بعد ١١ عام حكـايـات أسمـا ×4

الفصل الرابع

 

مرّت ثلاثة أشهر.

 

وأصبحت بطني أكبر بشكل واضح.

 

التوأم كانا ينموان بصحة جيدة.

 

وكانت الطبيبة تؤكد في كل زيارة أن الحمل يسير بصورة ممتازة.

 

أما أنا…

 

فكنت أتعلم كيف أعيش من جديد.

 

بعيدًا عن الخوف.

 

بعيدًا عن الإهانات.

 

بعيدًا عن الشعور بأن قيمتي مرتبطة بقدرتي على الإنجاب.

 

المفارقة الساخرة…

 

أنني لم أشعر يومًا بقوتي كما شعرت بها بعد أن تركت كريم.

 

—

 

في إحدى الأمسيات…

 

دعاني سيف المنصوري لتناول العشاء مع بعض شركائه.

 

في البداية رفضت.

 

لكن إلحاحه كان محترمًا.

 

وقال:

 

“إنتِ محتاجة ترجعي تشوفي الناس والحياة.”

 

وافقت في النهاية.

 

وصلنا إلى أحد الفنادق الفاخرة بالقاهرة.

 

وكان الحفل يضم رجال أعمال ومستثمرين وشخصيات معروفة.

 

وبمجرد دخولي…

 

بدأت ألاحظ النظرات.

 

بعضهم كان يعرفني.

 

زوجة كريم الشاذلي السابقة.

 

أو بالأصح…

 

المرأة التي اختفت فجأة من حياته.

 

لكن المفاجأة جاءت بعد دقائق.

 

حين اقتربت مني سيدة أنيقة في الخمسين من عمرها.

 

ابتسمت وقالت:

 

“أخيرًا قابلتك.”

 

استغربت.

 

“حضرتك تعرفيني؟”

 

ضحكت.

 

وقالت:

 

“أعرف عنك أكتر مما تتخيلي.”

 

ثم مالت نحوي وأضافت:

 

“أنا من الناس اللي كانت بتشتغل مع والدك.”

 

تجمدت.

 

لأن اسم والدي نادرًا ما كان يُذكر في السنوات الأخيرة.

 

أكملت السيدة:

 

“أبوك كان دايمًا يقول إن أذكى واحد في العيلة هي سلمى.”

 

ابتسمت رغم نفسي.

 

وشعرت بشيء دافئ داخل قلبي.

 

شيء افتقدته طويلًا.

 

الاعتراف.

 

—

 

وفي الجهة الأخرى من القاهرة…

 

كان كريم يعيش أسوأ فترة في حياته.

 

الشركة تخسر.

 

والديون تتزايد.

 

وعدد من العملاء المهمين انسحبوا نهائيًا.

 

حتى أصدقاؤه بدأوا يبتعدون.

 

في إحدى الليالي…

 

كان يراجع بعض الملفات القديمة.

 

حين سقطت ورقة من أحد الأدراج.

 

انحنى ليلتقطها.

 

ثم تجمد.

 

كانت نسخة من تقرير طبي قديم.

 

بتاريخ يعود إلى سنوات مضت.

 

تقرير كان قد تجاهله تمامًا وقتها.

 

بدأ يقرأ.

 

ثم أعاد القراءة مرة ثانية.

 

ثم ثالثة.

 

وشعر بأن الدم اختفى من وجهه.

 

لأن التقرير كان واضحًا جدًا.

 

سبب تأخر الإنجاب لم يكن سلمى.

 

بل هو.

 

هو.

 

كريم الشاذلي.

 

التقرير أثبت أنه كان يحتاج علاجًا طويلًا.

 

لكن والدته أخفت الأمر.

 

وأقنعته أن المشكلة عند زوجته.

 

جلس في مكانه مصدومًا.

 

غير قادر على التنفس.

 

ثم أمسك هاتفه واتصل بأمه فورًا.

 

—

 

بعد نصف ساعة…

 

كانت نادية الشاذلي تقف أمامه.

 

مرتبكة.

 

قلقة.

 

وتعرف بالضبط سبب استدعائها.

 

رفع التقرير في وجهها.

 

وقال:

 

“إيه ده؟”

 

لم ترد.

 

فصرخ:

 

“إيه ده؟!”

 

انهمرت دموعها فجأة.

 

وقالت:

 

“كنت بحاول أحميك.”

 

ضحك ضحكة مخيفة.

 

“تحميني؟”

 

ثم أشار إلى التقرير.

 

“يعني كل السنين دي كنتِ عارفة؟”

 

صمتت.

 

وكان صمتها اعترافًا.

 

شعر كريم وكأن أحدهم ضربه في صدره بمطرقة.

 

كل الإهانات.

 

كل الاتهامات.

 

كل نظرات الاحتقار التي وُجهت لسلمى.

 

كانت مبنية على كذبة.

 

كذبة صنعتها أمه.

 

—

 

في تلك الليلة…

 

لم ينم.

 

ظل جالسًا حتى الفجر.

 

يتذكر كل شيء.

 

كل مرة بكت فيها سلمى.

 

كل مرة دافعت عن نفسها.

 

كل مرة طلبت منه أن يصدقها.

 

وكل مرة اختار أن يصدق غيرها.

 

ولأول مرة…

 

أدرك حجم الجريمة التي ارتكبها.

 

—

 

بعد أسبوع واحد فقط…

 

وصلته المعلومة التي دمرت ما تبقى منه.

 

كان يتناول الغداء مع أحد معارفه.

 

حين قال الرجل بشكل عابر:

 

“بالمناسبة… مبروك.”

 

رفع كريم رأسه.

 

“على إيه؟”

 

ابتسم الرجل.

 

“سمعت إن مراتك السابقة حامل.”

 

توقف الزمن.

 

“إيه؟”

 

“مش بس حامل.”

 

ثم ضحك الرجل.

 

“دي حامل في توأم كمان.”

 

سقطت الشوكة من يد كريم.

 

وشعر أن العالم يدور حوله.

 

توأم.

 

سلمى حامل.

 

بعد كل هذه السنوات.

 

بعد كل ما حدث.

 

بعد أن طردها.

 

بعد أن أهانها.

 

بعد أن سمح لأمه بتحطيمها.

 

كانت تحمل أطفاله.

 

وريثيه.

 

أبناءه.

 

في اللحظة نفسها التي كان يوقع فيها أوراق الطلاق.

 

—

 

خرج من المطعم كالمجنون.

 

ركب سيارته.

 

وبدأ يبحث عنها.

 

اتصل بأصدقائه.

 

بمعارفه.

 

بأي شخص يمكن أن يعرف مكانها.

 

لكن دون فائدة.

 

لأن سلمى اختفت تمامًا من عالمه.

 

وكان الشخص الوحيد الذي يعرف مكانها…

 

هو سيف المنصوري.

 

الرجل الذي بدأ اسمه يظهر بجوار اسمها في كل مكان.

 

الرجل الذي أصبحت تُرى معه باستمرار.

 

الرجل الذي بدأ الناس يتهامسون بأنه قد يتزوجها قريبًا.

 

وحين سمع كريم تلك الشائعة…

 

شعر لأول مرة بالخوف الحقيقي.

 

ليس خوف خسارة زوجة.

 

بل خوف خسارة عائلة كاملة.

 

العائلة التي رماها بيده.

 

دون أن يعرف قيمتها.

 

أما سلمى…

 

فكانت في تلك اللحظة داخل غرفة الأطفال الجديدة.

 

ترتب سريرين صغيرين.

 

واحدًا لطفل.

 

وواحدًا لطفلة.

 

بينما سيف يقف عند الباب يراقبها بصمت.

 

ثم قال فجأة:

 

“سلمى.”

 

التفتت نحوه.

 

فابتسم.

 

وقال:

 

“في حاجة لازم أقولها من زمان.”

 

وشعرت سلمى أن الكلمات القادمة…

 

قد تغيّر حياتها مرة أخرى.

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *