روماني مكرم ×5
*”الأستاذ محمود.. الأستاذ أحمد أخوك مش معانا في حجز الشركة، شريف كان بيمثل عليكم بالفيديو من مكتب قديم.. أحمد هرب مننا في مطار دبي أول ما حس إن اللعبة اتكشفت، وهو دلوقتي راكب طيارة وراجع مصر باسم مزور وجواز سفر تاني.. ومستلف تليفون من حد بعت لنا منه رسالة بتهديد إنه راجع ينتقم من مروة ومنكم كلكم لأنها ضيعت مستقبله برة وجوه مصر! خذوا حذركم.. أحمد مابقاش عنده حاجة يخاف عليها وهو في طريقه ليكم دلوقتي!”*
محمود وشه اتخطف ومسك دراع مروة بقوة: “أحمد هربان وراجع مصر؟ وراجع ينتقم؟”
مروة حست بنغزة في قلبها، مكنتش خايفة من أحمد، بس خايفة من الغدر.. واحد ضاع مستقبله واتكشف حقيقته قدام أهله وبقى مطارد من الإنتربول، ممكن يعمل أي حاجة من غير ما يفكر.
المحامي بتاع مروة قال بسرعة: “يا أستاذ محمود، لازم نتحرك فوراً على أسيوط.. الحاجة فاطمة والعيال هناك بطولهم، وأحمد لو وصل هناك قبلنا وهو في الحالة دي، ممكن يعمل مصيبة في البيت!”
ركب محمود ومروة العربية، وطاروا بيها على طريق الصعيد. الطريق كان طويل جداً ومحمود كان بيدوس على البنزين بأقصى سرعة عنده، وعينه مابتفارقش الطريق، ومروة عمالة تتصل على الحاجة فاطمة في البيت، لكن الخط كان دايماً بيدّي “جاري الاتصال” ومحدش بيرد!
“ردي يا حاجة فاطمة.. أرجوكي ردي!” مروة كانت بتفرك في إيدها بتوتر، والخوف على العيال وعلى الحما اللي لسه مصالحاها ومحتضناها بدأ يأكل في قلبها.
وصلوا على مشارف أسيوط والليل كان بدأ يدخل، والشوارع كانت هادية. أول ما العربية دخلت الشارع بتاعهم، محمود لقى لمت ناس غريبة قدام البيت.. الجيران كلهم واقفين، وصوت صريخ طالع من شقة الدور الأرضي!
محمود فرمل العربية بعنف، ونزل هو ومروة بيجروا وسط الناس. محمود زق جاره أبو أحمد وصاح فيه: “في إيه يا أبو أحمد؟ عيالي وأمي مالهم؟”
أبو أحمد بص لمحمود بوش أصفر وعينين مليانة رعب وقال: “الحق يا محمود.. أخوك أحمد جه من ساعة، وكان داخل زي المجنون، وشايل في إيده سلاح.. وقفل باب الشقة على أمه وعلى عيالك وسامعين صوت ضـ,ـرب وتكسير جوة ومحدش قادر يدخل!”
مروة صرخت بأعلى صوتها وجريت على الباب الحديد بتاع البيت وفضلت تخبط بكل قوتها: “أحمد! افتح الباب يا أحمد! ولادي ملهمش ذنب! أنا اللي عملت كل حاجة.. افتح لي أنا!”
ومن وراء الباب الخشب السميك بتاع الشقة، طلع صوت أحمد.. بس مكنش صوت أحمد الأخ الطيب الهادي.. كان صوت وحش كاسر، صوته مليان غل وضياع وهو بيصرخ:
“مش هفتح يا مروة! أنتِ ضيعتيني وفضحتيني وخليتي أمي تبيع البيت لمحمود وتكتب له كل حاجة وتسبني في الغربة ماليش تمن! لو حد قرب من الباب ده، هخلص على العيال وعلى أمي وعلى نفسي.. والبيت ده هيهد فوق دماغ الكل النهاردة!”
الحاجة فاطمة كانت بتصرخ من جوة: “يا محمود! الحقني يا ابني! أخوك اتجنن وعايز يقـ,ـتلنا ويقـ,ـتل العيال!”
محمود رجع لورا خطوتين، وعينيه جت في عين مروة.. نظرة الفراق الأخير.. محمود أخد نفس طويل، وبص لجيرانه وقال: “ساعدوني نكسر الباب!” وفضل يضـ,ـرب بكتفه في الباب الحديد بكل قوته وهو سامع صوت تكتكة غريبة جوة الشقة.. مكنتش تكتكة الساعة القديمة.. دي كانت تكتكة سلاح بيتحضر للضـ,ـرب!
وفي اللحظة اللي الباب بدأ يتخلع فيها من مكانه.. طلعت صرخة من جوة الشقة هزت المنطقة كلها، تلاها صوت ضـ,ـرب نار قوي..
#الكاتب_رومانى_مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الجزء العاشر والأخير:
مع دوي الرصاصة اللي هزت حيطان البيت وقلوب كل اللي واقفين في الشارع، الزمن وقف تماماً. مروة صرخت صرخة شرخت سما أسيوط وهي بترمى بكل عزمها على الباب، ومحمود، بقوة ميعرفش طلعتله منين، ضـ,ـرب الباب الحديد بكتفه ورجليه لحد ما المفصلات اتخلعت واتهد الباب ووقع على الأرض وعمل رزع زلزل المكان.
دخل محمود ومروة يجيروا وسط الغبار والدخان، وعينيهم بتدور على العيال وعلى الحاجة فاطمة. الأوضة الجوانية كانت مقلوبة، النور مطفي، وفي الركن كانت الحاجة فاطمة حاضنة العيال بجسمها ومخبياهم ورا الكنبة، والعيال كاتمين صرختهم في حجرها وهما بيترعشوا. محمود جري عليهم ولقاهم بخير ومفيش فيهم خدش، لكن الرصاصة كانت رايحة في مكان تاني خالص.
في نص الصالة، كان أحمد واقع على الأرض، السلاح مرمي بعيد عن إيده، والدم غرقان عبايته من كتفه. أحمد مكنش قاصد يقتـ,ـل أمه ولا العيال، هو كان داخل في حالة جنح وضياع، ولما سمع صوت كسر الباب، إيده اترعشت والطلقة طلعت منه غلط وجت في كتفه وسقط من طوله وهو بيبكي بنشيج مرير زي الأطفال.
مروة أول ما شافت المشهد، مقفتش تتفرج ولا تشمت. طلعت جري على المطبخ جابت قماشة نظيفة وجريت على أحمد، قعدت في الأرض وضغطت على جرحه بكل قوتها عشان توقف النزيف، وبصت لمحمود وقالت بزعاق: “اطلب الإسعاف بسرعة يا محمود! أخوك هينزف!”
أحمد رفع عينيه الذبلانة والمكسورة لمروة، وشافها وهي بتنقذ حياته بعد كل اللي عمله فيها، فضل يعيط ويقول بصوت مخنوق: “سامحيني يا مروة.. أنا ضعت، وضيعتكم معايا.. الغل أعمى عيني لما حسيت إن كل حاجة راحت مني.”
الجيران دخلوا وشالوا أحمد مع محمود وأخدته الإسعاف على المستشفى تحت حراسة الشرطة، عشان ينال جزاءه القانوني عن الاختلاس والدخول بجواز سفر مزور، بس المرة دي الجرح اللي في جسمه هيمـ,ـوت الغل اللي كان في قلبه.
مرت سنة كاملة على الليلة دي.. سنة غيرت نفوس وتبدلت فيها أحوال.
البيت في أسيوط رجع له الهدوء تاني، بس مكنش هدوء الخوف والمكائد، كان هدوء الرضا والأصول. الشقة الفوقانية اتفتحت ونورها قاد من تاني، ومروة رجعت لمنصبها الإقليمي في الشركة الإنترناشونال بعد ما الإدارة الرئيسية في نيويورك كرمتها على أمانتها وشجاعتها في كشف الفساد.
محمود سدد قروض البنك وفك رهن البيت من عرق شقاه في المعمل، وبمساعدة مروة اللي رجعت تشيل معاه كتف بكتف بس بالرضا والحب، مش بلوي الدراع والشروط.
وفي العصر الفاخر من يوم جمعة، كانت الصالة منورة بنور الشمس الدافي. “الحاجة فاطمة” كانت قاعدة على الكنبة الكبيرة، بتسبح بهدوء ووشها منور، ومروة قاعدة جنبها بتشرب معاها الشاي وبيتضحكوا. مروة مالت على حماتها “الحما” وبست راسها وقالت لها: “جاهزة يا حاجة فاطمة؟ الشنط قفلتها، وتأشيرة العمرة طلعت، وطيارتنا الفجر إن شاء الله.. أنا ومحمود وإنتِ علطول على الحرم.”
الحاجة فاطمة دموعها نزلت على خدها وأخدت مروة في حضنها وقالت بصوت كله خشوع: “ربنا يبارك لي فيكِ يا بنتي ويصونك.. أنا مكانش ليا حق أتدخل في قرشك ولا في بيتك، وإنتِ صنتي عرضنا وشيلتي ولادي في وقت الشدة. ربنا يكتبلك بكل مليم دفعتيه قصر في الجنة.”
محمود دخل عليهم الصالة وشاف اللقطة دي، ابتسم وراحت من ودنه تكتكة الساعة القديمة وحل محلها صوت ضحكات عياله اللي بيلعبوا في البلكونة. قرب من مراته وبص في عينيها وقال بنبرة كلها حب واحترام: “تسلم إيدك يا ست مروة.. صنتي الأصول، فصُنتي البيت.”
### الحكمة من القصة:
**البيوت مابتتبنيش بالفلوس، البيوت بتبني بالستر والرضا والأصول.**
* **الحكمة الأولى (للأزواج):** أسرار بيتك خط أحمر، والراجل اللي يسيب ودنه لكلام برة -حتى لو من أقرب الناس ليه- بيهد سقف بيته بيده. الستر بين الزوجين هو الحصن اللي بيحمي العيلة من غدر الزمان.
* **الحكمة الثانية (للحموات والأهل):** مال الزوجة وشقاها هو حقها الخاص شرعاً وقانوناً، التدخل فيه بنية الفرض أو الغيرة بيولد الغل ويخرب العمار. الكبيرة في البيت هي اللي تلم وتستر، مش اللي تسخن وتفرق.
* **الحكمة الثالثة (في الأصول والمعادن):** الست الأصيلة الذكية مبتتكسرش بالتهديد، ومبتنساش الفضل. مروة لما حبت تاخد حقها أخدته بالقانون والأصول، ولما لقت جوزها صانها ووقف في ضهرها، شالت عيلته كلها فوق راسها. الفلوس بتروح وتيجي.. بس المعدن النظيف بيفضل يلمع في الضلمة.
#الكاتب_رومانى_مكرم