وجع لا حد له حكايات اسما السيد 2

الفصل الثالث — التسجيل اللي قلب الحكاية
بصيت لسيلا وقلت بصوت واطي:
— مهما يقول، ما تتكلميش إلا لما أقولك.
فتحت التسجيل في موبايلي، وحطيته مقلوب فوق الترابيزة.
وبعدين روحت ناحية الباب.
سيلا مسكت دراعي.
— نوران، استني… هو لما بيتزنق بيتحول لشخص تاني.
بصيتلها.
— أنا شفت الشخص التاني ده وأنا بنزف قدامه.
وسحبت دراعي بهدوء.
فتحت الباب.
جوزي كان واقف قدامي.
هدومه مترتبة، شعره متظبط، ووشه هادي بشكل مستفز.
كأنه مش جاي يسترد ملف ممكن يدخله في مصيبة.
بصلي.
وبعدين بص لسيلا اللي واقفة ورايا.
قال:
— كنت عارف.
قلت:
— عارف إيه؟
دخل من غير ما أسمحله.
— إنك هتجري عليها.
سيلا قالت:
— أنا ما جريتش على حد.
لف لها.
— اخرسي.
صوته خلاها تتراجع خطوة.
قلت:
— ما تعليش صوتك في بيتي.
بصلي.
— بيتك؟
— أيوه. بيتي.
ضحك.
— واضح إن العملية أثرت على ذاكرتك.
ابتسمت.
— بالعكس. العملية رجعتها لي.
سكت.
قلت:
— افتكرت إني بقالي سنين بسمحلك تتعامل مع كل حاجة كأنها ملكك.
— نوران، أنا مش جاي أتناقش.
— أمال جاي ليه؟
مد إيده.
— الملف.
عملت نفسي مش فاهمة.
— ملف إيه؟
ملامحه اتغيرت.
— بلاش لعب.
— قول اسمه.
— نوران.
— الملف بتاع إيه؟
سكت.
قربت منه.
— الميراث؟
عينيه اتحركت ناحية سيلا.
لحظة صغيرة.
لكن شوفتها.
قلت:
— يبقى حقيقي.
لف ناحية سيلا.
— إنتِ وريتيها الورق؟
سيلا قالت:
— وريتها اللي من حقها تعرفه.
ضحك بسخرية.
— من حقها؟
قرب منها.
— إنتِ نسيتي كنتِ بتقولي إيه من كام شهر؟
سيلا سكتت.
قال:
— نسيتي لما قلتيلي خلص موضوع نوران بأي طريقة؟
بصيت لسيلا.
وشها شحب.
قلت:
— قلتي كده؟
ردت بسرعة:
— كنت أقصد الطلاق.
جوزي ضحك.
— طبعًا.
سيلا قالت:
— ما تحورش الكلام.
هو تجاهلها وبصلي.
— شايفة الست اللي مصدقاها؟ دي كانت مستعجلة أكتر مني.
قلت:
— وأنا مش مصدقاها.
سيلا بصتلي.
كملت:
— ومش مصدقاك إنت كمان.
سكتوا هما الاتنين.
قلت:
— أنا هصدق الورق.
جوزي قال:
— الورق مش كامل.
— كملهولي.
— مش هنا.
— ليه؟
— لأن الموضوع أكبر منك.
ضحكت.
— الحاجة باسمي، والميراث بتاعي، والتوقيع المزور توقيعي… بس الموضوع أكبر مني؟
وشه اتشد.
— التوقيع مش مزور.
قلت:
— أمال؟
— عندي توكيل منك.
— التوكيل ده أنا ما عملتوش.
— عملتيه.
— إمتى؟
سكت ثانية.
قلت:
— إمتى؟
— من سنين.
— وريني الأصل.
— مش معايا.
ضحكت.
— طبعًا.
قرب مني وقال:
— إنتِ مش فاهمة. الميراث ده مش كنز وقع من السما. عليه ديون ونزاعات وقضايا، وأنا بقالي سنة بحاول أنقذ اللي ممكن يتنقذ.
— من غير ما أعرف؟
— علشان كنتِ هتخافي.
الجملة دي استفزتني.
— يعني خنتني علشان ما أخافش برضه؟
— سيلا مالهاش علاقة بالموضوع.
سيلا ضحكت بصدمة.
— نعم؟
بصلها.
— اسكتي.
قالت:
— لأ، مش هسكت.
قربت مننا.
— قولها الحقيقة.
قال:
— حقيقة إيه؟
— إنك اتجوزتني علشان عمي.
أنا بصيت لها.
— عمك؟
سيلا حطت إيدها على بطنها من التوتر.
— المحامي اللي كان بيتابع الميراث في الأول… عمي.
جوزي صرخ:
— سيلا!
لكنها كملت:
— هو اللي اكتشف إن فيه أوراق بتتجهز باسم نوران من غير علمها.
بصيت لجوزي.
— إنت اتجوزتها علشان توصل لعمها؟
سيلا قالت:
— في البداية قرب مني علشانه.
سكتت لحظة.
— وأنا ما عرفتش غير بعد الجواز.
جوزي قال:
— كدابة.
سيلا فتحت موبايلها.
— عندي الرسائل.
وشه اتغير.
قال:
— اديلي الموبايل.
— لأ.
مد إيده ياخده منها.
أنا وقفت بينهم.
— ما تلمسهاش.
بصلي باستغراب.
— إنتِ بتحميها؟
قلت:
— أنا بحمي الحقيقة.
رجع خطوة.
وقال:
— جميل. بقيتوا أصحاب.
قلت:
— لأ. هي شاركت في أذيتي وهتتحاسب على اللي عملته.
سيلا نزلت عينها.
— بس الفرق إنها بدأت تتكلم.
بصيتله.
— إنت لسه بتكدب.
سكت شوية.
وبعدين ابتسم.
الابتسامة دي خوفتني أكتر من عصبيته.
قال:
— عايزة الحقيقة؟
— أيوه.
— ماشي.
قعد على الكنبة.
— جدك فعلًا سابلك ميراث.
— قيمته كام؟
قال رقم.
أنا افتكرت الرقم اللي شفته في الملف.
قلت:
— إنت بتكدب.
رفع حاجبه.
— الرقم اللي في الورق تقريبًا ضعف اللي إنت قلته.
سيلا بصتلي.
هو سكت.
قلت:
— فين النص التاني؟
قال:
— مش موجود.
— راح فين؟
— اتصرف.
— مين صرفه؟
ما ردش.
قلت:
— إنت؟
قال بعصبية:
— استخدمته.
ضحكت.
— استخدمت ميراثي؟
— لإنقاذ الشركة!
اتجمدت.
سيلا قالت:
— أهو اعترف.
هو صرخ فيها:
— الشركة كانت هتقع!
رجع بصلي.
— من سنة ونص، كنت على بعد أيام من الإفلاس.
أنا ماكنتش أعرف.
طول الوقت كان بيرجع البيت ويتكلم عن توسعات وصفقات.
قلت:
— وإنت عرفت بالميراث.
— بالصدفة.
— فسرقته.
— ما سرقتش حاجة.
— أخدت فلوس باسمي من غير علمي، تسميها إيه؟
قال:
— كنت هرجعها.
— إمتى؟
سكت.
قلت:
— لما باقي الميراث يتحول؟
عينيه كشفت الإجابة.
قلت:
— وكنت محتاج تفضل متجوزني لحد ما ده يحصل.
قال:
— أيوه.
الجملة خرجت منه أخيرًا.
سيلا بصتله.
وأنا حسيت بحاجة جوايا بتقفل للأبد.
قلت:
— يعني لما اتجوزت عليا، ماطلقتنيش علشان محتاج اسمي.
— الموضوع مش بالشكل ده.
— بالشكل ده بالضبط.
قربت منه.
— كنت محتاج مراتي على الورق، وسيلا في السرير.
سيلا غمضت عينيها.
هو قال:
— نوران…
— لأ. كمّل.
سكت.
سألته:
— يوم الحادثة، كنت واخدني فين؟
قال:
— قلتلك وقتها.
— قولها تاني.
— كنا رايحين نتعشى.
سيلا قالت فورًا:
— كداب.
لف لها.
— اخرسي!
صرخت:
— كنا رايحين للمحامي!
الصمت وقع.
بصيتله.
— علشان أمضي التنازل؟
ما ردش.
— رد.
قال:
— كان مجرد إجراء.
— وأنا كنت أعرف؟
— كنت هشرحلك.
— قبل التوقيع ولا بعده؟
سكت.
وفجأة افتكرت حاجة.
قبل الحادثة بحوالي عشر دقايق، كان إداني ملف في العربية.
وقال لي:
“لما نوصل هتوقعي كام ورقة تخص الشركة.”
وقتها رفضت.
قلتله مش همضي حاجة من غير ما أقراها.
وهو اتعصب.
بعدها بدقايق حصلت الحادثة.
بصيت لسيلا.
— إنتِ قلتي إنه بعد الحادثة قال “الورق ما اتوقعش”.
هزت راسها.
جوزي وقف.
— كفاية تخاريف.
قلت:
— استنى.
قربت منه.
— الحادثة كانت صدفة؟
اتجمد للحظة.
وبعدين قال:
— إنتِ مجنونة؟
— سألتك سؤال.
— طبعًا كانت حادثة!
— كنت بتكلم مين قبل الخبطة؟
سكت.
سيلا قالت:
— أهو.
جوزي لف لها بعنف.
— إنتِ عايزة تلبسيني مصيبة؟
— أنا سمعتك.
— كنت بكلم موظف في الشركة!
قلت:
— اسمه إيه؟
— مش فاكر.
— مكالمة قبل حادثة كادت تقتلنا ومش فاكر كنت بتكلم مين؟
قال:
— كنت مصدوم!
قلت:
— والغريب إنك وإحنا لسه في المستشفى، أول حاجة فكرت فيها الورق.
وشه بدأ يعرق.
سيلا قربت مني وهمست:
— نوران…
— إيه؟
طلعت موبايل قديم من شنطتها.
— فيه حاجة ما قلتهاش.
جوزي أول ما شاف الموبايل، وشه اتغير تمامًا.
— الموبايل ده معاكي؟
سيلا رجعت خطوة.
أنا فهمت فورًا.
قلت:
— فيه إيه عليه؟
قال جوزي:
— ولا حاجة.
سيلا ردت:
— تسجيل.
— تسجيل إيه؟
قالت:
— العربية كان فيها نظام بيسجل الصوت تلقائي لما كنت بعمل ملاحظات للشغل.
بصت لجوزي.
— وهو نسي إنه كان شغال يوم الحادثة.
جوزي اتحرك ناحية الباب.
قلت:
— رايح فين؟
— أنا مش مضطر أقعد في المهزلة دي.
سيلا قالت:
— خايف نسمعه؟
وقف.
قال:
— شغليه.
سيلا بصتلي.
فتحت الملف.
في الأول صوت العربية.
أنا سمعت صوتي.
كنت بقول:
— مش همضي أي حاجة قبل ما أقراها.
وبعدين صوت جوزي:
— نوران، بلاش عناد.
صوتي:
— دي أوراق باسمي.
بعدها صمت.
وبعدين صوت مكالمة.
صوت جوزي واضح:
— أيوه… إحنا في الطريق.
سكت شوية.
ثم:
— لأ، رفضت تمضي.
قلبي بدأ يدق بعنف.
صوت شخص من الناحية التانية كان ضعيف ومش واضح.
جوزي رد:
— ما تعملش حاجة دلوقتي.
سكت.
ثم قال جملة خلت سيلا تبصلي.
— قلتلك استنى لحد ما ننزل من العربية.
بعدها ثواني…
صوت فرامل.
صراخ.
خبطة عنيفة.
التسجيل انتهى.
الصالة كلها سكتت.
بصيت لجوزي.
— مين اللي كنت بتكلمه؟
قال:
— موظف.
— وكان هيعمل إيه بعد ما ننزل؟
— مفيش حاجة.
سيلا قالت:
— كداب.
وفجأة موبايل جوزي رن.
بص للشاشة.
رفض المكالمة بسرعة.
لكن أنا شفت الاسم.
عادل.
سيلا شهقت.
— عادل؟!
بصيتلها.
— تعرفيه؟
وشها بقى أبيض.
قالت:
— ده السواق بتاع العربية النقل.
جوزي صرخ:
— سيلا، اخرسي!
أنا حسيت رجلي بردت.
— العربية اللي خبطتنا؟
سيلا هزت راسها.
— أيوه.
جوزي قال بسرعة:
— عادل بيشتغل معانا من سنين، طبيعي رقمه يكون عندي.
لكن سيلا كانت بتبص للشاشة.
قالت:
— لأ.
— إيه لأ؟
رفعت عينيها له.
— لأن عادل اختفى من يوم الحادثة.
الصمت وقع تاني.
وبعدين جرس الباب رن.
جوزي اتجمد.
أنا ما اتحركتش.
الجرس رن مرة تانية.
قربت من الباب وبصيت من العين السحرية.
راجل في الخمسينات واقف برا.
وشه مرعوب.
فتحت الباب على السلسلة بس.
— مين؟
قال:
— أنا عادل.
سيلا رجعت لورا.
أما جوزي فقال من ورايا:
— ما تفتحيش.
عادل سمع صوته.
وقال بسرعة:
— مدام نوران، أنا جيت أقول الحقيقة.
بصيت لجوزي.
لأول مرة من ساعة ما دخل…
شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
عادل كمل من برا:
— الحادثة ماكانتش المفروض تحصل بالشكل ده.
إيدي تجمدت على الباب.
قلت:
— يعني إيه؟
قال:
— جوزك فعلًا كلمني قبلها.
جوزي اندفع ناحية الباب.
لكن سيلا وقفت قدامه.
عادل قال:
— بس هو ما طلبش مني أقتلك.
سكت لحظة.
— اللي طلبه كان حاجة تانية خالص.
بصيت من فتحة الباب.
— طلب منك إيه؟
عادل بلع ريقه.
وقال:
— طلب مني أوقف العربية قدامكم بعد ما تنزلوا عند مكتب المحامي…
وسكت.
— وآخد منك الشنطة اللي فيها الورق.
بصيت لجوزي.
عادل كمل:
— لكن العربية فراملها ما استجابتش.
وش جوزي اتغير.
قلت:
— يعني الحادثة نفسها فعلًا كانت حادثة؟
عادل قال:
— أيوه.
تنفست للحظة.
لكن عادل كمل:
— إنما في حاجة أخطر.
— إيه؟
قال:
— قبل ما أطلع بالعربية، حد كان لعب في الفرامل.
جوزي قال بسرعة:
— أنا مالي بالكلام ده؟
عادل رد من ورا الباب:
— لأن الشخص اللي شوفته خارج من عند العربية قبل الحادثة بنص ساعة…
ماكانش إنت.
سيلا قربت من الباب.
— أمال مين؟
عادل سكت ثانيتين.
وبعدين قال:
— المحامي.
أنا بصيت لسيلا.
هي شهقت:
— عمي؟
عادل رد:
— أيوه.
سيلا سندت نفسها على الحيطة.
أما أنا، فبصيت للملف الأزرق المقفول في درج السفرة.
وفجأة فهمت إن جوزي، رغم كل اللي عمله، يمكن ما يكونش أخطر شخص في الحكاية.
لأن المحامي اللي سيلا قالت إنه الوحيد اللي ممكن يساعدني…
هو نفسه الراجل اللي عادل بيقول إنه شوهد جنب العربية قبل الحادثة.
والكارت اللي سيلا ادتهولي من شوية…
كان عليه عنوان مكتبه.
بصيت لسيلا.
— إنتِ قلتيلي أروح لعمك.
قالت وهي مصدومة:
— لأني كنت فاكرة إنه بيحاول يحميكي.
قلت:
— يمكن هو مش بيحاول يحميني.
فتحت درج السفرة وطلعت الملف الأزرق.
قلبت آخر الأوراق بسرعة.
وفجأة لقيت ورقة ماخدتش بالي منها قبل كده.
وصية جدي.
وفي آخر صفحة بند متعلم عليه بالقلم.
قرأته مرة.
وبعدين مرة تانية.
سيلا سألت:
— فيه إيه؟
رفعت عيني لها.
— الميراث ما ينتقلش كله ليا بس.
جوزي قرب.
— يعني إيه؟
قلت:
— لو أنا مت قبل استلامه…
وسكت.
لأن الاسم المكتوب قدامي خلاني أفهم ليه حد ممكن يكون عايزني ما أوصلش لمكتب المحامي أصلًا.
قلت:
— الوصي على الميراث، والمستفيد من إدارته لحد ما الورثة التانيين يظهروا…
كان عم سيلا.
سيلا حطت إيدها على بوقها.
أما عادل فقال من عند الباب:
— وعلشان كده جيت.
سألته:
— ليه؟
رد:
— لأن المحامي كلمني من ساعة.
— وقالك إيه؟
قال:
— قاللي أختفي الليلة.
سكت.
— ولما سألته ليه…
صوت عادل اتهز.
— قال إن مدام نوران مش هتبقى موجودة بكرة علشان تسأل عن أي حاجة.
يتبع…

