اتحجزت في المستشفى حكـايـات أسمـا ×4

الفصل السابع

 

الممر الطويل المؤدي إلى قسم الأشعة كان باردًا بشكل مزعج.

 

أحمد كان مستلقيًا على السرير المتحرك.

 

والسقف الأبيض يعدي فوقه ببطء.

 

…

 

كل شوية يشوف لمبة.

 

ثم لمبة تانية.

 

ثم جزء من وجه ممرض أو ممرضة.

 

…

 

لكن عقله ما كانش هناك.

 

…

 

كان عند سارة.

 

…

 

وعند الرسالة.

 

…

 

وعند عشر سنين كاملة ضاعت من عمرهم.

 

…

 

وصلوا غرفة الأشعة.

 

…

 

وبدأت الفحوصات.

 

…

 

ساعة.

 

ثم ساعة أخرى.

 

…

 

والانتظار كان أصعب من الألم نفسه.

 

…

 

في الخارج.

 

كانت سارة قاعدة على كرسي بلاستيك.

 

…

 

إيديها متشابكة.

 

…

 

وعينيها ثابتة على الباب.

 

…

 

أما ندى.

 

فكانت ماشية راجعة وجاية من التوتر.

 

…

 

قالت:

 

“متقلقيش.”

 

…

 

سارة ابتسمت ابتسامة صغيرة.

 

…

 

لكنها ما ردتش.

 

…

 

لأنها اشتغلت في المستشفيات سنين طويلة.

 

…

 

وعارفة إن الجملة دي غالبًا بتتقال لما الكل قلقان.

 

…

 

بعد حوالي ساعتين.

 

…

 

خرج الدكتور.

 

…

 

وشه كان هادئ.

 

…

 

لكن مش قادر يخبّي الجدية.

 

…

 

وقفوا كلهم.

 

…

 

ندى سألت فورًا:

 

“خير؟”

 

…

 

الدكتور بص لهم.

 

…

 

ثم قال:

 

“فيه حاجة محتاجين نتكلم فيها.”

 

…

 

قلب سارة انقبض.

 

…

 

أما ندى فشحب وجهها.

 

…

 

دخلوا المكتب.

 

…

 

والدكتور فتح الأشعة على الشاشة.

 

…

 

وقال:

 

“إصابات الحادث الحمد لله بتتحسن.”

 

…

 

الكل تنفس.

 

…

 

لكن الدكتور لم يكمل بنفس النبرة.

 

…

 

وقال:

 

“بس أثناء الفحوصات.”

 

…

 

“اكتشفنا حاجة تانية.”

 

…

 

الصمت رجع من جديد.

 

…

 

وأشار إلى صورة في الأشعة.

 

…

 

وقال:

 

“فيه ورم صغير.”

 

…

 

الدنيا سكتت.

 

…

 

ندى جلست على الكرسي فورًا.

 

…

 

أما سارة.

 

فشعرت إن الأرض انسحبت من تحتها.

 

…

 

الدكتور رفع إيده بسرعة.

 

…

 

وقال:

 

“استنوا.”

 

…

 

“ما تخضوش.”

 

…

 

“إحنا لسه ما نعرفش طبيعته.”

 

…

 

“وممكن يكون حميد.”

 

…

 

“لكن محتاج متابعة وتحاليل.”

 

…

 

الكلمات دخلت آذانهم.

 

…

 

لكن الخوف كان أسرع.

 

…

 

بعد دقائق.

 

…

 

رجع أحمد لغرفته.

 

…

 

وكان واضح من وشوشهم إن فيه حاجة.

 

…

 

بص لسارة.

 

…

 

ثم قال:

 

“قولي.”

 

…

 

سكتت.

 

…

 

فابتسم.

 

…

 

وقال:

 

“أنا طول عمري بصلح عربيات.”

 

…

 

“أعرف وش الناس لما يخفوا حاجة.”

 

…

 

نزلت دمعة من عين سارة.

 

…

 

وقالت الحقيقة.

 

…

 

وأحمد سمع.

 

…

 

بهدوء غريب.

 

…

 

من غير صدمة.

 

…

 

من غير انهيار.

 

…

 

وبعد ما خلصت.

 

…

 

قال جملة واحدة فقط.

 

…

 

“يبقى هنواجهها.”

 

…

 

سارة بصت له.

 

…

 

وقال:

 

“إحنا ضيعنا عشر سنين.”

 

…

 

“مش ناوي أضيع دقيقة كمان في الخوف.”

 

…

 

الكلمات كانت بسيطة.

 

…

 

لكنها كسرت الحاجز الأخير بينهم.

 

…

 

وفي الأيام التالية.

 

…

 

بدأت التحاليل.

 

…

 

والانتظار.

 

…

 

وكان أصعب شيء.

 

…

 

أصعب من الحادث.

 

…

 

وأصعب من الذكريات.

 

…

 

لأن المجهول دائمًا مرعب.

 

…

 

وخلال الفترة دي.

 

…

 

سارة بقت تقضي وقتها كله تقريبًا مع أحمد.

 

…

 

مش كممرضة.

 

…

 

كشخص رجع يلاقي نصه التاني بعد غياب طويل.

 

…

 

كانوا يتكلموا عن كل حاجة.

 

…

 

عن أول مقابلة.

 

…

 

عن محل الورد.

 

…

 

عن أول هدية.

 

…

 

عن أول خناقة.

 

…

 

وعن الأحلام اللي ما حصلتش.

 

…

 

وفي كل يوم.

 

…

 

كانت بعض الذكريات ترجع لأحمد.

 

…

 

قطعة وراء قطعة.

 

…

 

لحد ما بقى شايف الصورة كاملة.

 

…

 

الصورة اللي كان محروم منها عشر سنين.

 

…

 

وبعد أسبوعين.

 

…

 

وصلت النتيجة النهائية.

 

…

 

الدكتور دخل الغرفة.

 

…

 

ومعاه الملف.

 

…

 

والكل واقف.

 

…

 

سارة.

 

…

 

ندى.

 

…

 

وأحمد.

 

…

 

حتى حسام كان موجود.

 

…

 

من بعيد.

 

…

 

منتظر الحكم الأخير.

 

…

 

فتح الدكتور الملف.

 

…

 

وابتسم.

 

…

 

ابتسامة حقيقية المرة دي.

 

…

 

وقال:

 

“عندي خبر كويس.”

 

…

 

الكل حبس أنفاسه.

 

…

 

ثم أكمل:

 

“الورم حميد.”

 

…

 

سارة انفجرت في البكاء.

 

…

 

ندى حضنت أخوها.

 

…

 

أما أحمد.

 

…

 

فأغلق عينيه.

 

…

 

وحمد ربنا بصوت خافت.

 

…

 

لأن الحياة أخيرًا قررت تديه فرصة.

 

…

 

فرصة جديدة.

 

…

 

وبعد ثلاثة أشهر.

 

…

 

خرج أحمد من المستشفى.

 

…

 

كان لسه بيتعافى.

 

…

 

ويمشي بعكاز.

 

…

 

لكن خارج.

 

…

 

حر.

 

…

 

وأول مكان طلب يروحه.

 

…

 

ما كانش البيت.

 

…

 

ولا الورشة.

 

…

 

ولا أي مكان تاني.

 

…

 

كان محل الورد القديم.

 

…

 

المحل اللي بدأت فيه الحكاية.

 

…

 

وقف قدامه.

 

…

 

وبص لسارة.

 

…

 

ثم أخرج علبة صغيرة من جيبه.

 

…

 

نفس العلبة اللي احتفظ بيها عشر سنين.

 

…

 

من غير ما يفتحها.

 

…

 

ركع بصعوبة.

 

…

 

رغم إصابته.

 

…

 

وقال وهو يبتسم:

 

“إحنا ضيعنا وقت كفاية.”

 

…

 

“فممكن نكمل من المكان اللي وقفنا عنده؟”

 

…

 

سارة كانت بتبكي وتضحك في نفس الوقت.

 

…

 

وهزت رأسها.

 

…

 

“أيوه.”

 

…

 

“ممكن.”

 

…

 

وبعد سنة كاملة.

 

…

 

اتفتح محل ورد جديد.

 

…

 

لكن المرة دي.

 

…

 

كان فيه لافتة صغيرة فوق الباب.

 

…

 

مكتوب عليها:

 

“أحمد وسارة”

 

…

 

وفي الركن القريب من الكاشير.

 

…

 

كانت معلقة صورة قديمة.

 

…

 

صورة شاب وفتاة.

 

…

 

احتفظوا بيها رغم كل شيء.

 

…

 

وتحتها جملة واحدة:

 

…

 

“بعض الحكايات تتأخر… لكنها لا تضيع.”

 

تمت ❤️

الخاتمة

 

بعد خمس سنين…

 

في صباح ربيعي هادي.

 

كان أحمد واقف قدام محل الورد.

 

بيسقي النباتات اللي حطتها سارة بنفسها عند المدخل.

 

أما سارة فكانت جوه.

 

بترتب باقات الورد وهي بتضحك مع زبونة صغيرة أصرت تشتري وردة واحدة بس علشان “ماما بتحب الورد”.

 

الحياة ما بقتش مثالية.

 

أحمد لسه أوقات بيحس بألم في رجله وقت البرد.

 

وسارة لسه ساعات بتصحى من النوم على ذكريات الأيام الصعبة.

 

لكن الفرق إنهم بقوا يواجهوا كل حاجة سوا.

 

مش لوحدهم.

 

وفي نفس اللحظة.

 

خرج طفل صغير من جوه المحل يجري ناحية أحمد.

 

عمره حوالي أربع سنين.

 

وشعره منكوش.

 

وعينيه شبه أمه بشكل غريب.

 

صرخ وهو بيجري:

 

“بابا!”

 

ابتسم أحمد وفتح دراعيه.

 

وشاله بين إيديه.

 

رغم إن الولد كان بيكبر كل يوم ويزيد وزنه.

 

لكن أحمد كان بيشيله كأنه أخف حاجة في الدنيا.

 

خرجت سارة من المحل وهي مبتسمة.

 

وقالت:

 

“سيبه يا أحمد هيتأخر على الحضانة.”

 

ضحك أحمد وقال:

 

“هو اللي مسابنيش.”

 

الولد لف دراعه حوالين رقبة أبوه.

 

وقال:

 

“أنا بحبك.”

 

ساعتها بص أحمد لسارة.

 

نفس النظرة اللي كانت بينهم من سنين طويلة.

 

نظرة ناس عدت من الوجع.

 

والفقد.

 

والانتظار.

 

والخذلان.

 

لكن في الآخر وصلت لبعض.

 

سارة قربت منهم.

 

ومسكت إيد أحمد.

 

وقالت بهدوء:

 

“فاكر أول مرة صحيت في المستشفى؟”

 

ابتسم.

 

وقال:

 

“لما سألتيني فاكرني؟”

 

هزت رأسها وهي تضحك.

 

“كنت متأكدة إنك مش هتفتكر.”

 

قال:

 

“وأنا كنت متأكد إني ضيعت أهم حاجة في حياتي.”

 

سكتوا لحظة.

 

ثم بص أحمد للسماء.

 

وقال:

 

“الغريبة إن الحادثة اللي كنت فاكرها نهاية حياتي…”

 

“كانت بداية كل حاجة.”

 

نزلت دمعة صغيرة من عين سارة.

 

لكنها كانت دمعة فرحة.

 

مش وجع.

 

لأن بعض المعجزات ما بتيجيش على شكل نجاة من حادث.

 

بعض المعجزات بتيجي على شكل فرصة تانية.

 

فرصة ترجع فيها الحقيقة.

 

ويرجع فيها الحب.

 

ويرجع فيها الإنسان لنفسه بعد ما كان تايه.

 

وقبل ما يركبوا العربية.

 

بص أحمد ناحية المحل.

 

ناحية الصورة القديمة المعلقة على الحائط.

 

الصورة اللي جمعتهم وهم شباب.

 

قبل الوجع.

 

وقبل الفراق.

 

وقبل السنين اللي اتسرقت منهم.

 

ثم ابتسم.

 

لأنه أخيرًا فهم حاجة مهمة.

 

إن الحب الحقيقي ممكن يتأخر.

 

ممكن يضيع منه سنين.

 

ممكن يعدي عليه ألف اختبار.

 

لكن لو كان صادق من البداية…

 

بيرجع.

 

ولو بعد عمر كامل.

 

النهاية ❤️

 

حكـايـات أسمـا السـيد ✨

حكـايـات أسمـا السـيد ✨

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *