رجل يخشاه الجميع حكايات اسما ×4
الفصل السادس: السر الذي دُفن قبل عشرين عامًا
ظل آدم واقفًا أمام الملف.
لا يتحرك.
لا يتكلم.
ولا حتى يرمش.
أما نادر فكان يراقبه بصمت.
لأنه يعرف هذه النظرة.
نظرة آدم عندما يبدأ بربط خيوط لا يراها أحد غيره.
قال أخيرًا:
— هات أول تقرير.
فتح نادر الملف.
وبدأ يقرأ.
— أول صورة لريم اتصورت من سبع شهور.
— قبل الحفل بسبع شهور؟
— أيوة.
— ليه؟
هز نادر رأسه.
— لسه مش عارفين.
لكن فيه حاجة أغرب.
رفع آدم عينيه إليه.
— إيه؟
أخرج نادر صورة قديمة جدًا.
باهتة الأطراف.
يبدو أنها مأخوذة من أرشيف قديم.
وضعها أمامه.
فتجمد آدم.
كانت الصورة لفتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها خمس سنوات.
تقف بجوار امرأة جميلة.
وفي الخلفية رجل يرتدي بدلة رمادية.
سأل آدم:
— مين؟
قال نادر:
— الطفلة دي ريم.
أما الست فوالدتها.
أما الراجل…
فساد الصمت.
ثم قال نادر:
— الراجل ده كان المحامي الشخصي لوالدك.
في اللحظة نفسها…
شعرت ريم أن شيئًا ليس طبيعيًا.
كانت عائدة من العمل.
لكن منذ أن خرجت من الشركة وهي تشعر أن سيارة ما تتبعها.
مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
كلما غيرت الطريق وجدتها خلفها.
سيارة سوداء.
بزجاج داكن.
لا تظهر منها أي ملامح.
أسرعت خطواتها.
فأسرعت السيارة.
توقف قلبها.
وأخرجت هاتفها بسرعة.
لكن قبل أن تتصل بآدم…
توقفت السيارة فجأة.
وانفتح الباب الخلفي.
نزلت امرأة في منتصف الخمسينيات.
أنيقة.
هادئة.
ووجهها يحمل ملامح مألوفة بشكل غريب.
تقدمت نحوها.
وقالت:
— ريم؟
تراجعت ريم خطوة.
— حضرتك مين؟
نظرت المرأة إليها طويلًا.
وكأنها تحاول حفظ ملامحها.
ثم همست:
— يا الله…
نسخة منها بالضبط.
شعرت ريم بالارتباك.
— نسخة من مين؟
اغرورقت عينا المرأة بالدموع.
وقالت:
— من أمك.
بعد ساعة.
كانت ريم جالسة داخل مقهى صغير.
أمام تلك المرأة الغريبة.
واسمها…
ليلى مراد.
قالت المرأة بهدوء:
— أنا كنت أعز صديقة لأمك.
تجمدت ريم.
لأن والدتها توفيت وهي في التاسعة عشرة.
ولم تسمع هذا الاسم من قبل.
سألت بحذر:
— وإنتِ عرفتي مكاني إزاي؟
تنهدت ليلى.
— بدور عليكي من سنين.
— ليه؟
هنا تغير وجه المرأة.
ثم قالت:
— لأن أمك ماتت وهي بتحاول تحميكي.
شعرت ريم أن الهواء اختفى من المكان.
— تحميني من إيه؟
صمتت المرأة.
ثم قالت الجملة التي قلبت عالمها بالكامل:
— لأن والدك الحقيقي مش الراجل اللي رباكي.
سقط الكوب من يد ريم.
وتناثر الشاي فوق الطاولة.
لكنها لم تشعر بشيء.
كل ما سمعته كان تلك الجملة.
والدك الحقيقي…
مش الراجل اللي رباكي.
همست:
— مستحيل.
هزت المرأة رأسها.
— الحقيقة أحيانًا بتكون أصعب من الخيال.
في نفس الوقت…
كان آدم قد وصل إلى منزل ريم.
بعد أن تعذر الاتصال بها.
أخرج هاتفه مرة أخرى.
لا رد.
اتصل بالحارس.
— ريم خرجت إمتى؟
— من نص ساعة يا فندم.
— مع مين؟
— لوحدها.
تصلبت ملامحه.
ثم جاءه اتصال من نادر.
رد فورًا.
— لقيتها؟
لكن صوت نادر كان متوترًا بشكل غير معتاد.
— لا.
بس فيه حاجة أخطر.
— إيه؟
قال نادر:
— لقيت ملف قديم في أرشيف والدك.
ملف باسم أم ريم.
تجمد آدم.
ثم سأل ببطء:
— أم ريم ليها علاقة بأبويا؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم جاء الرد:
— مش علاقة عادية.
أم ريم كانت السكرتيرة الخاصة لوالدك من عشرين سنة.
وأبوك دفع ملايين الجنيهات علشان يخفي كل السجلات الخاصة بيها.
شعر آدم أن الأرض تميد تحت قدميه.
لأن هناك احتمالًا واحدًا فقط بدأ يتشكل في عقله.
احتمال مرعب.
ومستحيل.
ومع ذلك…
كل الأدلة كانت تشير إليه.
أما ريم…
فكانت جالسة أمام ليلى.
وقلبها ينهار قطعة قطعة.
سألت بصوت مرتجف:
— مين أبويا الحقيقي؟
أغمضت المرأة عينيها.
ثم قالت الاسم.
اسم جعل الدم يتجمد في عروق ريم.
لأنه الاسم نفسه الذي كانت تسمعه منذ أسابيع.
الاسم نفسه الذي غيّر حياتها كلها.
الاسم نفسه الذي ينتمي للرجل الذي بدأت تقع في حبه.
قالت المرأة:
— والدك الحقيقي…
هو فؤاد السيوفي.
والد آدم السيوفي.
ساد الصمت.
ثانية.
ثانيتين.
ثم شهقت ريم.
وأصبحت الرؤية ضبابية.
لأن ذلك لا يعني شيئًا واحدًا فقط.
بل يعني شيئًا أسوأ.
أسوأ بكثير.
إذا كان فؤاد السيوفي هو والدها…
فهذا يعني أن آدم…
قد يكون شقيقها.
يتبع…
الفصل السابع: الحقيقة التي حطمت كل شيء
توقفت الدنيا حول ريم.
لم تعد تسمع أصوات المقهى.
ولا ضجيج الشارع.
ولا حتى صوت أنفاسها.
فقط جملة واحدة كانت تتردد داخل رأسها.
“فؤاد السيوفي هو والدك الحقيقي.”
شعرت أن قلبها يسقط في فراغ بلا نهاية.
ثم همست:
— لا…
مستحيل.
لكن ليلى لم تبدُ كاذبة.
ولا مترددة.
بل كانت تنظر إليها بعينين مليئتين بالحزن.
الحزن الذي يحمله شخص احتفظ بسر سنوات طويلة.
قالت ريم بصوت مرتعش:
— لو ده حقيقي…
يبقى آدم…
قاطعتها ليلى بسرعة.
— استني.
فيه حاجة لازم تعرفيها الأول.
في اللحظة نفسها…
كان آدم يقود سيارته بنفسه.
بسرعة جنونية.
نحو المقهى الذي أرسل نادر موقعه قبل دقائق.
لم يكن يعرف كل الحقيقة بعد.
لكن شيئًا داخله كان يصرخ أن الوقت ينفد.
أما ريم فكانت تحدق في ليلى.
بانتظار الإجابة.
تنهدت المرأة.
ثم قالت:
— أمك اتعرفت على فؤاد السيوفي قبل أكتر من خمسة وعشرين سنة.
وقتها كانت شابة صغيرة.
ذكية.
طموحة.
وبتشتغل في شركته.
في البداية كانت علاقة عمل.
وبعدين اتحولت لعلاقة حب.
أغمضت ريم عينيها.
لم تكن تريد سماع المزيد.
لكنها أجبرت نفسها.
وأكملت ليلى:
— فؤاد وقتها وعدها بالجواز.
ووعدها إنه هيطلق مراته.
لكن ده ما حصلش.
سكتت لحظة.
ثم أضافت:
— ولما حملت فيكي…
كل حاجة اتغيرت.
بدأت دموع ريم تنزل ببطء.
قالت ليلى:
— أمك هددته إنها هتعلن الحقيقة.
وهو خاف على سمعته وإمبراطوريته.
فدبر اختفاءها.
لكنها هربت قبل ما يقدر يوصل لها.
وسافرت لمحافظة تانية.
وهناك اتجوزت الرجل اللي رباكي.
الراجل اللي اعتبرك بنته عمره كله.
شهقت ريم.
لأنها تذكرت والدها.
الرجل الذي مات منذ سنوات.
الرجل الذي لم تشك لحظة أنه يحبها.
قالت ليلى:
— أبوكي الحقيقي بالدم هو فؤاد.
لكن أبوكي الحقيقي بالقلب هو الراجل اللي رباكي.
ومتنسيش ده أبدًا.
في تلك اللحظة…
وصل آدم إلى المقهى.
دخل بسرعة.
وعيناه تبحثان عن ريم.
ثم رآها.
كانت تجلس والدموع على وجهها.
فقفز قلبه.
واتجه نحوها فورًا.
لكن بمجرد أن اقترب…
رأى ليلى.
فتجمد مكانه.
لأنه يعرفها.
قال بصدمة:
— مدام ليلى؟
وقفت المرأة ببطء.
ونظرت إليه.
ثم قالت:
— كنت عارفة إن اليوم ده هيجي.
نظر آدم إلى ريم.
ثم إلى ليلى.
ثم سأل:
— قلتيلها؟
لم تجب.
وكان الصمت وحده كافيًا.
شحب وجه آدم.
كأن أحدهم سحب الدم منه.
ثم جلس ببطء.
ولأول مرة في حياته…
بدا عاجزًا.
همست ريم:
— أنت كنت عارف؟
أغمض عينيه.
ثوانٍ طويلة.
ثم قال:
— كنت شاكك.
شعرت وكأن أحدهم طعنها.
— من إمتى؟
— من أسبوعين.
— وأنت ساكت؟
رفع رأسه بسرعة.
وكان الألم واضحًا في عينيه.
— لأن مفيش دليل.
ولأن مجرد التفكير في الموضوع كان بيدمرني.
ساد الصمت.
صمت ثقيل.
مرير.
ثم قالت ريم بصوت مكسور:
— يبقى إحنا…
لكن آدم قاطعها فورًا.
— لا.
رفعت رأسها.
نظر إليها مباشرة.
ثم قال:
— قبل ما توصلي لأي استنتاج… اسمعي الحقيقة كلها.
أخرج هاتفه.
ثم فتح صورة قديمة.
ووضعها أمامها.
كانت وثيقة تحليل DNA.
قديمة.
مؤرخة قبل سنوات.
قال:
— أمي كانت شاكّة.
عملت التحليل في السر.
وبعدين خبته.
أنا لقيته بعد وفاتها.
نظرت ريم إلى النتيجة.
وقرأت السطر الأخير.
ثم اتسعت عيناها.
لأن النتيجة كانت واضحة.
“فؤاد السيوفي ليس الأب البيولوجي لآدم السيوفي.”
توقفت أنفاسها.
ورفعت رأسها نحوه بصدمة.
همست:
— إيه؟
قال آدم بهدوء:
— الراجل اللي رباني مش أبويا الحقيقي.
زي ما الراجل اللي رباكي مش أبوكي البيولوجي.
شعرت ريم بالدوار.
كل شيء انقلب من جديد.
قال آدم:
— فؤاد سجلني باسمه.
ورباني.
لكن بعد وفاة أمي اكتشفت الحقيقة.
أنا مش ابنه.
عمري ما كنت ابنه.
نظرت ليلى إلى آدم بدهشة.
واضح أنها لم تكن تعرف تلك المعلومة.
أما ريم…
فشعرت أن قلبها بدأ ينبض من جديد.
ببطء.
بحذر.
لكن هناك شيء آخر أهم.
شيء أخطر.
قالت:
— لو فؤاد مش أبوك…
وأنا بنته…
يبقى ليه بيعمل كل ده؟
ساد الصمت.
ثم قال آدم جملة جعلت الجميع يتجمد:
— لأنك مش مجرد بنته.
اقترب أكثر.
وقال بصوت منخفض:
— إنتِ الوريثة الشرعية الوحيدة لنصف ثروته.
وفي اللحظة نفسها…
في قصر السيوفي.
كان فؤاد يقف أمام المدفأة.
يحمل كأسًا من العصير.
وبجواره عمر السيوفي.
قال عمر:
— الحقيقة قربت تنكشف.
ابتسم فؤاد ببطء.
ثم قال:
— عارف.
— ومش قلقان؟
هز رأسه.
ثم ابتسم ابتسامة مخيفة.
وأضاف:
— لأني من زمان جهزت الخطة الأخيرة.
خطة تخلي البنت تختفي للأبد…
قبل ما تلمس جنيه واحد من ثروتي.
يتبع…