حماتي حكايات أسما
أمسكتُ بحماتي وهي تسرق أموال زفافنا من الجناح الخاص بالعروسين… لكن “الهدية المميزة” التي قدمناها لها بعد أسبوع جعلتها تفقد لون وجهها تمامًا.
أنا اسمي ليلى، وزوجي اسمه كريم. كنا قد انتهينا لتوّنا من حفل زفاف جميل في إحدى القاعات الفخمة بالقاهرة، حفل دفعنا أغلب تكاليفه من تعبنا وشقانا لسنوات. أما والدة كريم، “نادية”، فكانت تتحرك طوال الليلة بين الطاولات بابتسامتها الباردة التي لا تصل أبدًا لعينيها، تتظاهر بأنها تساعد الجميع وتراقب طاولة الهدايا باستمرار.
في البداية، لم أشك بشيء.
حتى دخلتُ جناح العروسين.
وجدتها واقفة فوق السرير، وكل المظاريف مفتوحة أمامها، والمال بين يديها.
تجمدتُ في مكاني وأنا أقول: — بتعملي إيه هنا؟
حتى لم ترتبك.
رفعت رأسها نحوي وكأن الأمر عادي جدًا وقالت بضجر: — يا ليلى اهدي شوية… أنا بس برتب الفلوس. أكيد يعني إنتِ مشغولة بليلة فرحك، فقولت أعدّ الهدايا بدل ما تضيع.
ثم اقتربت مني أكثر وخفضت صوتها: — بس بصراحة… أهلك زعلوني. خمسين دولار بس؟ كنت متوقعة منهم أكتر، خصوصًا إني أنا اللي دفعت ثمن الورد.
شعرتُ أن الدم توقف في عروقي.
كنت أعرف الحقيقة.
أهلي جمعوا خمسة آلاف دولار بالعافية حتى يساعدونا في بداية حياتنا.
نظرتُ لها وقلت ببطء: — إنتِ كذابة.
لكن ابتسامتها لم تختفِ.
انتزعتُ المظاريف من يدها وطلبتُ منها أن تخرج فورًا.
لاحقًا، عندما دخل كريم الجناح ورآني منهارة، تذكر شيئًا مهمًا… المصور كان قد وضع كاميرا خفية داخل الجناح لتصوير اللحظات العفوية بعد الحفل.
فتحنا التسجيل.
وفي تلك اللحظة… شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي.
ظهرت نادية بوضوح، بفستانها الغالي وحقيبتها الجلدية الفاخرة، تفتح المظاريف واحدًا تلو الآخر، ثم تسحب المظاريف السميكة وتضعها داخل حقيبتها بابتسامة مليئة بالشماتة.
لم تكن تسرقنا فقط.
بل كانت تحاول أيضًا أن تجعلني أكره أهلي وأظن أنهم بخلاء.
لكننا لم نواجهها تلك الليلة.
انتظرنا.
وبعد أسبوع كامل، دعوناها إلى العشاء في بيتنا الجديد.
استقبلناها بحفاوة شديدة.
شكرناها أمام الجميع.
وقلنا إنها “أكثر أم حنونة وكريمة”.
كانت تستمتع بكل كلمة، وتجلس بفخر وكأنها ملكة متوجة.
ثم أحضر كريم الهدية.
علبة كبيرة فاخرة ملفوفة بعناية.
لمعت عينا نادية فورًا. — يا خبر… ما كانش له لزوم كل ده! — قالتها وهي تضحك وتبدأ بتمزيق ورق التغليف بسرعة.
اقتربتُ منها وهمستُ: ط عشان إنتِ ساعدتينا أوي في موضوع الفلوس… حبينا نردلك الجميل.
سقط آخر جزء من الغلاف.نظرت نادية داخل الصندوق…
وفجأة أطلقت صرخة حادة هزت المكان كله وو
صرخت نادية وهي تتراجع للخلف كأنها رأت شبحًا حقيقيًا داخل الصندوق لا مجرد هدية. ارتجفت يداها بعنف حتى سقط غطاء العلبة على الأرض بصوت حاد جعل الجميع يلتفت نحوها في صدمة. أما أنا فظللت جالسة مكاني أراقب وجهها الذي تحول فجأة من لون القمح الدافئ إلى شحوب رمادي مخيف. كانت تنظر داخل الصندوق بعينين متسعتين بينما شهقاتها تتلاحق بشكل هستيري وكأن قلبها سيتوقف في أي لحظة.
اقترب كريم منها بهدوء وقال بصوت بارد لأول مرة أسمعه منه تجاه أمه: — مالك يا ماما؟ مش عاجباكي الهدية؟
رفعت رأسها نحوه ببطء ثم نظرت نحوي وأنا أبتسم ابتسامة صغيرة بالكاد تُرى. داخل الصندوق لم يكن هناك ذهب ولا عطر فاخر ولا هاتف جديد كما توقعت. كان هناك إطار كبير أنيق بداخله صورة مطبوعة بدقة عالية جدًا مأخوذة من تسجيل الكاميرا الخفية.
الصورة كانت واضحة بشكل مرعب.
نادية وهي تفتح المظاريف وتسرق الأموال بيديها.
ليس هذا فقط… بل كانت الصورة ملتقطة في اللحظة التي وضعت فيها الأموال داخل حقيبتها وابتسمت تلك الابتسامة المليئة بالشماتة.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن الصورة.
أسفل الإطار مباشرة كان هناك ظرف أسود صغير.
كانت تعرف جيدًا ما بداخله.
لأنها عندما رأته شهقت وكأن أحدهم غرس س*كينًا في صدرها.
مدت يدها بسرعة تحاول التقاطه لكن كريم كان أسرع. أخذه منها وفتحه أمام الجميع ثم أخرج فلاشة صغيرة سوداء ووضعها فوق الطاولة.
ساد الصمت.
حتى صوت الملاعق اختفى.
ثم قال كريم بهدوء قاتل: — ده الفيديو الكامل يا جماعة.
شعرت نادية وكأن الأرض تميد تحتها.
بدأت تنظر حولها بجنون إلى الموجودين حول المائدة. أخو كريم كان يجلس مصدومًا. زوجته تضع يدها على فمها. خالة كريم تحدق في نادية بعدم تصديق. حتى والد كريم الذي قضى سنوات صامتًا أمام تصرفاتها كان ينظر إليها الآن وكأنه يراها لأول مرة.
حاولت نادية أن تضحك لكنها فشلت. خرج صوتها مرتعشًا: — إنتوا فاهمين غلط… أنا كنت بعد الفلوس بس.
رفعت حاجبي ببطء وقلت: — بعد الفلوس جوه شنطتك؟
سكتت.
بلعت ريقها بصعوبة ثم قالت بسرعة: — كنت خايفة حد يسرقها.
ضحك كريم ضحكة قصيرة باردة وقال: — فعلًا… حد سرقها فعلًا.
ثم أمسك الريموت وضغط زر التشغيل.
التلفاز الضخم المعلق على الحائط أضاء فجأة.
وفي اللحظة التالية ظهر الفيديو أمام الجميع.
ظهرت نادية وهي تدخل جناح العروسين بعد انتهاء الحفل بدقائق. أغلقت الباب بحذر ثم نظرت حولها لتتأكد أن لا أحد يراها. بعد ذلك بدأت تفتح المظاريف واحدًا تلو الآخر. كانت تبتسم وهي تعد الأموال ثم تفصل المظاريف السميكة وتضعها في حقيبتها.
كل شيء كان واضحًا.
حتى صوتها.
حتى كلماتها.
ظهرت وهي تضحك لنفسها وتقول: — أهلها أغبيا… مفكرين الفلوس دي هتفضل معاهم؟
ثم ظهرت وهي تمسك أحد المظاريف وتقول بازدراء: — خمسة آلاف دولار؟ حلوين أوي عليا بدل ما يضيعوا مع العيال دي.
شهقت خالة كريم بقوة.
أما والده فأنزل رأسه ببطء وكأنه عاجز عن تحمل المشهد.
نادية بدأت ترتجف. — قفلوا الزفت ده! — صرخت فجأة.
لكن كريم لم يتحرك.
نظر إليها فقط وقال: — كملي يا ماما… لسه في أحلى جزء.
وفي الجزء التالي من الفيديو ظهرت وهي تعيد إغلاق بعض المظاريف الفارغة ثم تتمتم: — لما أقول للبنت إن أهلها إدوا خمسين دولار بس هتكرههم بنفسها.
شعرت وقتها أن الهواء نفسه تجمد داخل الغرفة.
كانت الخطة كلها واضحة الآن.
لم تكتفِ بالسرقة.
بل أرادت أن تزرع الكراهية بيني وبين أهلي منذ أول ليلة زواج.
بدأت نادية تبكي فجأة. لكن دموعها لم تكن دموع ندم.
كانت دموع خوف.
قالت وهي تنظر للجميع: — كنت هارجع الفلوس… والله كنت هارجعها.
ضحك أخو كريم ساخرًا: — بعد ما تصرفيها؟
أما والد كريم فتكلم أخيرًا بصوت متعب: — عملتي كده ليه يا نادية؟
وهنا حدث شيء لم أتوقعه.
بدل أن تعتذر…
انفجرت غاضبة.
وقفت تصرخ بعنف وهي تشير نحوي: — بسببها! بسبب البنت دي! من ساعة ما دخلت حياة ابني وهو اتغير! بقى يسمعلها أكتر مني! أنا أمه! أنا اللي ربيته وتعبت فيه!
ثم التفتت نحوي بعينين مشتعلتين: — إنتِ سرقتيه مني!
لم أرد.
كنت أراقبها فقط.
امرأة مستعدة لتحطيم حياة ابنها فقط لأنها لا تتحمل فكرة أنه صار رجلًا له بيت وزوجة.
صرخت أكثر: — الفلوس دي حقي! أنا اللي صرفت على الفرح! أنا اللي عملت كل حاجة!
رد كريم بهدوء: — الفرح كله أنا وليلى اللي دفعناه يا ماما… حتى الورد اللي قلتي إنك دفعتي تمنه أنا اللي حولت فلوسه.
تجمدت للحظة.
ثم نظرت حولها تائهة وكأنها تحاول إيجاد شخص واحد يدافع عنها.
لكن لا أحد تكلم.
لأول مرة… بقيت وحدها تمامًا.
وفجأة وقف والد كريم.
رجل هادئ قضى عمره كله يتجنب المشاكل. حتى كريم أخبرني كثيرًا أنه لم يره يرفع صوته يومًا.
لكنه في تلك الليلة نظر إلى نادية وقال: — كفاية.
صمتت فورًا.
قال بصوت مخنوق: — أنا استحملت سنين… تحكم… وإهانة… وكذب… لكن توصل لسرقة ابنك في ليلة فرحه؟ دي قلة أصل.
اتسعت عيناها بصدمة. — إنت كمان ضدي؟
أجابها بمرارة: — إنتِ اللي بقيتي ضد نفسك من زمان.
ثم خلع خاتم زواجه بهدوء ووضعه فوق الطاولة.
شعرت نادية كأن أحدهم صفعها.
بدأت تتراجع للخلف بخطوات مضطربة. — إنتوا بتبالغوا… دي مجرد فلوس!
رفعت رأسي إليها أخيرًا وقلت: — لا يا طنط… مش فلوس. دي كانت ثقة. وكرامة. وأهلي اللي حاولتي تكسري صورتي قدامهم.
ثم أخرجت ظرفًا آخر ووضعته أمامها.
نظرت له بخوف. — إيه ده؟
قلت بهدوء: — كشف بالحسابات كلها. كل دولار أخدتيه متسجل. ومعاه نسخة من الفيديو عند المحامي.
شهقت: — محامي؟!
أومأ كريم: — لو الفلوس ما رجعتش كاملة بكرة الصبح… البلاغ هيتقدم رسمي.
شعرت للحظة أنها ستنهار فعليًا.
جلست على الكرسي وهي تضع يدها فوق صدرها وتحاول التقاط أنفاسها.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت بعدها بدقائق.
رن هاتف كريم.
نظر للشاشة ثم فتح المكالمة ووضع السماعة الخارجية.
كان المتصل مدير البنك.
قال الرجل بصوت رسمي: — أستاذ كريم، زي ما حضرتك طلبت… الحساب اللي اتحولت عليه الأموال من أسبوع اتجمد مؤقتًا بعد مراجعة الشكوى.
ارتفع رأس نادية فجأة.
كريم قال بهدوء: — شكرًا يا فندم.
ثم أغلق المكالمة.
نظرت إليه أمه برعب حقيقي: — إنت جمدت حسابي؟!
أجاب: — الحساب اللي حولتي عليه الفلوس المسروقة؟ أيوه.
بدأت تصرخ بجنون: — إنت ابني! تعمل فيا كده؟!
صرخ هو الآخر لأول مرة: — وإنتِ أم؟!
ساد الصمت.
صمت ثقيل جدًا.
حتى أنفاس الجميع توقفت.
كانت تلك أول مرة أرى كريم ينهار فعلًا.
عيناه امتلأتا بالدموع وهو يقول: — أنا كنت فاكر إنك بتحبيني… عمري ما تخيلت إنك ممكن تأذيني بالطريقة دي.
خفضت نادية رأسها للحظة.
ولأول مرة ظهر شيء يشبه الندم في عينيها.
لكن بعد ثوانٍ فقط اختفى.
وقالت ببرود: — كل الرجالة بيتغيروا بعد الجواز.
ضحك كريم بوجع: — لا يا ماما… الرجالة بتكبر بس. وبتفهم الحقيقة.
مرت ثوانٍ طويلة قبل أن تقف نادية ببطء.
أخذت حقيبتها ثم نظرت نحوي بنظرة مليئة بالكراهية وقالت: — إنتِ فرقتي بيني وبين ابني.
أجبتها بهدوء: — لا… الحقيقة هي اللي عملت كده.
ثم خرجت من البيت وصفقت الباب خلفها بعنف.
وبعد خروجها ظل الصمت يملأ المكان.
نظر والد كريم إلينا بحزن شديد ثم قال: — سامحوني.
اقترب منه كريم بسرعة وعانقه لأول مرة منذ شهور طويلة.
أما أنا فجلست مكاني أتنفس بصعوبة وكأنني كنت أحبس أنفاسي طوال الأسبوع كله.
لكن القصة لم تنتهِ هناك.
في اليوم التالي أعادت نادية الأموال كاملة.
خمسة آلاف دولار… وكل المظاريف الأخرى.
حتى الجنيهات الصغيرة أعادتها.
لكنها لم ترسل اعتذارًا.
أرسلت رسالة واحدة فقط إلى كريم: “هتعرف قيمتي لما تخسرها.”
قرأ الرسالة ثم حذفها دون رد.
مرت الشهور بعد ذلك بهدوء غريب.
علمنا لاحقًا أن والد كريم رفع دعوى طلاق بعد ثلاثين سنة زواج.
وأخو كريم قطع علاقته بها تمامًا بعدما اكتشف أنها كانت تستغل أمواله هو الآخر منذ سنوات.
أما نادية…
فبقيت وحدها.
والمؤلم فعلًا أنها حتى آخر لحظة لم تفهم أن ما دمر حياتها لم يكن الفيديو… ولا الفضيحة… ولا الفلوس.
بل جشعها.
وفي بعض الليالي كنت أتذكر شكلها وهي تفتح تلك الهدية بثقة وفرح… ثم كيف اختفى اللون من وجهها في ثانية واحدة فقط.
وحينها فقط كنت أدرك أن أسوأ عقاب في الدنيا… أن ينكشف الإنسان أمام نفسه.
تمت