طفلتي حكايات اسما×4

فضل الخطاب عندي يومين كاملين قبل ما أوريه لسلينا. مش لأنني كنت بخبي عنها، لكن لأني كنت عايزة أتأكد إنها مستعدة تقراه. في الليلتين دول كنت كل ما أعدي جنب أوضتها ألاقيها قاعدة تذاكر أو تتفرج على حاجة، لكن كان واضح إن جزء منها لسه هناك. لسه على درجات المعبد. لسه في الفندق وهي لوحدها. لسه في اللحظة اللي اكتشفت فيها إن الناس اللي وثقت فيهم اختاروا يكملوا يومهم عادي وهي موجوعة.

 

في مساء الجمعة قعدنا سوا في البلكونة. الجو كان هادي والقاهرة تحتنا مليانة أنوار. طلعت الخطاب وحطيته قدامها.

 

بصتلي باستغراب.

 

وقالت:

“إيه ده؟”

 

قلت:

“من كريم.”

 

وشها اتغير فورًا.

 

لكنها ما رجعتش الخطاب.

 

فضلت باصة له ثواني طويلة.

 

ثم فتحته.

 

وقرأت.

 

من أول كلمة لآخر كلمة.

 

من غير ما تتكلم.

 

من غير ما ترفع عينها.

 

ولما خلصت طوته بهدوء.

 

وحطته على الترابيزة.

 

وسكتت.

 

فضلت مستنية.

 

دقيقة.

 

اتنين.

 

خمسة.

 

ثم سألتها:

 

“إيه رأيك؟”

 

تنهدت ببطء.

 

وقالت:

“أنا مصدقاه.”

 

استغربت.

 

“بجد؟”

 

هزت رأسها.

 

“أيوه.”

 

“عارفة إنه ندمان.”

 

سكتت شوية.

 

ثم أكملت:

 

“بس ده ما بيغيرش اللي حصل.”

 

الجملة كانت أكبر من سنها بكتير.

 

وأذكى من سنها بكتير.

 

لأنها فهمت حاجة ناس كبار ما بيفهموهاش.

 

إن الاعتذار الحقيقي مهم.

 

لكن ما بيمسحش الماضي.

 

—

 

بعدها بأيام بدأت الإجازة الصيفية.

 

وكانت أول مرة من سنين ما نسافرش.

 

سلينا نفسها رفضت.

 

كل ما حد يجيب سيرة رحلة كانت تتهرب من الكلام.

 

فقررت ما أضغطش عليها.

 

لحد ما في يوم وأنا راجعة من الشغل لقيتها قاعدة على السفرة ومعاها ورقة وقلم.

 

قلت:

“بتعملي إيه؟”

 

خبّت الورقة بسرعة.

 

ابتسمت.

 

“ولا حاجة.”

 

عرفت فورًا إن فيه حاجة.

 

لكن سبتها براحتها.

 

بعد ساعة تقريبًا خرجت من أوضتها.

 

وكان معاها ظرف.

 

وحطته قدامي.

 

وقالت:

“ممكن تبعتيه لعمو طارق؟”

 

فتحت الظرف.

 

ولقيت جواب قصير جدًا.

 

لكن كل كلمة فيه كانت تقيلة.

 

كانت كاتبة:

 

“أنا قبلت اعتذار كريم.”

 

“بس محتاجة وقت.”

 

“ومش عايزة حد يضغط عليا علشان أسامح بسرعة.”

 

“لما أبقى جاهزة هعرفكم.”

 

وقفت أقرأ الجواب مرتين.

 

ثم بصيت لبنتي.

 

وحسيت بفخر عمري ما حسيت زيه.

 

لأنها كانت بتحط حدودها.

 

من غير قسوة.

 

ومن غير انتقام.

 

ومن غير ما تسمح لحد يقرر مكانها هي حاسة بإيه.

 

—

 

بعد أسبوع وصلنا رد طارق.

 

مش رسالة.

 

هو بنفسه.

 

خبط باب البيت.

 

ولأول مرة من شهور دخل من غير صوت عالي.

 

ولا دفاع.

 

ولا تبريرات.

 

قعد في الصالون.

 

وسأل على سلينا.

 

لما نزلت من أوضتها وقف.

 

وكأنه مش عارف يبدأ منين.

 

ثم قال:

 

“أنا آسف.”

 

وسكت.

 

ثم كررها تاني.

 

“أنا آسف.”

 

المرة دي كانت مختلفة.

 

لأنها كانت أول مرة يعتذر من غير ما يقول بعدها “بس”.

 

من غير ما يقول “أصل”.

 

من غير ما يقول “ما كنتش أقصد”.

 

اعتذار كامل.

 

بسيط.

 

وصادق.

 

سلينا هزت رأسها.

 

وقالت:

“أنا سمعتك.”

 

ثم رجعت أوضتها.

 

يمكن أي حد تاني كان يشوف ردها بارد.

 

لكن أنا فهمته.

 

كانت لسه بتحاول.

 

ولأول مرة حد احترم ده.

 

—

 

مرت الشهور.

 

والعلاج الطبيعي انتهى.

 

والكاحل رجع أقوى.

 

والتورم اختفى.

 

وبقت سلينا تمشي وتجري عادي.

 

لكن الحاجة اللي فرحتني أكتر من أي تقرير طبي حصلت في أول يوم دراسة في السنة الجديدة.

 

كنت واقفة قدام المدرسة أوصلها.

 

فنزلت من العربية.

 

وبعدين رجعت فجأة.

 

افتكرت إنها نسيت حاجة.

 

لكنها فتحت الباب وقالت:

 

“ماما؟”

 

قلت:

“نعم؟”

 

ابتسمت.

 

وقالـت:

 

“أنا مبقتش بخاف أقول إني موجوعة.”

 

سكتت.

 

ثم أكملت:

 

“ولو حد ما صدقنيش… هفضل أتكلم لحد ما يسمعني.”

 

قفلت الباب وجريت ناحية المدرسة.

 

وأنا فضلت قاعدة مكاني.

 

مش قادرة أتحرك.

 

لأن في اللحظة دي بالذات فهمت إن بنتي كسبت معركة أكبر بكتير من معركة الكسر.

 

كسبت نفسها.

 

وكسبت صوتها.

 

ويمكن دي كانت أول مرة من يوم الرحلة أحس إن النهاية السعيدة بدأت فعلًا.

مرت سنة كاملة على رحلة الأقصر.

 

سنة فيها حاجات كتير اتغيرت.

 

حاجات ما كنتش أتخيل إنها تتغير أصلًا.

 

سلينا بقت في الصف الجديد.

 

رجعت تلعب رياضة.

 

رجعت تخرج مع أصحابها.

 

ورجعت تضحك بنفس الطريقة اللي كانت بتضحك بيها قبل الحادثة.

 

لكنها ما رجعتش نفس البنت تمامًا.

 

بقت أقوى.

 

وأوضح.

 

وأجرأ في التعبير عن نفسها.

 

وفي الحقيقة…

 

أنا كمان ما رجعتش نفس الشخص.

 

لأن الرحلة دي كشفت لي حاجات كنت برفض أشوفها سنين طويلة.

 

كشفت لي إني طول عمري كنت ببرر.

 

وبسامح بسرعة.

 

وبعدي مواقف كتير علشان “خاطر العيلة”.

 

لدرجة إني ساعات كنت بنسى نفسي.

 

لكن لما الموضوع وصل لبنتي…

 

ما قدرتش أعمل كده.

 

ولأول مرة حطيت حدود حقيقية.

 

—

 

في عيد ميلاد سلينا السادس عشر قررنا نعمل احتفال صغير في البيت.

 

أصحابها.

 

شوية قرايب.

 

وعشاء بسيط.

 

وأثناء التحضيرات سألتني فجأة:

 

“ماما… لو جدو وتيتة حبوا يجوا، ينفع؟”

 

بصيت لها.

 

وسبت القرار ليها.

 

قلت:

 

“إنتِ اللي تقرري.”

 

سكتت شوية.

 

ثم قالت:

 

“ينفع.”

 

ولأول مرة فهمت إن المسامحة الحقيقية بدأت.

 

مش لأن حد طلبها منها.

 

ولا لأن حد ضغط عليها.

 

لكن لأنها اختارتها بنفسها.

 

—

 

في يوم الحفلة وصل أبويا وأمي بدري.

 

كانوا متوترين بشكل واضح.

 

خصوصًا أبويا.

 

من يوم اللي حصل وهو اتغير.

 

بقى يتصل على سلينا بنفسه.

 

يسأل عليها.

 

يتابع جلسات العلاج.

 

يبعت لها كتب لأنها بتحب القراءة.

 

ويحاول يصلح اللي انكسر.

 

مش بالكلام.

 

بالأفعال.

 

ولما دخل البيت يومها كان شايل هدية كبيرة.

 

لكن أول حاجة عملها ما كانتش إنه يديها الهدية.

 

وقف قدامها.

 

وقال:

 

“قبل أي حاجة…”

 

وسكت.

 

واضح إنه بيجمع شجاعته.

 

ثم قال:

 

“أنا فخور بيكي.”

 

سلينا ابتسمت.

 

وأبويا كمل:

 

“وأنا آسف للمرة المليون.”

 

ضحكت لأول مرة.

 

وقالت:

 

“وصلت الرسالة يا جدو.”

 

وأخيرًا ضحك هو كمان.

 

ضحكة مرتاحة ما سمعتهاش منه من زمان.

 

—

 

أما كريم…

 

فكان أصعب واحد فيهم.

 

لأنه كان لسه شايل ذنب كبير.

 

لدرجة إنه فضل شهور يرفض ييجي أي تجمع عائلي تكون فيه سلينا.

 

وفي يوم اتصل بيا طارق.

 

وقال:

 

“ممكن أكلمك بصراحة؟”

 

قلت:

 

“طبعًا.”

 

قال:

 

“الولد محتاج فرصة.”

 

سكت شوية.

 

ثم كمل:

 

“مش علشان ينسى.”

 

“علشان يتعلم يعيش بعد الغلط.”

 

الجملة دي فضلت في دماغي فترة طويلة.

 

لأنها كانت صحيحة.

 

في ناس بتفتكر إن العقاب هدفه الانتقام.

 

لكن الحقيقة إن الهدف الأهم هو التعلم.

 

والتغيير.

 

—

 

بعد أسابيع قليلة كنا في تجمع عائلي صغير.

 

وسلينا كانت قاعدة في الجنينة تقرأ.

 

وكريم وصل.

 

أول ما شافها اتوتر.

 

واضح جدًا.

 

فضل واقف بعيد.

 

ثم أخيرًا قرب.

 

وقف قدامها.

 

وقال:

 

“ممكن أقعد؟”

 

بصت له.

 

ثم هزت رأسها.

 

وقعد.

 

الصمت استمر دقيقة كاملة.

 

ثم قال:

 

“أنا عارف إنك مش ناسية.”

 

قالت:

 

“صح.”

 

قال:

 

“وأنا مش ناسي برضه.”

 

ثم سكت.

 

وأضاف:

 

“بس أنا بحاول أبقى شخص أحسن.”

 

ولأول مرة من يوم الحادثة…

 

ابتسمت له.

 

ابتسامة صغيرة جدًا.

 

لكنها كانت كفاية.

 

كفاية علشان أفهم إن صفحة جديدة بدأت تتفتح.

 

مش لأن الماضي اختفى.

 

لكن لأنهم قرروا ما يفضلش يحكم مستقبلهم للأبد.

 

—

 

بعد الحفلة بأيام قليلة كنت برتب درج قديم في المكتب.

 

ولقيت حاجة نسيتها تمامًا.

 

تذكرة الطيران.

 

نفس التذكرة اللي حجزتها في لحظة غضب وخوف.

 

التذكرة اللي خلتني أركب طيارة لأول مرة بعد عشر سنين من الرعب.

 

فضلت أبص لها شوية.

 

وأفكر.

 

الغريب إن أكتر حاجة فاكراها من الرحلة دي مش الخوف.

 

ولا المطار.

 

ولا الطيارة.

 

أكتر حاجة فاكراها هي اللحظة اللي قررت فيها أتحرك.

 

اللحظة اللي بطلت فيها أستنى حد تاني يتصرف.

 

—

 

دخلت سلينا المكتب وقتها.

 

وشافت التذكرة في إيدي.

 

وقالت وهي بتضحك:

 

“لسه محتفظة بيها؟”

 

قلت:

 

“أيوه.”

 

سألت:

 

“ليه؟”

 

ابتسمت.

 

وقلت:

 

“علشان دي مش مجرد تذكرة.”

 

“دي ذكرى اليوم اللي اكتشفت فيه إن الأم ممكن تعمل حاجات كانت فاكرة إنها مستحيلة.”

 

قربت مني.

 

وحضنتني.

 

وقالت:

 

“وأنا اكتشفت فيه إن عندي ماما مستعدة تحارب الدنيا كلها عشاني.”

 

في اللحظة دي…

 

ما كانش فيه أي حاجة محتاجة تتقال بعدها.

 

لا عن الرحلة.

 

ولا عن الكسر.

 

ولا عن الوجع.

 

لأن النهاية الحقيقية للقصة ما كانتش يوم ما رجل سلينا خفت.

 

ولا يوم ما الاعتذارات اتقالت.

 

النهاية الحقيقية كانت يوم ما بنتي عرفت إن صوتها له قيمة.

 

ويوم ما عرفت أنا إن حماية أولادي أهم من أي مجاملة.

 

وأهم من أي خوف.

 

وأهم من أي حد.

 

وأنا لو رجع بيا الزمن ألف مرة…

 

كنت هركب نفس الطيارة.

 

في نفس اليوم.

 

وبنفس السرعة.

 

علشان خاطر عيون بنتي.

 

النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *