اتصال طاريء حكـايـات أسمـا ×1

بنتي اتصلت بيا وانا في شغلي بالعسكرية، بتصرخ وبتقول” ماما..تعالي الحقيني عيلة جوزي بهدلوني حرفيا، ارجوكي يا ماما الحقيني فورا”

 

رن هاتفي بينما كنت أغادر مقر عملي.وما إن فتحت الخط حتى سمعت صوت ابنتي.

 

صوتًا بالكاد يُسمع.صوتًا لن أنساه ما حييت: ماما… تعالي خديني.ثم شهقة مكتومة: أرجوكي… عيلة جوزي بهدلوني

 

في تلك اللحظة…شعرت أن شيئًا انكسر داخلي.

 

كنت أقود سيارتي خارج إحدى القواعد العسكرية بالقرب من القاهرة.ولا تزال بدلتي الرسمية على جسدي.

 

الأوسمة المعدنية تعكس آخر خيوط الغروب.وكان الاسم المثبت فوق جيبي واضحًا: العميد نادية المنصوري

 

لكن تلك الليلة…لم أكن ضابطة.ولم أكن قائدة.ولم أكن مسؤولة عن أي شخص.كنت فقط…أمًا.

 

—

بحلول الوقت الذي وصلت فيه إلى مستشفى السلام الدولي بالقاهرة الجديدة…

كانت أنفاسي مستقرة.ويدي ثابتة.وصوتي هادئًا.

لكن قلبي..كان باردًا بصورة مخيفة.استوقفتني إحدى الممرضات عند باب الطوارئ…ورفعت يدها قائلة:

 

“يا فندم ممنوع الدخول.”

نظرت إليها مرة واحدة فقط.

ثم سألتها: “فين بنتي؟”تغير وجهها فورًا.

 

وكأنها رأت شيئًا في عيني جعلها تتراجع دون كلمة إضافية.أشارت إلى نهاية الممر.فانطلقت.

 

—

وجدت سارة داخل غرفة صغيرة في آخر الرواق.

كانت ملتفة داخل بطانية المستشفى…وكأنها تحاول الاختفاء. توقف الزمن.

 

عينها اليمنى متور مة.وشفتها مشـ قوقة.

 

وعلى ذراعيها كدمات داكنة تشبه آثـ ار أصابع بشرية…أما فستانها الأبيض…

 

الفستان الذي اختارته لها حماتها خصيصًا لحفل خيري قبل ساعات…فكان ممز قًا عند الكتف. وملطخًا بالكامل.

 

وفي تلك اللحظة… لم أرَ المرأة المتزوجة أمامي.

 

رأيت الطفلة الصغيرة التي كانت تتصل بي أثناء المهمات الطويلة.

 

وتصف لي غروب الشمس حتى لا أشعر بالوحدة.

 

رأيت ابنتي…فقط ابنتي.

 

رفعت رأسها بصعوبة.وهمست:

 

“ماما.” وكادت ركبتاي تخوناني.

 

اقتربت بسرعة…وجلست بجوارها. وضممتها إلى صدري بحذر شديد.

 

بعيدًا عن الكد مات.بعيدًا عن الجروح…لكن جسدها كله كان يرتجف.

 

كما لو كانت طفلة مختبئة من وح ش. سألت سؤالًا واحدًا فقط.

 

“مين عمل فيكي كده؟”

 

لكن قبل أن تجيب…

 

سمعت ضحكة من خلفي.

 

ضربة واحدة كانت كافية لأعرف أن صاحبها لا يشعر بأي ندم.

 

استدرت ببطء.

 

فوجدتهم.

 

الثلاثة.

 

واقفـين عند باب الغرفة.

 

وكأن المستشفى ملك لهم.

 

كريم الشاذلي.

 

زوج ابنتي.يرتدي بدلة فاخرة.ووجهه يحمل الملل أكثر مما يحمل القلق.وبجواره والدته ترتدي الألماس.وتبتسم تلك الابتسامة التي تشبه الس..كين.

 

أما الثالث… فكان رامي الشاذلي.شقيق كريم الأكبر. مستندًا إلى إطار الباب. وساعة فاخرة تلمع في معصمه.

 

والقسوة ترتاح فوق وجهه. تقدمت الام أولًا.

 

وقالت بصوت ناعم مليء بالسم: “سيادة العميد… بنتك كان عندها انهيار عصبي بسيط.”

 

ثم أضافت: “وقعت لوحدها.”

 

“ودلوقتي بتحاول تتهم العيلة اللي وفرت لها كل حاجة.”

 

شعرت بسارة تمسك كمي بقوة.

 

وتهمس: “لا يا ماما متصدقيهومش.”

 

كانت دموعها تنزل بصمت.”حبسـ وني.”

 

“خدوا تليفوني.” “وقالوا لو سيبت كريم هيدمروا حياتي.”

 

ساد الصمت. ثم أطلق كريم زفرة مستفزة.

 

وقال: تفتركوا عرة الرجاله قال ايه..؟ يالا كومنت صلاه عالنبي كده وانتظرها البقيه صلـوا علي محمد في التعلـيقات وانتظروا البقيـه ـ حكـايـات أسم.ـا السـيد

@أبرز المعجبين

أطلق كريم ضحكة قصيرة وهو يهز رأسه.

 

وقال ببرود:

 

— يا جماعة كفاية تمثيل بقى.

 

ثم نظر إلى سارة المستلقية على السرير وكأنها شيء يخصه.

 

وأضاف:

 

— كل الحكاية إنها عصبت نفسها زيادة عن اللزوم.

 

لكن قبل أن يكمل…

 

وقفت.

 

ببطء شديد.

 

لم أرفع صوتي.

 

ولم أهدد أحدًا.

 

فقط وقفت.

 

والغرفة كلها سكتت.

 

حتى الممرضة التي كانت تمر خارج الغرفة توقفت.

 

نظرت إلى كريم.

 

ثم إلى والدته.

 

ثم إلى شقيقه.

 

وقلت بهدوء مخيف:

 

— اقفلوا الباب.

 

تبادل الثلاثة النظرات.

 

فضحكت والدته ساخرة.

 

— هو إحنا في تحقيق؟

 

أجبتها دون أن أرمش:

 

— لا.

 

ثم نظرت إلى رامي.

 

— التحقيق هيبدأ بعد شوية.

 

أما دلوقتي… فإحنا بنتكلم.

 

لا أعرف ما الذي رأوه في وجهي.

 

لكن رامي نفسه أغلق الباب.

 

—

 

التفت نحو سارة.

 

ومسحت دموعها.

 

ثم سألتها:

 

— عايزاكي تحكيلي كل حاجة.

 

كل حاجة.

 

ومحدش هيتكلم غيرك.

 

بدأت سارة تبكي.

 

وقالت بصوت متقطع:

 

— من يوم الفرح وهما بيتحكموا فيا.

 

— حماتي كانت بتفتش تليفوني.

 

— وتدخل أوضتي من غير استئذان.

 

— وتاخد مرتبي.

 

— ولما اعترضت قالت إن الست المحترمة ملهاش ذمة مالية لوحدها.

 

كانت الكلمات تخرج كأنها محبوسة منذ شهور.

 

ثم أشارت إلى كريم.

 

— وهو كان ساكت.

 

بل أحيانًا كان بيشاركهم.

 

شعرت أن أصابعي تنقبض.

 

لكنني ظللت صامتة.

 

أكملت سارة:

 

— النهاردة في الحفل الخيري… قلت إني عايزة أرجع شغلي.

 

فقالت حماته قدام الناس كلها:

 

“طالما في بيت ابني… هتعملي اللي أقول عليه.”

 

ولما رفضت…

 

أخدوني البيت.

 

وحبسوني في أوضة فوق.

 

—

 

هنا تغير وجه كريم لأول مرة.

 

وقال بسرعة:

 

— كدب.

 

لكن سارة صرخت:

 

— لأ!

 

ثم رفعت كم فستانها.

 

لتظهر آثار قيود حمراء حول معصمها.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

اختفى اللون من وجه الجميع.

 

حتى الطبيب الذي دخل الغرفة مصادفة توقف مكانه.

 

نظر إلى العلامات.

 

ثم نظر إلى كريم.

 

ثم دون شيئًا في ملفه الطبي.

 

بهدوء.

 

لكنني فهمت ما فعله.

 

لقد وثق الإصابات.

 

رسميًا.

 

—

 

قالت سارة وهي تبكي:

 

— لما حاولت أخرج…

 

رامي زقني على السلم.

 

اتسعت عينا رامي.

 

— إنتي بتقولي إيه؟

 

صرخت:

 

— أنت عملت كده!

 

أنت اللي وقعتني!

 

ساد الصمت.

 

الصمت الذي يفضح أكثر من أي اعتراف.

 

لأن رامي لم ينكر مباشرة.

 

ولأن والدته أغمضت عينيها.

 

ولأن كريم فجأة لم يعد قادرًا على النظر نحوي.

 

—

 

أخرجت هاتفي.

 

واتصلت برقم واحد فقط.

 

لم أقل سوى جملة واحدة:

 

— فعّلوا الإجراء رقم سبعة.

 

ثم أغلقت الخط.

 

رفع كريم حاجبيه.

 

— يعني إيه ده؟

 

نظرت إليه أخيرًا.

 

وقلت:

 

— يعني من اللحظة دي… محدش منكم هيقدر يسافر.

 

ومحدش هيقدر يحول جنيه واحد من حساباته.

 

ومحدش هيقدر يقرب من بنتي.

 

مرة تانية.

 

ضحكت والدته بعصبية.

 

— إنتي فاكرة نفسك مين؟

 

اقتربت منها خطوة.

 

وقلت:

 

— أنا أمها.

 

ثم أضفت:

 

— وده أسوأ منصب ممكن تواجهوه النهاردة.

 

—

 

بعد أقل من عشر دقائق…

 

بدأت الهواتف ترن.

 

هاتف كريم أولًا.

 

ثم رامي.

 

ثم والدته.

 

واحد بعد الآخر.

 

كانت وجوههم تتغير مع كل مكالمة.

 

حسابات مجمدة.

 

استدعاءات رسمية.

 

بلاغات.

 

وأوامر تحقيق.

 

كل شيء بدأ يتحرك دفعة واحدة.

 

لأن سارة لم تكن وحدها.

 

قبل وصولي للمستشفى كانت قد أرسلت رسالة استغاثة لصديقة قديمة.

 

والصديقة احتفظت بتسجيلات.

 

ورسائل صوتية.

 

وصور.

 

وأدلة تكفي لإسقاط إمبراطورية كاملة.

 

—

 

نظر كريم إلى سارة لأول مرة بخوف حقيقي.

 

وقال:

 

— إنتي عملتي إيه؟

 

فمسحت دموعها.

 

ورفعت رأسها.

 

وقالت الجملة التي لم يتوقعها أبدًا:

 

— أخيرًا بطلت أخاف منكم.

 

وفي تلك اللحظة…

 

عرفت أن ابنتي عادت.

 

ليست الزوجة المنكسرة التي جاءت إلى هذا المستشفى.

 

بل الطفلة التي ربيتها على ألا تنحني لأحد.

 

أما عائلة الشاذلي…

 

فلم تكن تعرف بعد أن الكارثة الحقيقية لم تبدأ.

 

بل كانت على وشك أن تبدأ.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *