بعد ١١ عام حكـايـات أسمـا ×3
الفصل الثالث
“توأم.”
ظلّت الكلمة تتردد داخل رأسي طوال طريق العودة.
توأم.
بعد إحدى عشرة سنة من الانتظار.
بعد سنوات من جلسات الأطباء والتحاليل والأدوية والدموع.
بعد مئات الليالي التي بكيت فيها بصمت حتى لا يسمعني أحد.
ها أنا أحمل طفلين.
وليس طفلًا واحدًا.
وضعت يدي فوق بطني طوال الطريق.
وابتسامة صغيرة لا تفارق وجهي.
لأول مرة منذ شهور طويلة…
شعرت بالسعادة.
سعادة حقيقية.
—
عندما وصلت إلى بيت الضيافة…
وجدت سيف المنصوري جالسًا في الحديقة.
كان يتحدث في الهاتف.
لكن ما إن رآني حتى أنهى المكالمة.
ثم نظر إلى وجهي.
وقال:
“واضح إن في خبر حلو.”
ضحكت دون أن أشعر.
فابتسم هو الآخر.
وقال:
“أول مرة أشوفك بتضحكي بالشكل ده.”
جلست أمامه.
ثم أخرجت صورة الأشعة.
ومددتها نحوه.
نظر إليها للحظة.
ثم رفع حاجبيه.
وقال:
“أنا مش دكتور.”
ضحكت.
“بص كويس.”
اقترب أكثر.
ثم اتسعت عيناه.
وقال:
“اتنين؟”
أومأت.
والدموع تلمع في عيني.
“اتنين.”
ظل صامتًا للحظة.
ثم قال:
“يستاهلوا أم قوية زيك.”
لا أعرف لماذا أثرت فيّ تلك الجملة.
ربما لأن أحدًا لم يقل لي شيئًا جميلًا منذ سنوات.
أو ربما لأن سيف كان يرى فيّ أشياء نسيتها عن نفسي.
—
لكن في مكان آخر…
كان كريم الشاذلي يعيش أيامًا مختلفة تمامًا.
الأزمات بدأت تتراكم.
العقود تتعطل.
العملاء ينسحبون.
والأرباح تنخفض بسرعة.
وفي كل مرة يحاول إصلاح الوضع…
يكتشف أن سلمى كانت تقوم بعشرة أشياء لم يكن يعلم بوجودها أصلًا.
ذات مساء…
جلس مع مديره المالي.
وقال بعصبية:
“إزاي الشركة كانت ماشية قبل كده؟”
نظر الرجل إليه بتردد.
ثم قال:
“بصراحة يا فندم؟”
“قول.”
تنهد المدير.
“مدام سلمى كانت بتلحق حاجات كتير.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“كتير جدًا.”
ولأول مرة…
شعر كريم بشيء يشبه الندم.
لكنه رفض الاعتراف بذلك حتى لنفسه.
—
أما ياسمين…
فكانت تخفي سرًا أخطر.
في إحدى الليالي…
دخلت إلى الحمام وأغلقت الباب.
ثم أخرجت علبة صغيرة من حقيبتها.
فتحتها.
ونظرت إلى عشرات شرائط اختبار الحمل السلبية.
كلها سلبية.
كلها.
جلست على الأرض.
ويداها ترتجفان.
لأن الحقيقة كانت بسيطة.
هي ليست حاملًا.
ولم تكن حاملًا أصلًا.
لقد كذبت.
كذبة واحدة.
ثم تحولت الكذبة إلى جبل لا تستطيع الهروب منه.
—
بعد أسبوعين…
حدث ما كانت تخشاه.
كانت نادية الشاذلي تتحدث بحماس عن تجهيز غرفة الطفل.
ثم قالت فجأة:
“بكرة هنروح للدكتور.”
تجمدت ياسمين.
“ليه؟”
“عايزين نطمن على البيبي.”
بدأ العرق يتجمع على جبينها.
وقالت بسرعة:
“مشغولة.”
لكن نادية لم تتراجع.
“يبقى بعده.”
“عندي شغل.”
“يبقى الأسبوع الجاي.”
كل باب كانت تحاول الهروب منه…
كانت نادية تغلقه.
—
وفي النهاية…
لم يعد أمامها مفر.
ذهبت معهم إلى المستشفى.
وجلست أمام الطبيبة.
وقلبها يكاد يتوقف.
بدأ الفحص.
مرت دقيقة.
ثم دقيقتان.
ثم عقدت الطبيبة حاجبيها.
وقالت:
“حضرتك متأكدة إنك حامل؟”
شحب وجه ياسمين.
أما كريم فالتفت إليها ببطء.
وقالت الطبيبة:
“أنا آسفة… لكن مفيش حمل.”
ساد صمت مخيف.
صمت جعل حتى الأجهزة داخل الغرفة تبدو مرتفعة الصوت.
ثم قال كريم بصوت بارد:
“إيه؟”
لم تستطع ياسمين الرد.
فأعادت الطبيبة الكلام.
“حضرتها مش حامل.”
—
بعد ساعة واحدة فقط…
كانت ياسمين تقف في منتصف الفيلا تبكي.
بينما كريم ينظر إليها كأنه لا يعرفها.
ونادية الشاذلي تصرخ بشكل هستيري.
“كدبتي علينا؟!”
انهارت ياسمين.
واعترفت بكل شيء.
اعترفت أنها خافت أن يتركها.
اعترفت أنها أرادت أن تضمن مكانها.
اعترفت أنها اخترعت الحمل من البداية.
وكانت تلك نهاية علاقتها بكريم.
في الليلة نفسها.
طردها من الفيلا.
بنفس الطريقة تقريبًا التي طرد بها سلمى.
لكن الفارق…
أن سلمى كانت تحمل الحقيقة.
أما ياسمين فكانت تحمل كذبة.
—
في تلك الليلة…
جلس كريم وحده في غرفة المعيشة.
لأول مرة منذ سنوات.
بلا زوجة.
بلا عشيقة.
بلا احتفال.
بلا انتصار.
فقط صمت.
ووحدة.
وذكريات.
وفجأة…
تذكر شيئًا.
تذكر اليوم الذي خرجت فيه سلمى من المنزل.
وتذكر أنها كانت تحمل ملفًا أبيض في يدها.
وتذكر الدموع التي كانت تحاول إخفاءها.
وتذكر أنها كانت تريد أن تقول شيئًا.
شيئًا لم يسمح لها بقوله.
شعر بانقباض غريب في قلبه.
لكنه لم يكن يعرف بعد…
أن الحقيقة التي لم يسمعها في ذلك اليوم…
ستنزل عليه قريبًا كالصاعقة.
وأن الخبر الذي سيصل إليه خلال أسابيع قليلة…
لن يغير حياته فقط.
بل سيجعله يركع لأول مرة في حياته.
يتبع…
