فرض امر حكايات اسما
جوزي فرض عليا ان مقعدتشي في الحمام أكتر من أربع دقايق والا يعاقبني بالطرد بدون ابني..وفي يوم حناي دخل وهو بيعد عليا الدقايق..واللي حصل يومها متوقعتوش في اقصي خيالي..
لم أتخيل يومًا أنني سأضطر للتوسل من أجل أربع دقائق من الهدوء داخل بيتي، لكن بعد ستة أسابيع فقط من ولادتي لطفلتي، أصبح الاستحمام معركة يومية.
كان زوجي سامح الجندي يبرر تصرفاته الغريبة بأنه لا يتحمل سماع بكاء طفلتنا الصغيرة. كان يقول إن ابنتنا تبدأ بالبكاء فور اختفائي عن نظره لأكثر من أربع دقائق، وإن أعصابه لا تحتمل ذلك. وفي الوقت نفسه، كان يكرر أننا بحاجة لتوفير المال… رغم أنه يقضي ساعات طويلة أمام ألعاب الفيديو بلا اهتمام بأي شيء آخر.
ثم فعل أمرًا لم أكن أصدق أنه حقيقي.
ثبت مؤقت مطبخ رقمي على باب الحمّام الزجاجي.
في البداية ظننته يمزح.
فالاستحمام كان لحظتي الوحيدة لأغسل عني الإرهاق، والحليب المسكوب، والسهر الطويل… اللحظة الوحيدة التي أشعر فيها أنني ما زلت إنسانة.
لكن الأمر لم يكن مزحة.
كل صباح، كان يضبط المؤقت على 4:00 بالضبط، ثم يقول ببرود: — إذا انتهى الوقت ولم تخرجي… سأغلق المياه من المحبس الرئيسي.
وكان ينفذ تهديده فعلًا.
مرتين خرجت من الحمّام والصابون ما زال يغطي جسدي لأن المياه انقطعت فجأة.
بدأت أشعر وكأنني سجينة داخل منزلي… مرهقة، مكسورة، ومهانة.
لكن الأسبوع الماضي كان الأسوأ.
كانت الطفلة تبكي بلا توقف طوال اليوم، وكل ما أردته هو غسل القيء العالق في شعري.
ما إن دخلت الحمّام حتى بدأ صوت العدّ التنازلي.
أسرعت أُفرك شعري وجسدي بأقصى سرعة.
ثم فجأة…
بيب… بيب… بيب…
واختفت المياه.
وقفت هناك أرتجف، والدموع تملأ عيني، أستعد للخروج والاعتذار لأنني كنت “بطيئة أكثر من اللازم”.
لكن عندما فتحت الباب…
لم يكن سامح.
كان حماي، اللواء المتقاعد فؤاد الجندي.
كان يقف في الممر ممسكًا بالمؤقت بيده، وينظر إلى ابنه بنظرة لم أرَ مثلها من قبل… غضب ممزوج بخيبة أمل عميقة.
لم يقل لي كلمة واحدة.
بل فتح حقيبته بهدوء، وأخرج شيئًا منها.
ثم التفت إلى سامح وقال بصوت حاد: لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
ثم التفت إلى سامح وقال بصوت حاد وهو يلوّح بالشيء الذي أخرجه من حقيبته:
— فاكر ده يا سامح؟
تجمد زوجي مكانه فورًا.
كان الشيء عبارة عن ساعة إيقاف قديمة، معدنية، عليها خدوش كثيرة، تشبه الساعات التي يستخدمها المدربون العسكريون. رأيت وجه سامح يشحب للحظة، ثم حاول يبتسم ابتسامة متوترة وقال:
— إيه يعني؟ ساعة قديمة وخلاص.
لكن اللواء فؤاد اقترب منه خطوة واحدة فقط، وكانت كافية ليجعل سامح يتراجع للخلف دون وعي.
— دي مش مجرد ساعة… دي الساعة اللي أبويا كان بيعذبني بيها وأنا صغير. أربع دقايق للأكل. خمس دقايق للحمام. دقيقتين للكلام. وكل مخالفة كان بعدها عقاب.
ساد الصمت في البيت كله.
حتى بكاء طفلتي توقف للحظة، كأنها شعرت بالتوتر.
كنت واقفة خلف باب الحمام أضم المنشفة حول جسدي المرتجف، غير قادرة على فهم ما يحدث.
نظر اللواء إليّ لأول مرة، وعيناه امتلأتا بأسف حقيقي.
— هو بيعمل فيكي اللي اتعمل فيه.
صرخ سامح فجأة بعصبية:
— وأنا طلعت إيه يعني؟ راجل ناجح ومسؤول!
رد والده ببرود قاتل:
— لا. إنت طلعت نسخة مشوهة من راجل مكسور.
شعرت أن الهواء اختفى من المكان.
سامح لم يكن يتوقع أبدًا أن يسمع تلك الكلمات من والده، خاصة أمامي.
حاول يضحك بسخرية وقال:
— يعني جاي تعمل فيها بطل دلوقتي؟ بعد العمر ده كله؟
لكن اللواء لم يرد عليه مباشرة. بل اتجه نحو المطبخ، أمسك بالمؤقت الرقمي المثبت على الحائط، ثم نزعه بعنف حتى انقطع السلك.
رمى الجهاز في القمامة وقال:
— مفيش ست في الدنيا تتحاسب على وقت الحمام وهي لسه والدة.
ثم التفت نحوي وقال بهدوء:
— البسي هدومك وتعالي اقعدي معايا شوية.
دخلت غرفتي بسرعة وأنا أرتجف بالكامل. لم أكن أبكي فقط بسبب الإهانة… بل لأن أحدًا أخيرًا رأى ما يحدث لي.
منذ ولادتي وأنا أعيش داخل ضباب ثقيل.
قلة نوم. صراخ طفلة رضيعة. جسد يؤلمني. وزوج يتعامل معي وكأنني عبء ثقيل.
في البداية كان الأمر بسيطًا. تعليقات صغيرة.
“ليه الأكل متأخر؟”
“ليه البنت بتعيط كده؟”
“إنتِ طول اليوم بتعملي إيه؟”
ثم تحولت التعليقات إلى أوامر.
ثم إلى مراقبة.
ثم إلى قوانين.
عدد مرات تشغيل الغسالة.
مدة الاستحمام.
عدد الزيارات لأهلي.
حتى القهوة التي أشربها صباحًا كان يحسب ثمنها.
كنت أقنع نفسي دائمًا أنه متوتر فقط بعد الولادة… وأن كل الأزواج يمرون بفترات صعبة.
لكن رؤية والدِه وهو ينظر إليه بذلك الرعب جعلتني أدرك أن ما يحدث ليس طبيعيًا أبدًا.
خرجت بعد دقائق وأنا أحمل طفلتي.
كان سامح يجلس على الأريكة واضعًا يديه على رأسه بينما يقف والده أمامه كالقاضي.
قال اللواء بصوت منخفض لكنه مرعب:
— مراتك مش عسكرية عندك. دي إنسانة.
رد سامح بانفعال:
— إنت متعرفش حاجة! هي بتسيبني مع البنت بالساعات!
تدخلت لأول مرة:
— أربع دقايق مش ساعات يا سامح.
نظر إليّ وكأنه يريد إسكاتي، لكن وجود والده منعه.
ثم فجأة قال اللواء شيئًا غيّر كل شيء:
— أنا شوفت فاتورة باسمك من شهر… استشارة محامي.
رفع سامح رأسه بسرعة.
— وإنت بتفتش ورايا كمان؟
— لما أمك اتصلت بيا وهي مرعوبة على مراتك وابنك كان لازم أعرف في إيه.
شعرت بقلبي يسقط.
محامي؟
نظر إليّ اللواء مباشرة وقال:
— كان بيسأل لو يقدر يطلقك وياخد الطفل بحجة إنك غير مستقرة نفسيًا بعد الولادة.
شعرت بالأرض تميد تحتي.
تراجعت خطوة وأنا أضم طفلتي بقوة.
صرخت دون وعي:
— إيه؟!
سامح وقف فجأة وقال بعصبية:
— كنت بسأل بشكل عادي! أي راجل من حقه يعرف حقوقه!
لكن والده ضرب الطاولة بيده بعنف حتى ارتجفت الأكواب.
— حقوقك؟! إنت بتحبسها في البيت وبتحسب عليها وقت الحمام!
بدأت أرتجف بالكامل.
فجأة تذكرت كل شيء.
كيف كان يسجل نوبات بكائي بهاتفه.
كيف كان يقول لي باستمرار إنني “متعبة نفسيًا”.
كيف كان يصر على أنني أنسى كثيرًا بسبب “اكتئاب الولادة”.
حتى عندما بكيت مرة لأنني لم أنم منذ يومين، نظر إليّ ببرود وقال:
“لازم الناس تعرف إنك مش مستقرة.”
يا إلهي…
كان يجهز لكل شيء منذ البداية.
شعرت بالغثيان.
اقترب مني اللواء وقال بهدوء:
— معايا عربية تحت. لو عايزة تمشي دلوقتي… هتمشي.
نظر سامح إلى والده بصدمة حقيقية.
— إنت هتخرب بيتي بإيدك؟
رد عليه والده دون تردد:
— البيت اللي فيه إذلال مش بيت.
ثم نظر إليّ منتظرًا قراري.
في تلك اللحظة، نظرت حولي للمكان الذي عشت فيه آخر سنتين.
الأريكة التي كنت أنام عليها أحيانًا وأنا أحمل طفلتي.
المطبخ الذي كنت أبكي فيه بصمت حتى لا يسمعني أحد.
باب الحمام الذي تحول إلى سجن زجاجي بأربع دقائق فقط.
وفجأة أدركت أنني لا أشعر بالأمان هنا.
أبدًا.
قلت بصوت مرتجف:
— أنا همشي.
صرخ سامح فورًا:
— مستحيل تاخدي ابني!
صححه والده ببرود:
— دي بنت… وحتى لو ولد، المحكمة مش هتديك طفل رضيع وإنت بالشخصية دي.
اقترب سامح مني بسرعة لكن والده وقف بيننا مباشرة.
لأول مرة منذ زواجنا رأيت سامح يتراجع أمام شخص.
كان وجهه أحمر وعيناه مليئتين بالغضب والذعر.
قال لي بصوت مخيف:
— لو خرجتي من هنا متفكريش ترجعي.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت بهدوء لم أتوقعه من نفسي:
— أنا أصلًا مبقتش هنا من زمان.
خرجت بعد دقائق.
كنت أرتدي ملابس عشوائية، أحمل حقيبة صغيرة وطفلتي النائمة على صدري.
وعندما نزلت مع اللواء فؤاد إلى السيارة، حدث شيء غريب.
انفجرت بالبكاء.
ليس بكاء خوف.
بل بكاء شخص ظل حابس أنفاسه شهورًا كاملة.
ظللت أبكي طوال الطريق بينما كان هو يقود بصمت.
ثم قال أخيرًا:
— أنا آسف.
مسحت دموعي بسرعة وقلت:
— حضرتك معملتش حاجة.
هز رأسه ببطء.
— لأ… عملت. لما ربيت ابني على الخوف بدل الرحمة.
وصلنا إلى بيت قديم هادئ في ضاحية بعيدة.
فتحت لنا حماتي الباب، وما إن رأتني حتى ضمتني فورًا.
كانت تبكي هي الأخرى.
همست لي:
— كنت حاسة إن فيه حاجة غلط… بس مكنتش أعرف إنها للدرجة دي.
في تلك الليلة نمت لأول مرة دون خوف من مؤقت أو صراخ أو تهديد.
لكن القصة لم تنتهِ.
في اليوم التالي بدأ سامح يرسل عشرات الرسائل.
مرة يعتذر.
مرة يهدد.
مرة يبكي.
مرة يقول إن والده غسل دماغي.
ثم أرسل رسالة جعلت الدم يتجمد في عروقي:
“لو مخدتيش بالك من نفسك ومن البنت… المحكمة هتعرف.”
أراني اللواء الرسالة وقال فورًا:
— مترديش. من النهارده أي كلام يبقى عن طريق محامي.
وبالفعل، خلال أيام كنت أجلس داخل مكتب محامية متخصصة في قضايا الأسرة.
وعندما رأت الصور التي التقطتها للمؤقت المثبت على باب الحمام، والرسائل التي كان يرسلها، قالت جملة لن أنساها:
— ده اسمه عنف نفسي وسيطرة قهرية.
لأول مرة شعرت أن ما مررت به له اسم.
وأنني لست مجنونة.
بدأت أستعيد نفسي ببطء.
أنام أكثر قليلًا.
آكل دون خوف.
أستحم كما أريد.
شيء بسيط جدًا… لكنه كان يشعرني أنني إنسانة من جديد.
أما سامح، فبدأ يفقد أعصابه تدريجيًا.
كان يرسل تسجيلات صوتية طويلة يصرخ فيها.
ثم فجأة يتحول للبكاء.
ثم يعود للتهديد.
وفي إحدى الليالي، حضر إلى بيت والديه دون إنذار.
كان يطرق الباب بعنف ويصرخ:
— دي مراتي! محدش ياخدها مني!
كنت أرتجف وأنا أضم طفلتي.
لكن اللواء فؤاد فتح الباب بنفسه.
نظر إلى ابنه طويلًا ثم قال:
— آخر مرة هقولها… البنت دي مش ملكك.
صرخ سامح:
— إنت اخترتها عليا!
فرد والده بهدوء موجع:
— لا… أنا اخترت الصح متأخر.
ظل سامح يصرخ دقائق طويلة قبل أن يغادر أخيرًا.
وفي الأسبوع التالي حدثت المفاجأة الأكبر.
اكتشفت أن سامح لم يكن يراقب وقت الحمام فقط.
بل كان يحتفظ بدفتر كامل.
يسجل فيه كل شيء عني.
مواعيد نومي.
عدد مرات بكائي.
عدد المكالمات مع أمي.
حتى عدد مرات حملي لطفلتي عندما تبكي.
وجدت الدفتر بين أغراضه التي أحضرها والده من الشقة.
وعندما فتحته شعرت بالرعب.
كانت هناك جملة مكتوبة أكثر من مرة:
“غير مستقرة… سريعة الانفعال… غير قادرة على تنظيم الوقت.”
كان يبني ملفًا ضدي حرفيًا.
جلست أبكي لساعات تلك الليلة.
لكن المحامية قالت شيئًا أعاد لي قوتي:
— الراجل الطبيعي لما مراته تتعب بعد الولادة بيساعدها… مش يوثق انهيارها ليستعمله ضدها.
مرت الشهور ببطء.
بدأت جلسات المحكمة.
وحاول سامح الظهور بصورة الزوج المثالي المظلوم.
لكن رسائله، تسجيلاته، وصور المؤقت… كانت أقوى من أي تمثيل.
وفي إحدى الجلسات، سأل القاضي سامح مباشرة:
— هل صحيح أنك حددت لزوجتك وقتًا للاستحمام؟
ضحك سامح بتوتر وقال:
— كان مجرد تنظيم للوقت.
لكن القاضي رد ببرود:
— وهل قطع المياه أيضًا جزء من التنظيم؟
ساد الصمت.
وعرفت وقتها أن الحقيقة بدأت تظهر أخيرًا.
بعد أشهر طويلة حصلت على الطلاق وحضانة طفلتي كاملة.
خرجت من المحكمة يومها وأنا أحمل صغيرتي بين ذراعي، والشمس تضرب وجهي بحرارة خفيفة.
تنفست بعمق.
ثم ضحكت.
ضحكة صغيرة متعبة… لكنها حرة.
رن هاتفي بعدها بدقائق.
كان اللواء فؤاد.
قال لي:
— عاملة إيه؟
نظرت إلى السماء وابتسمت لأول مرة منذ زمن طويل.
ثم قلت:
— أخدت أول حمام من غير ما أبص على الساعة.
تمت

