ملك المافيا حكايات اسما ×4

الفصل السابع

ساد الصمت في الغرفة.

حتى صوت المكيف القديم بدا وكأنه اختفى.

كان الجميع ينظر إلى ليلى.

أما هي فكانت تحدق في صورة الطفلة على الشاشة وكأنها لا ترى مجرد صورة.

بل ترى ماضيًا كاملًا عاد فجأة ليقف أمامها.

قال سيف بهدوء:

“تعرفيها إزاي؟”

ابتلعت ريقها.

ثم جلست ببطء على الكرسي.

وكأن ساقيها فقدتا القدرة على حملها.

قالت:

“مش البنت نفسها.”

ضاقت عينا سيف.

“يعني؟”

أشارت إلى الصورة.

“أنا أعرف الست اللي ربتها.”

نظر الجميع إلى بعضهم.

ثم قالت:

“من حوالي عشر سنين كنت بشتغل في مكتب محاسبة صغير قبل ما أنضم لمجموعة الحديدي.”

سكتت لحظة.

ثم أكملت:

“كان عندنا عميلة بتيجي كل شهر تقريبًا.”

“اسمها؟”

“فريدة سالم.”

عقد كريم حاجبيه.

الاسم لا يعني له شيئًا.

لكن ليلى أكملت:

“كانت عايشة لوحدها.”

“وبعدين؟”

“وكان معاها طفلة صغيرة.”

نظرت إلى الصورة.

ثم همست:

“نفس الطفلة.”

شعر سيف بأن قطع الأحجية بدأت تتحرك من جديد.

لكن الصورة ما زالت ناقصة.

قال:

“إيه علاقة البنت دي بشريف؟”

هزت ليلى رأسها.

“معرفش.”

ثم أضافت:

“لكن الست دي كانت بتقبض مبالغ ضخمة بشكل منتظم.”

“من مين؟”

“شركات وهمية.”

تجمد كريم.

لأنهم رأوا الليلة نفسها عشرات الشركات الوهمية المرتبطة بشريف.

قال سيف:

“كملي.”

أخذت نفسًا عميقًا.

“في مرة كنت براجع كشف حساب بالغلط.”

“وبعدين؟”

“لقيت اسم شركة واحدة بيتكرر باستمرار.”

“اسمها؟”

أشارت إلى الشاشة.

كان الاسم ظاهرًا بالفعل.

شركة قديمة.

مغلقة منذ سنوات.

لكنها موجودة داخل ملفات مشروع الوريثة.

قالت ليلى:

“هي دي.”

نظر سيف إلى الشاشة.

ثم شعر بشيء بارد يمر في جسده.

لأنه يعرف الشركة.

جيدًا.

بل أكثر من أي شخص آخر.

قال بصوت منخفض:

“دي شركة أمي.”

تجمد الجميع.

حتى ليلى.

قال كريم:

“إزاي؟”

رفع سيف عينيه عن الشاشة.

وقال:

“الشركة دي اتقفلت بعد وفاة والدتي مباشرة.”

سكت.

ثم أضاف:

“على الأقل ده اللي كنت فاكره.”

بدأوا يفتحون الملفات واحدًا تلو الآخر.

كل ملف كان يكشف جزءًا جديدًا.

وكل جزء كان يجعل الحقيقة أكثر غرابة.

أكثر ظلمة.

وأخطر.

حتى وصلوا إلى ملف صوتي قديم.

تاريخ التسجيل يعود إلى اثنين وعشرين عامًا.

ضغط سيف على زر التشغيل.

خرج صوت رجل عجوز.

صوت يعرفه جيدًا.

والده.

شعر الجميع بالتوتر فورًا.

وجاء الصوت واضحًا:

“لو حصل لي أي حاجة لازم تحموا البنت.”

تجمدت الوجوه.

ثم أكمل الصوت:

“مش مهم الفلوس.”

“مش مهم الشركة.”

“لكن البنت لازم تعيش.”

نظر الجميع إلى الشاشة.

ثم عادوا للاستماع.

وجاء صوت رجل آخر:

“وسيف؟”

ساد صمت قصير داخل التسجيل.

ثم جاء رد والده:

“سيف هيبقى قوي.”

“لكن هي…”

سكت.

ثم أكمل:

“هي أكتر حد محتاج الحماية.”

انتهى التسجيل فجأة.

وبقيت الغرفة صامتة.

قال كريم:

“مين البنت دي؟”

لكن أحدًا لم يكن يملك الإجابة.

في نفس الوقت.

على بعد عشرات الكيلومترات.

داخل فيلا ضخمة على أطراف القاهرة.

كان شريف الجندي يجلس أمام المدفأة.

وبجواره شاب طويل القامة.

نفس الشاب الموجود في الصور.

عمر.

كان ينظر إلى النار بصمت.

أما شريف فكان يبتسم.

قال عمر:

“هو عرف؟”

ضحك شريف.

“عرف جزء صغير.”

“والباقي؟”

ارتفعت ابتسامته أكثر.

“الباقي هيكسر الدنيا.”

سكت عمر للحظة.

ثم قال:

“وأختي؟”

هنا فقط اختفت الابتسامة من وجه شريف.

نظر إليه.

ثم قال:

“لسه بدور عليها.”

تجمد عمر.

“إزاي؟”

قال شريف:

“اختفت من سنين.”

“ومحدش عرف يوصل لها.”

ثم نهض من مكانه.

واتجه نحو النافذة.

وأضاف:

“لكن الليلة هنوصل.”

نظر عمر إليه.

“متأكد؟”

رد شريف وهو يبتسم ابتسامة باردة:

“لأنها موجودة بالفعل جنب سيف الحديدي.”

في المبنى المهجور.

كانت ليلى تقلب الملفات مرة أخرى.

شيء ما يزعجها.

شيء صغير.

تفصيلة لم تنتبه لها في البداية.

ثم فجأة توقفت.

واتسعت عيناها.

وقالت:

“لا.”

رفع سيف رأسه فورًا.

“في إيه؟”

أشارت إلى تاريخ قديم داخل أحد المستندات.

ثم إلى شهادة ميلاد الطفلة.

ثم إلى ملف آخر.

ثم همست:

“يا نهار أبيض.”

اقترب سيف من الشاشة.

“اتكلمي.”

رفعت رأسها نحوه ببطء شديد.

وكان وجهها شاحبًا بالكامل.

ثم قالت:

“البنت دي عمرها النهارده سبعة وعشرين سنة.”

“وبعدين؟”

نظرت إليه مباشرة.

وقالت:

“وده نفس عمري بالظبط.”

وتجمدت الغرفة كلها…

الفصل الثامن

لم ينطق أحد.

ظل سيف الحديدي ينظر إلى ليلى عدة ثوانٍ طويلة.

أما هي فكانت تنظر إلى الشاشة وكأنها تتمنى أن تكون أخطأت في الحساب.

لكنها لم تكن من النوع الذي يخطئ في الأرقام.

أبدًا.

قال كريم أخيرًا:

“في ملايين البنات عندهم سبعة وعشرين سنة.”

أومأت ليلى بسرعة.

“عارفة.”

ثم أشارت إلى مستند آخر.

“بس مش ملايين البنات اتولدوا في نفس اليوم.”

اقترب سيف من الشاشة.

ونظر إلى تاريخ الميلاد.

ثم إلى بطاقة ليلى الشخصية التي كانت داخل محفظتها فوق الطاولة.

وتجمد.

نفس التاريخ.

نفس اليوم.

نفس الشهر.

نفس السنة.

ساد الصمت.

لكن ليلى كانت أول من تكلم.

قالت بسرعة:

“لا.”

“ده مستحيل.”

“أكيد صدفة.”

لكن صوتها نفسه لم يكن مقتنعًا.

قال سيف:

“احكيلي عن أهلك.”

رفعت رأسها.

“إيه؟”

“احكيلي.”

تنهدت.

ثم جلست.

وقالت:

“أنا اتربيت مع أمي لوحدها.”

“وأبوك؟”

هزت رأسها.

“معرفوش.”

نظر إليها كريم.

“إزاي متعرفيهوش؟”

ابتسمت ابتسامة باهتة.

“لأن أمي كانت دايمًا بتقول إنه مات قبل ما أتولد.”

سأل سيف:

“وعندك أي أوراق تخصه؟”

“لا.”

“صور؟”

“لا.”

“اسم؟”

“حتى الاسم ما قالتوش.”

صمت الجميع.

ثم قال سيف:

“وأمك فين دلوقتي؟”

هنا انخفضت عينا ليلى.

وقالت:

“ماتت من ست سنين.”

ساد الصمت من جديد.

لكن هذه المرة كان أثقل.

بدأوا مراجعة الملفات بدقة أكبر.

كل مستند.

كل تحويل.

كل صورة.

كل اسم.

حتى ظهرت معلومة جديدة.

اسم المرأة التي استلمت الطفلة قبل سبعة وعشرين عامًا.

وفجأة شعرت ليلى بأن قلبها توقف.

لأن الاسم كان مألوفًا جدًا.

مألوفًا بشكل مخيف.

قالت بصوت مرتجف:

“لا.”

نظر إليها سيف.

“إيه؟”

أشارت إلى الشاشة.

وكان الاسم واضحًا.

سعاد الشاذلي.

شحب وجهها بالكامل.

قال كريم:

“تعرفيها؟”

نظرت إليه ببطء.

ثم قالت:

“دي أمي.”

تجمدت الغرفة.

كأن أحدهم أوقف الزمن.

أما سيف فظل ينظر إلى الاسم.

ثم إلى ليلى.

ثم عاد إلى الاسم.

قال بهدوء:

“متأكدة؟”

أخرجت هاتفها.

وفتحت صورة قديمة.

صورة لوالدتها.

ثم وضعتها بجوار المستند.

لم يعد هناك أي شك.

كان الاسم نفسه.

والتوقيع نفسه.

والعنوان نفسه.

قال كريم وهو يمرر يده على وجهه:

“إحنا داخلين في دوامة.”

لكن الحقيقة كانت أكبر من مجرد دوامة.

لأن كل الخيوط بدأت تتجمع في نقطة واحدة.

ليلى.

في نفس اللحظة.

كان شريف الجندي يجلس في فيلته يتابع شاشة كبيرة.

ظهرت عليها صور كاميرات مراقبة.

وصور مستندات.

وتقارير.

وملفات.

ثم ظهر رجل مسن يجلس أمامه.

قال الرجل:

“لو عرفوا الحقيقة كاملة هتبقى مشكلة.”

ابتسم شريف.

“مبقاش فارق.”

“ليه؟”

اقترب من الشاشة.

وقال:

“لأن بعد ساعة واحدة كل حاجة هتخلص.”

رفع الرجل حاجبه.

“وصلوا؟”

أومأ شريف.

“وصلوا.”

ثم ضغط زرًا صغيرًا على الطاولة.

فظهرت صورة المبنى المهجور الذي يختبئ فيه سيف.

ابتسم.

وأضاف:

“والأجمل إنهم فاكرين نفسهم في أمان.”

في المبنى.

كان سيف ما زال يقرأ الملفات.

ثم توقف عند مستند أخير.

مستند لم يفتحه أحد بعد.

عنوانه كان بسيطًا.

لكنه غريب.

“يفتح فقط إذا وصلت ليلى.”

تجمد الجميع.

أما ليلى فشعرت ببرودة تسري في جسدها.

قال كريم:

“ده بقى مش طبيعي.”

أما سيف ففتح الملف ببطء.

وظهرت رسالة قصيرة جدًا.

مكتوبة بخط يد قديم.

خط شخص ميت منذ سنوات.

والد سيف.

قرأها بصوت مرتفع:

“إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة يا ليلى فمعنى ذلك أن كل شيء فشل.”

سكت.

ثم أكمل.

“ومعنى ذلك أيضًا أنكِ أصبحتِ في خطر أكبر مما تتخيلين.”

ارتجفت أصابع ليلى.

أما سيف فأكمل القراءة:

“أعرف أنكِ لا تعرفين من تكونين.”

“وأعرف أن الحقيقة ستؤلمك.”

“لكن اعلمي شيئًا واحدًا…”

ثم توقف.

لأن السطر التالي كان كفيلًا بتغيير كل شيء.

قرأه ببطء:

“أنتِ ليستِ الوريثة التي كنت أحاول حمايتها.”

شحب وجه ليلى.

أما كريم فقال بذهول:

“إيه؟!”

لكن سيف لم ينتهِ بعد.

لأن السطر الأخير كان أخطر.

أخطر بكثير.

“الوريثة الحقيقية ما زالت مفقودة حتى الآن.”

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *