١٢٠ مليون حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثاني: أول حجر يسقط

الصبح جه هادي بشكل مستفز.

سارة فتحت عينيها ولقت كريم نايم جنبها كأنه طفل بريء.

كان نايم مرتاح.

هادئ.

مطمئن.

والسبب بسيط…

لأنه فاكر إن كل حاجة تحت السيطرة.

فاكر إن سارة لسه الزوجة المخلصة اللي بتصدق كل كلمة بيقولها.

وفاكر إن أيام قليلة وفلوس الميراث هتنزل الحساب.

بعدها يختفي.

أو يطلقها رسميًا للمرة التانية لو اضطر.

ويبدأ حياته الجديدة مع ياسمين.

لكن اللي كريم ماكنش يعرفه إن سارة من اللحظة اللي عرفت فيها الحقيقة بطلت تبقى الضحية.

وبدأت تبقى الخطر.

على مائدة الإفطار كان كريم بيشرب قهوته ويقلب في الأخبار الاقتصادية.

رفع عينه ناحيتها وقال:

“المحامي كلمك؟”

سارة شربت رشفة من العصير.

“آه.”

“وقال إيه؟”

“لسه إجراءات نقل الملكية شغالة.”

كريم ابتسم.

ابتسامة صغيرة جدًا.

لكنها كانت كفاية علشان سارة تلاحظها.

ابتسامة شخص مستني فلوس.

مش شخص حزين على وفاة حماه.

قال وهو بيقطع قطعة توست:

“أبوكِ كان راجل عظيم.”

كادت تضحك.

لأن نفس الراجل ده كان بيخطط يسرق تعبه كله.

لكنها اكتفت بهزة رأس بسيطة.

ثم قامت.

“عندي مشوار.”

“شركة؟”

“آه.”

بعد ساعة كانت قاعدة في مكتب المحامي.

وأمامها ملفات سميكة.

حسابات.

عقود.

تقارير مالية.

وكل دقيقة كانت الحقيقة تبان أوضح.

كريم ماكنش مجرد زوج خائن.

كان نصاب محترف.

خلال سنة واحدة نقل ملايين الجنيهات من الشركة لحسابات مرتبطة بشركات وهمية.

والأسماء اللي كانت موجودة في المستندات صدمت سارة.

مدير الحسابات.

المستشار القانوني القديم.

وياسمين.

كلهم كانوا جزء من اللعبة.

قال المحامي:

“الأدلة كفاية تدخله السجن سنين.”

سارة فضلت ساكتة.

ثم سألت:

“لو بلغنا النهاردة… إيه اللي هيحصل؟”

“هيتقبض عليه.”

“وبعدين؟”

“تحقيقات.”

“وبعدين؟”

“القضاء ياخد مجراه.”

سارة هزت رأسها.

“لا.”

المحامي استغرب.

“لا؟”

“أنا مش عايزة السجن دلوقتي.”

“ليه؟”

نظرت من الشباك.

وقالت بهدوء:

“لأن السجن هيبقى رحمة.”

في نفس الوقت تقريبًا.

كان كريم داخل مقر الشركة.

وياسمين مستنياه في مكتبها.

أول ما دخل قفلت الباب.

وقالت بابتسامة:

“لسه مفيش أخبار؟”

هز رأسه.

“لسه.”

“أنا بدأت أقلق.”

ضحك.

“متقلقيش.”

“إزاي؟”

“سارة مش بتفهم في الحاجات دي.”

ثم أضاف بثقة:

“هي عمرها ما كانت بتراجع ورقة.”

ياسمين ضحكت.

“يعني كل حاجة تمام؟”

اقترب منها.

وقال:

“أيام ونبقى أحرار.”

لكن في اللحظة دي تحديدًا…

كان فيه شخص في قسم تكنولوجيا المعلومات بينسخ كل الإيميلات الداخلية للشركة بناءً على طلب رسمي من المالكة الجديدة.

سارة الشاذلي.

المالكة الوحيدة.

في المساء.

وصلت رسالة إلكترونية عاجلة لكل أعضاء مجلس الإدارة.

اجتماع طارئ.

بعد 48 ساعة.

الحضور إلزامي.

مرسل الرسالة:

سارة الشاذلي.

رئيس مجلس الإدارة الجديد.

كريم قرأ الرسالة مرتين.

ثم ثلاثة.

ملامحه اتغيرت.

أول مرة يحس بعدم راحة.

اتصل بسارة فورًا.

ردت.

“أيوة؟”

“إيه موضوع الاجتماع؟”

قالتها ببساطة شديدة:

“شوية تغييرات.”

“تغييرات إيه؟”

“هتعرف هناك.”

وأغلقت الخط.

لأول مرة منذ سنوات…

شعر كريم إن في حاجة غلط.

في الليلة نفسها.

وصل لسارة تقرير جديد.

لكن التقرير ده كان أخطر من أي شيء قبله.

فتحته.

وبدأت تقرأ.

وبعد عشر دقائق فقط…

تجمدت مكانها.

اسم واحد كان ظاهر عشرات المرات.

شركة اسمها:

الأفق للاستثمار.

شركة صغيرة.

مجهولة.

لكن الغريب إن ملايين الجنيهات كانت بتتحول ليها باستمرار.

بحثت عن المالك.

وفي اللحظة اللي ظهر فيها الاسم…

اتسعت عيناها.

لأن المالك لم يكن كريم.

ولا ياسمين.

ولا أي شخص من الشركة.

المالك كان شخصًا آخر تمامًا.

شخص كانت تعرفه جيدًا.

شخص كانت تثق فيه من زمان.

شخص حضر جنازة والدها.

وشارك في حمل النعش.

وشارك في العزاء.

وشارك في البكاء.

شقيقها الأكبر…

عمر الشاذلي.

سارة فضلت تحدق في الشاشة.

ثواني.

ثم دقائق.

غير قادرة على التصديق.

أخوها؟

عمر؟

الرجل الذي وقف بجانبها بعد وفاة والدها؟

كان شريكًا في السرقة؟

رن هاتفها فجأة.

ظهر اسم عمر على الشاشة.

كأن القدر سمع أفكارها.

ردت.

جاءها صوته الهادئ:

“عاملة إيه يا سارة؟”

نظرت إلى المستند أمامها.

ثم قالت بنفس الهدوء:

“بخير.”

سكت لحظة.

ثم قال:

“أنا محتاج أقابلك بكرة.”

قلبها انقبض.

“ليه؟”

جاء الرد الذي جعل الدم يتجمد في عروقها:

“في حاجة مهمة جدًا أبويا كان مخبيها عنك طول السنين دي…”

يتبع في الفصل الثالث… حيث تكتشف سارة أن مؤامرة كريم أكبر بكثير مما تخيلت، وأن اسمًا من عائلتها موجود في قلب الخيانة.

 

الفصل الثالث: السر الذي أخذه الأب إلى قبره

سارة ما نمتش الليلة دي.

بعد مكالمة عمر فضلت قاعدة في مكتبها لساعات.

أمامها الملفات.

التحويلات البنكية.

أسماء الشركات.

والسؤال اللي كان بيحرق دماغها:

هل عمر فعلًا خانها؟

ولا في حاجة أكبر هي مش شايفاها؟

كانت طول عمرها قريبة من أخوها.

عمر أكبر منها بثماني سنين.

ومن يوم وفاة أمهم وهو تقريبًا اللي ربّاها مع أبوهم.

لما كانت تقع كان أول واحد يجري عليها.

ولما دخلت الجامعة كان أول واحد يشتري لها عربية.

ولما اتجوزت كريم كان الوحيد اللي قال لها:

“لو زعلك يوم واحد هرجعه بيت أبوكي.”

فهل الراجل ده كله طلع كذاب؟

في اليوم التالي.

وصلت سارة إلى مكتب عمر.

كان موجود في مبنى قديم تابع لشركات العائلة.

دخلت.

لقته واقف قدام الشباك.

أول ما شافها تنهد.

وقال:

“عارف إنك شاكّة فيا.”

سارة ما ردتش.

طلعت ملف التحويلات من الشنطة.

وحطته قدامه.

“عايزة تفسير.”

بص على الورق.

ثم جلس بهدوء.

وقال:

“كنت مستني اللحظة دي من زمان.”

قلبها دق أسرع.

“يعني إيه؟”

فتح درج مكتبه.

وأخرج ظرفًا بنيًا قديمًا.

عليه بخط والدها:

يُفتح فقط إذا حدث شيء لسارة.

سارة حسّت أن أنفاسها اتقطعت.

الخط كان خط أبوها فعلًا.

مسكت الظرف بإيد مرتعشة.

فتحته.

كان جواه خطاب طويل.

بدأت تقرأ.

“بنتي سارة…

إذا كنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا مش موجود.

وفي حاجة حصلت خلتك تعرفي جزء من الحقيقة.

أنا عمري ما وثقت في كريم.”

سارة توقفت عن القراءة.

رفعت عينيها بسرعة.

“إيه؟”

عمر أشار لها تكمل.

رجعت تقرأ.

“من أول سنة جواز وأنا شايف فيه حاجة غلط.

مكنتش أملك دليل.

لكن إحساسي كرجل أعمال عمره خمسين سنة في السوق كان بيقولي إن الراجل ده بيستنى فرصة.

مش بيحب النجاح…

بيحب الاستيلاء عليه.

علشان كده طلبت من عمر يراقب كل حركة مالية بشكل سري.”

سارة رفعت رأسها مرة أخرى.

عمر قال:

“شركة الأفق كانت شركتنا إحنا.”

“إيه؟”

“واجهة سرية أنشأها أبويا.”

“ليه؟”

“علشان يتتبع أي تحويلات مشبوهة.”

سارة فضلت ساكتة.

وعمر أكمل:

“كل جنيه كريم سرقه كنا بنعرف راح فين.”

الصدمة ضربتها بقوة.

يعني والدها كان عارف؟

من زمان؟

فتحت الخطاب مرة أخرى.

وأكملت.

“لو وصلتي لحد هنا يبقى شكوكي كانت صحيحة.

ولو كريم خانك فعلًا فأنا آسف.

آسف إني مقدرتش أحمي قلبك.

لكن قدرت أحمي مستقبلك.

كل خطوة كان بيفكر يعملها كانت مرصودة.

كل شركة فتحها كانت متسجلة.

كل حساب استخدمه معروف.”

بدأت دموع سارة تنزل.

لأول مرة منذ وفاة والدها شعرت بوجوده.

كأنه لسه بيحميها.

حتى بعد موته.

عمر فتح جهازه.

وقال:

“في حاجة لازم تشوفيها.”

ضغط عدة أزرار.

وظهرت تسجيلات كاميرات.

تاريخها قبل ثلاثة أشهر.

داخل مطعم فاخر.

كريم.

وياسمين.

وشخص ثالث.

رجل أصلع في الخمسينات.

قال عمر:

“تعرفيه؟”

هزت رأسها.

“لا.”

تنهد.

“ده المستشار المالي لأبوكي.”

الهواء خرج من رئتيها دفعة واحدة.

“مستحيل.”

“للأسف حقيقي.”

ثم ضغط تشغيل.

الصوت خرج واضحًا.

كريم كان يقول:

“أول ما الراجل يموت كل حاجة هتبقى أسهل.”

سارة شعرت بالغثيان.

أما الرجل الآخر فقال:

“بس الوصية؟”

ضحك كريم.

ضحكة باردة.

وقال:

“سيب الوصية عليّا.”

الصمت سيطر على المكتب.

بعد انتهاء التسجيل.

قالت سارة بصوت مبحوح:

“كان مستني موت أبويا.”

عمر لم يرد.

لأن الإجابة كانت واضحة.

لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن انتهت بعد.

فتح عمر ملفًا آخر.

وقال:

“في حاجة أخطر.”

سارة أغمضت عينيها.

“لسه فيه أخطر؟”

“آه.”

وضع أمامها تقريرًا طبيًا.

قديمًا.

بتاريخ قبل وفاة والدها بستة أشهر.

نظرت للاسم.

اسم والدها.

ثم قرأت السطر التالي.

وتجمد الدم في عروقها.

نتيجة التحليل تشير إلى وجود مادة دوائية غير موصوفة للمريض بتركيز مرتفع داخل الدم.

رفعت رأسها ببطء.

“يعني إيه؟”

عمر كان شاحب الوجه.

وقال:

“يعني في احتمال إن مرض أبويا ماكانش طبيعي بالكامل.”

سارة شهقت.

“أنت بتقول إن حد كان بيسممه؟”

لم يجب مباشرة.

بل قال:

“إحنا مقدرناش نثبت وقتها.”

“لكن؟”

“لكن بعد اللي اكتشفناه عن كريم…”

سكت.

ثم أكمل:

“بقي لازم نسأل السؤال ده.”

لأول مرة منذ بداية القصة.

لم تعد المسألة طلاقًا.

ولا ميراثًا.

ولا حتى خيانة.

الأمر أصبح أكبر بكثير.

لأن احتمالًا مرعبًا بدأ يتشكل أمام سارة:

ماذا لو كان كريم لا ينتظر وفاة والدها فقط…

بل ساعد على حدوثها؟

وفي نفس اللحظة تقريبًا…

كان كريم جالسًا في شقة ياسمين.

يشرب قهوته بهدوء.

ولا يعلم أن أول حجر في قبر مستقبله قد سقط بالفعل.

ولا يعلم أن الملف التالي الذي ستفتحه سارة…

سيحتوي على الدليل الذي قد يدمّره إلى الأبد.

يتبع في الفصل الرابع… حيث تجد سارة تسجيلًا صادمًا من داخل المستشفى قبل وفاة والدها بأيام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *