خيانه وندم حكـايـات أسمـا ×3
نايف فضل باصص في وش سيلينا كام ثانية من غير ما ينطق. كانت أول مرة يشوف الخوف الحقيقي في عينيها. طول الفترة اللي فاتت كانت واثقة، متكبرة، شايفة إن الدنيا كلها لعبة في إيديها، لكن النهارده كانت مرتبكة، وإيديها بتترعش وهي ماسكة شنطتها. قال ببرود: “خمس دقايق… وبعدها كل واحد يروح لحاله.” هزت رأسها بسرعة، وركبوا عربيته من غير ما يتبادلوا كلمة. فضل سايق لحد ما وقف في كافيه هادي بعيد عن المحكمة. أول ما قعدوا، قالت سيلينا: “أنا عارفة إنك كرهتني… ويمكن من حقك. لكن اللي هقوله دلوقتي لو ما تعرفوش، هتفضل عايش فاكر إن كل اللي حصل سببه أنا.” نايف رد من غير ما يبصلها: “إنتي سبب كفاية.” سكتت شوية، وبعدها طلعت ظرف صغير من شنطتها وحطته قدامه. “افتح.” فتحه ببطء، ولقي جواه صور مطبوعة. أول صورة كانت لعربيته مركونة قدام الشركة من حوالي سنة. والصورة اللي بعدها كانت لنفس العربية، لكن من زاوية تانية، وفيها واحد واقف مستخبي وبيصور. قلب الصورة التالتة، فاتجمد. كانت زهره خارجة من عيادة دكتورة النساء وهي حامل في شهورها الأولى، وفي راجل بعيد واقف بيراقبها. رفع عينه ناحية سيلينا وقال: “إيه ده؟” ردت بصوت واطي: “أنا اكتشفت بعدين إن فيه حد كان بيتابعكم.” عقد حاجبيه وقال: “مين؟” هزت رأسها. “ماعرفش.” طلع صورة رابعة. المرة دي كان هو نفسه خارج من الفندق مع سيلينا، والصورة متصورة باحتراف شديد. قال: “الصور دي عند زهره.” ردت: “لأ… اللي عند زهره نسخ. الأصل كان عند حد تاني.” فضل ساكت وهو بيقلب الصور. قالت: “في الأول افتكرت إنه محقق خاص زهره مأجراه. لكن بعدين فهمت إن لأ.” سألها: “عرفتي منين؟” طلعت موبايلها وفتحت تسجيل صوتي. اشتغل صوت راجل بيقول: “استمروا زي ما إنتوا… كل خطوة بتقربنا من اللي إحنا عايزينه.” وبعدها صوت تاني رد: “ومتقلقش… الأستاذ نايف مش واخد باله من أي حاجة.” التسجيل وقف. نايف حس إن نفسه ضاق. قال: “مين الأستاذ ده؟” هزت رأسها. “الصوت مش واضح، لكن اللي بعتلي التسجيل رفض يقول اسمه.” بص لها باستغراب. “بعتلك ليه؟” نزلت عينيها في الأرض وقالت: “لأنه طلب مني فلوس علشان يفضل ساكت.” سكت لحظة، وبعدين كملت: “أنا دفعت مرة… وبعدها طلب أكتر.” نايف ابتسم بسخرية. “يعني حتى إنتي اتبتزّيتي.” قالت بمرارة: “أيوه.” وفي اللحظة دي افتكر حاجة كان ناسيها. قبل شهور، مدير أمن الشركة طلب يقابلُه وقاله إن فيه شخص بيسأل عن تحركاته اليومية، لكنه وقتها اتعصب وطرده واتهمه إنه بيبالغ. قام من مكانه فجأة. قال: “استنى.” طلع موبايله واتصل بمدير الأمن السابق. الرقم كان مقفول. حاول مرة واتنين. مفيش رد. افتح دفتر الأرقام القديم اللي كان في العربية، ولقي عنوان الراجل. بص لسيلينا وقال: “هتيجي معايا.” استغربت. “ليه؟” رد وهو بيدور العربية: “لأن لو فيه حد لعب بينا كلنا… النهارده لازم أعرف هو مين.” بعد نص ساعة كانوا واقفين قدام عمارة قديمة في مصر الجديدة. طلعوا للدور الرابع، وخبط نايف على الباب. مفيش رد. خبط تاني بعنف. الباب كان موارب. فتحه بحذر، ودخل. الشقة كانت مقلوبة. الأدراج مفتوحة، الورق مرمي على الأرض، والكمبيوتر مكسور. واضح إن حد فتش المكان بالكامل. سيلينا همست: “إحنا اتأخرنا.” نايف لف الشقة بسرعة، لحد ما دخل أوضة المكتب. هناك، تحت الترابيزة، لمح فلاش ميموري صغيرة واقعة. انحنى وأخدها. قبل ما يحطها في جيبه، سمع صوت خطوات سريعة على السلم. جري ناحية الباب، لكنه ما لحقش يشوف غير راجل لابس كاب أسود بينزل السلالم بسرعة. حاول يجري وراه، لكن أول ما وصل الشارع، كانت عربية رمادي انطلقت بأقصى سرعة واختفت وسط الزحمة. رجع وهو بينهج. سيلينا قالت: “شفته؟” هز رأسه بالنفي. بص للفلاشة اللي في إيده وقال: “يمكن دي فيها الإجابة.” رجعوا العربية، ونايف حط الفلاشة في اللابتوب اللي معاه. الشاشة نورت، وظهر مجلد واحد اسمه: “ملف نايف حمدان”. فتحه، فلقى عشرات الفيديوهات والصور والتقارير بتاريخ يمتد لأكتر من سنة. كل تحركاته، وكل مقابلاته، وحتى اجتماعاته الخاصة، كانت متسجلة بالتاريخ والساعة. لكن أكتر ملف شد انتباهه كان آخر ملف في القائمة، لأنه كان بعنوان واحد فقط: “الشخص اللي بدأ كل حاجة.” ضغط عليه، وبدأ الفيديو يشتغل ببطء، وملامح الشخص اللي واقف قدام الكاميرا بدأت تظهر تدريجيًا، ومع أول ثانية واضحة، اتسعت عينا نايف في صدمة، لأنه كان يعرف هذا الوجه جيدًا، ولم يكن يتخيل أبدًا أنه قد يكون جزءًا من كل ما حدث.
ظهر الفيديو بجودة ضعيفة في الأول، والصورة كانت بتقطع كل ثانيتين، لكن بعد لحظات استقرت. اتسعت عينا نايف وهو شايف الشخص اللي واقف قدام الكاميرا. كان فؤاد السعدني… المدير المالي السابق لشركته. الراجل اللي اشتغل معاه أكتر من اتناشر سنة، واللي استقال فجأة قبل سبعة شهور بحجة المرض. فضل نايف باصص للشاشة وهو مش مستوعب. فؤاد كان بيتكلم مع واحد قاعد قدامه، ووشه مستخبي عن الكاميرا. قال فؤاد: “كل حاجة ماشية زي الخطة. الأستاذ نايف بقى مشغول تمامًا، ولا بقى مركز في الشركة.” رد الصوت التاني: “والتحويلات؟” ابتسم فؤاد وقال: “بيمضي من غير ما يراجع. أي فاتورة تتحط قدامه بيوقع عليها.” الصوت رجع قال: “كويس… خليه مستمر. كل ما يغرق أكتر، هيبقى أسهل ناخد الشركة كلها.” الفيديو وقف فجأة.
نايف حس إن الدم جمد في عروقه.
رجع فتح الملف اللي بعده.
كان عبارة عن كشوف حسابات.
أرقام ضخمة.
شركات وهمية.
تحويلات خرجت من حسابات شركته على مدار شهور.
وأغلبها متسجل تحت بنود كان هو بنفسه موقع عليها.
ضرب بإيده على الدريكسيون وهو بيقول: “أنا كنت أعمى.”
سيلينا كانت ساكتة.
أول مرة تشوفه بالشكل ده.
قالت بهدوء: “الخيانة اللي عملتها في زهره كانت بإيدك… لكن اللي حصل في الشركة واضح إن حد استغلك.”
قفل اللابتوب.
وقال: “وده مش هيغير اللي عملته.”
سكتت.
لأنها عرفت إنه لأول مرة بطل يهرب من الحقيقة.
وصل البيت قبل المغرب.
دخل الفيلا.
كانت لسه فاضية.
لكن المرة دي ما حسش إنها فاضية بس.
حس إنها شاهدة عليه.
طلع أوضة مكتبه.
وقفل الباب.
وقعد يراجع كل ملف في الفلاشة.
كل ما يفتح ملف يكتشف إن فؤاد كان بيجهز لانهياره من بدري.
كان عارف إنه بيقضي أغلب وقته مع سيلينا.
وعارف إنه بطل يراجع العقود.
وعارف إنه فقد تركيزه.
استغل ضعفه.
واستغل غروره.
لكن في وسط الملفات…
لقى حاجة غريبة.
ملف صوتي مدته دقيقة ونص.
شغله.
طلع صوت فؤاد.
“لو بتسمع التسجيل ده، يبقى غالبًا أنا مبقتش موجود.”
اتعدل نايف في قعدته.
كمل فؤاد.
“أنا غلطت… بس ماكنتش أكبر واحد في اللعبة.”
سكت لحظة.
“أنا مجرد منفذ.”
اتنفس بصعوبة.
“اللي طلب مني كل ده… شخص قريب جدًا من نايف… قريب لدرجة إنه عمره ما هيشك فيه.”
التسجيل انتهى.
مافيش اسم.
ولا أي دليل تاني.
قفل اللابتوب.
وقعد يفكر.
مين القريب بالشكل ده؟
خالد؟
مستحيل.
أمه؟
أبعد احتمال.
حد من مجلس الإدارة؟
ولا…
قطع تفكيره صوت جرس الباب.
نزل يفتح.
لقى عامل توصيل واقف.
قال: “حضرتك الأستاذ نايف؟”
هز رأسه.
سلمه ظرف أبيض.
“ده اتدفع تمن توصيله مقدمًا.”
أخده وقفله الباب.
الظرف ماكانش عليه اسم المرسل.
فتحه بحذر.
طلع منه مفتاح صغير.
ومعاه ورقة.
مكتوب فيها بخط مطبوع:
“لو عايز تعرف مين دمر حياتك فعلًا… روح بكرة الساعة سبعة مساءً إلى المخزن رقم 18 في المنطقة الصناعية القديمة.”
وتحتها سطر واحد فقط:
“ومتبلغش الشرطة… لأن الشخص اللي هتشوفه هناك… إنت بتحبه أكتر ما تتخيل.”
فضل نايف ماسك الورقة لدقائق.
كل الاحتمالات كانت بتمر في دماغه.
لكن ولا احتمال كان يقدر يفسر الجملة الأخيرة.
مين الشخص اللي بيحبه…
وفي نفس الوقت…
ممكن يكون السبب في انهيار حياته كلها؟
يتبع