالة ذعر.

أما فؤاد…

فكان واقفًا وسط الغرفة بهدوء مرعب.

الهدوء الذي يسبق العاصفة.

دخل مدير المستشفى وهو يرتجف.

وقال:

“يا فندم إحنا…”

قاطعه فؤاد.

“هاتوا تسجيلات الكاميرات.”

بعد عشر دقائق كانوا جميعًا في غرفة المراقبة.

وبدأت اللقطات تظهر.

الساعة 3:17 فجرًا.

دخل رجل يرتدي زي طبيب.

وجهه مغطى بكمامة.

ومعه ملف طبي.

الحارس سمح له بالدخول.

بعدها بثلاث دقائق…

اختفت الكاميرا للحظات بسبب تشويش غريب.

وعندما عادت الصورة…

كان الرجل خارجًا.

يدفع سريرًا طبيًا.

وفوقه مريضة مغطاة بالكامل.

وخرج من باب الطوارئ.

مدير الأمن قال:

“أكيد هي دي.”

لكن فؤاد كان يركز على شيء آخر.

شيء صغير جدًا.

الرجل كان يعرج قليلًا في قدمه اليسرى.

ثانيتان فقط.

لكن فؤاد لاحظهما.

وفجأة قال اسمًا واحدًا:

“عصام.”

نظر الجميع إليه باستغراب.

أما هو فظل ينظر للشاشة.

وقال:

“كنت عارف إنهم هيرجعوا.”

في نفس الوقت…

كانت ياسمين تستيقظ ببطء.

رأسها يؤلمها بشدة.

وكل شيء حولها ضبابي.

فتحت عينيها.

فوجدت نفسها داخل غرفة مجهولة.

لا مستشفى.

ولا بيت.

ولا أي مكان تعرفه.

حاولت تتحرك.

فاكتشفت أن يديها مقيدتان.

تسارع نفسها.

وبدأت تضرب القيود.

وفجأة…

انفتح الباب.

ودخل رجل طويل.

شعره أبيض جزئيًا.

ويرتدي بدلة سوداء.

جلس أمامها بهدوء.

وقال:

“صباح الخير يا ياسمين.”

صرخت:

“إنت مين؟!”

ابتسم ابتسامة باردة.

وقال:

“أنا السبب الحقيقي في اللي حصل لك.”

في المحلة الكبرى…

كانت منى تجلس في بيتها منهارة.

لا تصدق أن ابنتها اختفت من داخل مستشفى.

لكن الصدمة الأكبر جاءت بعد ساعة.

عندما وصل ظرف كبير إلى المنزل.

بلا اسم مرسل.

ولا أي بيانات.

فتحته بيد مرتعشة.

فسقطت صورة على الأرض.

صورة لياسمين.

وهي جالسة على كرسي.

وبجانبها جريدة اليوم.

لإثبات أنها ما زالت حية.

أما خلف الصورة…

فكانت هناك جملة واحدة فقط.

“لو فؤاد الشاذلي ما وقفش التحقيقات خلال 24 ساعة… هترجعوا بنتكم جثة.”

شهقت منى.

وكادت تقع من الصدمة.

لكن فؤاد الذي كان يقف خلفها أخذ الصورة.

ونظر إليها لثوانٍ طويلة.

ثم قال:

“غلطوا.”

بصت له منى بعدم فهم.

فأكمل:

“هما فاكرين إنهم ماسكين نقطة ضعفي.”

ثم أمسك هاتفه.

واتصل برقم محفوظ باسمه الأول فقط.

“سامي.”

جاءه الرد فورًا:

“أوامرك يا فندم.”

قال فؤاد:

“افتح الملف الأسود.”

ساد صمت قصير.

ثم جاء صوت الرجل متوترًا:

“بعد عشر سنين؟”

رد فؤاد:

“بعد عشر سنين.”

وأغلق الخط.

في المساء…

بدأت أخبار غريبة تنتشر.

أسماء رجال أعمال كبار يتم استدعاؤهم للتحقيق.

مستندات قديمة تظهر فجأة.

أموال مجمدة.

وشركات تحت المراجعة.

كان كأن زلزالًا ضرب عالمًا كاملًا من النفوذ والفساد.

وفي إحدى الفيلات الفاخرة بالقاهرة…

كان حسام الجندي يشاهد الأخبار وهو يرتجف.

لأنه أدرك أخيرًا أن الموضوع لم يعد متعلقًا بياسمين فقط.

هناك حرب أكبر.

وأخطر.

وفجأة رن هاتفه.

رقم مجهول.

رد بحذر.

فجاءه صوت رجل بارد:

“أبوك خبّى عنك حاجات كتير.”

اتجمد حسام.

ثم سأله:

“مين أنت؟”

ضحك الرجل.

وقال:

“اسأل أبوك عن صفقة السويس سنة 2004.”

وأغلق الخط.

في مكان مجهول…

كانت ياسمين تنظر إلى الرجل الجالس أمامها.

وقالت بخوف:

“أنا مالي بكل ده؟”

نظر إليها طويلًا.

ثم قال:

“لأنك بنت فؤاد الشاذلي.”

“ولأن أبوكي زمان دمر إمبراطورية كاملة.”

“وإحنا مستنيين عشر سنين علشان نرد الضربة.”

شعرت ياسمين بأن الدم انسحب من وجهها.

لكن الرجل أكمل:

“بس المشكلة إننا اكتشفنا حاجة متوقعة.”

“إنتِ أهم عنده من أي حاجة.”

ثم ابتسم ابتسامة مخيفة.

وقال:

“وعشان كده… اللعبة لسه بدأت.”

يتبع… الفصل الخامس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *