بعد ٣ اشهر حكـايـات أسمـا ×4

الفصل السادس

 

لم يفكر كريم كثيرًا.

 

بمجرد أن رأى الموقع…

 

أمسك مفاتيح سيارته وغادر المكتب.

 

كان هناك شيء في داخله يخبره أن الأمر ليس خدعة عادية.

 

وأن اسم سلمى لم يُذكر بالصدفة.

 

خلال السنوات الماضية ارتكب أخطاء كثيرة.

 

لكن فكرة أن يصيبها مكروه…

 

كانت شيئًا لا يستطيع تحمله.

 

—

 

في الوقت نفسه…

 

كانت سيارتنا تشق طريقها وسط المطر.

 

أمسكت ليان الصغيرة دميتها وهي نائمة في المقعد الخلفي.

 

أما أنا…

 

فكنت أنظر إلى الطريق المظلم أمامنا.

 

وأحاول استيعاب كل ما يحدث.

 

قبل ساعات فقط كنت أظن أن حياتي بدأت تستقر.

 

والآن…

 

أكتشف أن وفاة والدي ربما لم تكن حادثًا.

 

وأن هناك أشخاصًا يراقبوننا.

 

ويطاردوننا.

 

ويريدون الملف الموجود معنا.

 

—

 

قال محمود وهو يقود:

 

“في حاجة عمري ما قلتها ليكي.”

 

نظرت إليه.

 

فأكمل:

 

“بابا قبل وفاته بأسبوع قابلني لوحدنا.”

 

شعرت بأنفاسي تتسارع.

 

“وقالك إيه؟”

 

ظل صامتًا للحظة.

 

ثم قال:

 

“قالي لو حصلي حاجة… ما تثقش في حد.”

 

توقفت أنفاسي.

 

“ولا حتى الشركاء.”

 

ثم أضاف:

 

“ولا حتى بعض أفراد العيلة.”

 

—

 

شعرت ببرودة تجتاح جسدي.

 

“بعض أفراد العيلة؟”

 

أومأ برأسه.

 

“وقتها افتكرت إنه قلقان من الشغل.”

 

تنهد.

 

“دلوقتي بس فهمت.”

 

—

 

بعد ساعة تقريبًا…

 

وصلنا إلى أطراف الإسكندرية.

 

إلى منطقة قديمة بعيدة عن الطرق الرئيسية.

 

توقفت السيارة أمام فيلا مهجورة.

 

كانت مغطاة بأشجار كثيفة.

 

وبدا أنها لم تُفتح منذ سنوات.

 

لكن محمود أخرج مفتاحًا صغيرًا.

 

وقال:

 

“هنا.”

 

—

 

دخلنا إلى الداخل.

 

وكان الغبار يملأ المكان.

 

والأثاث مغطى بالأقمشة البيضاء.

 

كأن الزمن توقف هنا منذ عقود.

 

حملت ليان بين ذراعي.

 

بينما سار محمود مباشرة نحو المكتبة الكبيرة.

 

ثم أمسك أحد الكتب القديمة.

 

وسحبه.

 

فصدر صوت ميكانيكي خافت.

 

وبدأت قطعة من الجدار تتحرك ببطء.

 

كاشفة عن خزنة ضخمة مخفية.

 

—

 

شعرت بأن قلبي يخفق بعنف.

 

لأنني أدركت أننا وصلنا أخيرًا إلى السر الذي أخفاه والدي.

 

أدخل محمود الرقم السري.

 

ثم فتح الباب الحديدي.

 

وبداخل الخزنة…

 

كانت توجد عشرات الملفات.

 

وصناديق صغيرة.

 

وأقراص تخزين.

 

لكن شيئًا واحدًا جذب انتباهنا فورًا.

 

ظرف أبيض كبير.

 

ومكتوب عليه بخط والدي:

 

“إلى سلمى.”

 

—

 

شعرت أن يدي ترتجف.

 

أخذت الظرف ببطء.

 

ثم فتحته.

 

وبداخله رسالة.

 

بدأت أقرأ.

 

«ابنتي الحبيبة…

 

إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة…

 

فهذا يعني أن أسوأ مخاوفي تحققت.»

 

بدأت دموعي تنزل دون إرادة.

 

كان هذا خط والدي.

 

كلماته.

 

روحه.

 

كأنه يتحدث معي من جديد.

 

—

 

أكملت القراءة.

 

«هناك أشخاص حاولوا سرقة المشروع.

 

وحين فشلوا…

 

قرروا سرقة حياتي.»

 

توقفت أنفاسي.

 

وأكملت.

 

«لو كنتِ تقرئين هذا الآن…

 

فاعلمي أن الحادث لم يكن حادثًا.»

 

ساد الصمت داخل الغرفة.

 

حتى محمود أغلق عينيه للحظة.

 

لأنه أخيرًا حصل على الإجابة التي بحث عنها سنوات.

 

—

 

لكن الرسالة لم تنتهِ.

 

كانت هناك جملة أخيرة.

 

جملة جعلتني أتجمد في مكاني.

 

«والشخص الذي ساعدهم…

 

كان أقرب إلينا مما تتخيلين.»

 

رفعت رأسي ببطء.

 

ونظرت إلى محمود.

 

وكان هو أيضًا قد قرأ السطر نفسه.

 

قال بصوت منخفض:

 

“أقرب لينا؟”

 

وقبل أن نتمكن من فهم المقصود…

 

سمعنا صوت تحطم زجاج في الطابق الأرضي.

 

ثم صوت خطوات.

 

كثيرة.

 

تقترب.

 

—

 

أغلق محمود الرسالة فورًا.

 

وأمسك أول ما وجده من أدوات دفاع.

 

أما أنا…

 

فاحتضنت ليان بقوة.

 

ثم سمعنا صوت رجل من الأسفل يصرخ:

 

“دوروا على الملفات!”

 

تبادلنا النظرات.

 

وعرفنا الحقيقة.

 

لقد وصلوا.

 

—

 

وفي اللحظة نفسها…

 

توقف صوت سيارة بعنف خارج الفيلا.

 

ثم صوت باب يُغلق.

 

وخطوات سريعة تقترب.

 

لم نكن نعرف من القادم.

 

صديق أم عدو.

 

لكن بعد ثوانٍ…

 

وصلنا صوت مألوف جدًا.

 

صوت كريم الشاذلي وهو يصرخ من الطابق السفلي:

 

“سلمى!”

 

تجمدت في مكاني.

 

بينما ارتفعت أصوات الرجال المسلحين حوله.

 

وعرفت أن اللحظة القادمة…

 

ستغيّر كل شيء.

 

يتبع…

الفصل السابع

 

“سلمى!”

 

تردد صوت كريم داخل الفيلا القديمة.

 

مختلطًا بصوت المطر في الخارج.

 

وصوت الزجاج المتناثر على الأرض.

 

وصوت الرجال الذين يفتشون الطابق السفلي.

 

أمسكت ليان بقوة أكبر.

 

بينما اقترب محمود من باب الغرفة السرية.

 

وحاول النظر من الفتحة الضيقة.

 

ثم عاد بسرعة.

 

وقال:

 

“هما أكتر من عشرة.”

 

شعرت بأن الدم يتجمد في عروقي.

 

“وكريم؟”

 

أجاب:

 

“لوحده.”

 

أغمضت عيني للحظة.

 

طوال السنوات الماضية…

 

كنت أتخيل عشرات المرات أنني سأراه ينهار.

 

أن أراه يخسر.

 

أن أراه يتألم كما تألمت.

 

لكنني لم أتخيل أبدًا أن أراه يواجه خطرًا حقيقيًا.

 

—

 

في الأسفل…

 

كان كريم يقف وسط الصالة القديمة.

 

والمطر يتساقط من معطفه.

 

أمامه أربعة رجال.

 

وخلفه ثلاثة آخرون.

 

لكن عينيه لم تكونا عليهم.

 

كان يبحث عني.

 

فقط عني.

 

قال أحد الرجال:

 

“واضح إنك جيت في المكان الغلط.”

 

نظر إليه كريم ببرود.

 

وقال:

 

“فين سلمى؟”

 

ضحك الرجل.

 

“وإنت مالك؟”

 

اقترب كريم خطوة.

 

“فين سلمى؟”

 

—

 

وفي اللحظة نفسها…

 

خرج رجل مسن من بين الظلال.

 

كان يرتدي بدلة رمادية أنيقة.

 

وشعره الأبيض مرتب بعناية.

 

بدا وكأنه رجل أعمال محترم.

 

لكن عينيه كانتا باردتين بصورة مخيفة.

 

نظر إلى كريم.

 

ثم ابتسم.

 

وقال:

 

“ابن الشاذلي.”

 

عقد كريم حاجبيه.

 

“إنت مين؟”

 

رد الرجل:

 

“اسمي فؤاد الجندي.”

 

تجمد محمود فور سماع الاسم.

 

أما أنا…

 

فلم أكن أعرفه.

 

لكن وجه أخي أخبرني أن الاسم خطير.

 

خطير جدًا.

 

—

 

همس محمود:

 

“ده شريك بابا القديم.”

 

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

 

فؤاد الجندي.

 

الاسم الذي ظهر في أكثر من مستند.

 

والاسم الذي اختفى بعد وفاة والدي مباشرة.

 

—

 

في الأسفل…

 

ابتسم فؤاد.

 

وقال:

 

“واضح إنك لسه مش فاهم اللعبة.”

 

رد كريم بحدة:

 

“أنا مش جاي ألعب.”

 

ثم أضاف:

 

“أنا جاي أخد سلمى وبنتها.”

 

ضحك فؤاد.

 

ضحكة طويلة.

 

باردة.

 

ثم قال:

 

“الغريب إنك افتكرت قيمتها متأخر أوي.”

 

كانت الكلمات مثل السكين.

 

لأنها حقيقية.

 

حتى كريم نفسه عرف ذلك.

 

—

 

فجأة…

 

رن هاتف فؤاد.

 

نظر إلى الشاشة.

 

ثم تغيرت ملامحه.

 

لأول مرة.

 

قرأ الرسالة.

 

ثم شتم بصوت منخفض.

 

سأل أحد رجاله:

 

“في إيه يا باشا؟”

 

رفع فؤاد رأسه ببطء.

 

وقال:

 

“في مشكلة.”

 

“إيه هي؟”

 

رد:

 

“النيابة فتحت الملف.”

 

ساد الصمت.

 

ثم أكمل:

 

“وكل الحسابات اتجمدت.”

 

—

 

في الغرفة السرية…

 

نظر محمود إليّ.

 

ثم ابتسم لأول مرة منذ أيام.

 

وقال:

 

“وصل.”

 

“إيه اللي وصل؟”

 

أخرج هاتفه.

 

وأراني رسالة قصيرة.

 

كانت من المحامي سامح.

 

وقد كتب:

 

«تم تسليم نسخة كاملة من الملفات للجهات المختصة.»

 

شعرت بأنفاسي تعود أخيرًا.

 

فهمت الآن لماذا كان محمود هادئًا نسبيًا طوال الطريق.

 

لقد أرسل نسخة من الأدلة قبل أن نصل إلى الفيلا.

 

كإجراء احتياطي.

 

—

 

لكن فؤاد لم يكن مستعدًا للاستسلام.

 

رفع رأسه.

 

وقال لرجاله:

 

“هاتوا الملفات بأي تمن.”

 

ثم أخرج سلا..حًا من جيبه.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

انطلقت أول رصاصة.

 

—

 

صرخت.

 

وضممت ليان إلى صدري.

 

بينما اهتزت الفيلا القديمة كلها.

 

ودوى صوت الاشتباك في الطابق السفلي.

 

أما كريم…

 

فاندفع خلف أحد الأعمدة الحجرية.

 

وحاول الاحتماء.

 

لكن عدد الرجال كان كبيرًا.

 

أكبر من أن يواجهه وحده.

 

—

 

ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.

 

شيء جعل الجميع يتجمد.

 

حتى فؤاد نفسه.

 

لأن صوت صفارات الشرطة بدأ يقترب.

 

ثم اقترب أكثر.

 

ثم أكثر.

 

حتى أصبح واضحًا جدًا.

 

نظر أحد الرجال من النافذة.

 

وصاح:

 

“شرطة!”

 

تحول المكان إلى فوضى.

 

بعض الرجال حاولوا الهرب.

 

والبعض الآخر أصيب بالذعر.

 

أما فؤاد…

 

فشحب وجهه للمرة الأولى.

 

—

 

بعد دقائق قليلة…

 

كانت القوات تقتحم الفيلا من كل الاتجاهات.

 

وأوامر الاستسلام تملأ المكان.

 

وسقطت اللعبة التي استمرت سنوات.

 

بل عقودًا.

 

في أقل من عشر دقائق.

 

—

 

وعندما انتهى كل شيء…

 

ونزلنا أخيرًا من الغرفة السرية…

 

وجدت كريم واقفًا في منتصف الصالة.

 

وعلى جبينه جرح صغير.

 

لكن عينيه كانتا تبحثان عن شيء واحد.

 

عن ليان.

 

فقط.

 

—

 

تقدم ببطء.

 

ثم نظر إلى ابنته النائمة بين ذراعي.

 

وبصوت مبحوح قال:

 

“هي كويسة؟”

 

أومأت.

 

ولأول مرة منذ وقت طويل…

 

لم يكن بيننا غضب.

 

ولا صراخ.

 

ولا اتهامات.

 

فقط تعب.

 

تعب سنوات كاملة.

 

—

 

لكن المفاجأة الأكبر جاءت بعد ساعات.

 

عندما بدأ المحققون مراجعة الملفات الموجودة داخل الخزنة.

 

واكتشفوا شيئًا لم يكن أي منا يتوقعه.

 

شيئًا جعل حتى محمود يجلس في صمت كامل.

 

لأن اسم الشخص الذي ساعد فؤاد الجندي قبل سنوات…

 

لم يكن اسم شريك.

 

ولا موظف.

 

ولا رجل أعمال.

 

بل اسم فرد من العائلة نفسها.

 

اسم سيقلب كل ما عرفناه رأسًا على عقب.

 

وكان ذلك الاسم…

 

نادية الشاذلي.

 

يتبع…الفصل الأخير

 

ساد الصمت داخل غرفة التحقيق.

 

الصمت الذي يأتي بعد الصدمات الكبيرة.

 

كنت أجلس ممسكة بيد ليان الصغيرة.

 

بينما جلس محمود على المقعد المقابل.

 

أما كريم…

 

فكان واقفًا قرب النافذة.

 

كأنه فقد القدرة على الجلوس.

 

أعاد المحقق الملف أمامنا.

 

ثم قال بهدوء:

 

“الأدلة واضحة.”

 

لم يرد أحد.

 

لأن الجميع كان ينظر إلى الاسم نفسه.

 

نادية الشاذلي.

 

والدة كريم.

 

—

 

لم تكن شريكة رئيسية.

 

لكنها كانت الحلقة التي سمحت لكل شيء بالاستمرار.

 

قبل سنوات طويلة…

 

حين اكتشفت بعض التحركات المالية المشبوهة.

 

لم تبلغ عنها.

 

بل قبلت المال مقابل الصمت.

 

ثم أصبحت تنقل معلومات.

 

وتغطي على مستندات.

 

وتخفي حقائق.

 

ومن بينها التقرير الطبي الذي دمر زواجنا.

 

ومن بينها مستندات تخص والدَي.

 

ومن بينها معلومات وصلت إلى فؤاد الجندي وساعدته في السيطرة على المشروع بعد وفاة أبي.

 

كل قرار صغير اتخذته…

 

صنع كارثة أكبر.

 

حتى انهارت حياة الجميع.

 

—

 

بكت نادية أثناء التحقيق.

 

وقالت إنها كانت خائفة.

 

وقالت إنها لم تقصد أن تصل الأمور إلى هذا الحد.

 

وقالت إنها كانت تحاول حماية ابنها.

 

لكن الحقيقة كانت أبسط من كل الأعذار.

 

عندما اختارت الصمت أمام الخطأ…

 

أصبحت جزءًا منه.

 

—

 

أما كريم…

 

فلم يحاول الدفاع عنها.

 

لأنه للمرة الأولى في حياته…

 

كان يرى الصورة كاملة.

 

وكان يعرف أن إنقاذ شخص من نتائج أفعاله ليس عدلًا.

 

ولا حبًا.

 

بل استمرار للمشكلة نفسها.

 

—

 

مرت الشهور.

 

ثم صدر الحكم.

 

وسقطت شبكة فؤاد الجندي بالكامل.

 

واستعادت عائلة المنصوري حقوقها المالية.

 

وأُعيد فتح ملفات قديمة أُغلقت لسنوات.

 

أما نادية…

 

فواجهت المسؤولية القانونية عن دورها فيما حدث.

 

—

 

ومع نهاية القض..ية…

 

شعرت بشيء غريب.

 

لم أشعر بالفرح.

 

ولا بالانتصار.

 

بل بالتحرر.

 

كأن بابًا ثقيلًا ظل مغلقًا داخل روحي سنوات طويلة…

 

ثم انفتح أخيرًا.

 

—

 

بعد عامين…

 

كانت حياتي مختلفة تمامًا.

 

كبرت ليان.

 

وأصبحت طفلة مرحة تملأ البيت ضحكًا وأسئلة.

 

أما شركة المنصوري…

 

فأصبحت أقوى من أي وقت مضى.

 

وافتتحنا مشروعات جديدة داخل مصر وخارجها.

 

ولأول مرة…

 

كنت أدير حياتي بالطريقة التي أريدها أنا.

 

لا بالطريقة التي يفرضها الآخرون.

 

—

 

أما كريم…

 

فلم يعد الرجل نفسه.

 

ابتعد عن الأضواء لفترة.

 

ثم عاد بهدوء.

 

أعاد بناء شركته من الصفر.

 

بدون نفوذ.

 

وبدون اختصارات.

 

وبدون أشخاص ينجزون العمل عنه.

 

كان طريقًا أصعب بكثير.

 

لكنه كان الطريق الصحيح.

 

—

 

وبمرور الوقت…

 

أصبح أبًا حقيقيًا لليان.

 

ليس بالكلام.

 

بل بالأفعال.

 

يحضر حفلات المدرسة.

 

ويقرأ لها القصص.

 

ويتذكر مواعيدها المهمة.

 

ويفي بوعوده.

 

شيئًا فشيئًا…

 

تعلم كيف يكون الأب الذي حُرمت منه ابنته في البداية.

 

—

 

وفي مساء ربيعي هادئ…

 

كنت أجلس في حديقة المنزل.

 

أراقب ليان وهي تركض خلف الفراشات.

 

ثم توقفت فجأة.

 

وركضت نحوي.

 

وقالت بحماس:

 

“ماما!”

 

ابتسمت.

 

“نعم يا حبيبتي؟”

 

أشارت نحو السماء.

 

وقالت:

 

“الفراشة رجعت تاني.”

 

نظرت إلى الفراشة الصغيرة.

 

ثم إلى وجه ابنتي.

 

وشعرت بسلام عميق.

 

سلام لم أعرفه طوال سنوات زواجي.

 

ولا أثناء المعارك.

 

ولا أثناء المحاكم.

 

ولا حتى أثناء الانتصارات.

 

—

 

بعد دقائق…

 

وصل كريم ليأخذ ليان في نزهتها الأسبوعية.

 

اقتربت منه الصغيرة.

 

وأمسكت يده.

 

ثم توقفت فجأة.

 

ونظرت إلينا نحن الاثنين.

 

وقالت ببراءة:

 

“إنتوا مبسوطين دلوقتي؟”

 

ساد صمت قصير.

 

ثم نظرت إلى كريم.

 

ونظر هو إليّ.

 

ولأول مرة منذ سنوات…

 

لم يكن هناك غضب بيننا.

 

ولا لوم.

 

ولا ألم.

 

فقط حياة مضت.

 

ودروس تعلمناها.

 

أجبنا في الوقت نفسه تقريبًا:

 

“أيوه.”

 

فضحكت ليان.

 

وركضت نحو السيارة.

 

—

 

وقف كريم للحظة قبل أن يغادر.

 

ثم قال بهدوء:

 

“شكرًا.”

 

سألته:

 

“على إيه؟”

 

ابتسم ابتسامة صغيرة.

 

وقال:

 

“إنك رغم كل حاجة… ما خليتيهاش تدفع تمن أخطائي.”

 

نظرت إلى ابنتنا.

 

ثم قلت:

 

“هي تستحق أفضل من كده.”

 

أومأ برأسه.

 

وكان يعرف أنني على حق.

 

—

 

عندما غادرت السيارة…

 

عدت إلى الحديقة.

 

وجلست وحدي.

 

أراقب الشمس وهي تغرب.

 

وفكرت في كل شيء مررت به.

 

الخيانة.

 

الخذلان.

 

الخوف.

 

المعارك.

 

والخسائر.

 

ثم أدركت الحقيقة التي احتجت سنوات لأفهمها:

 

أكبر انتقام ليس أن تدمر من آذاك.

 

بل أن تبني حياة جميلة بعده.

 

حياة لا يملك فيها الماضي سلطة عليك.

 

حياة لا تحتاج فيها إلى إثبات شيء لأحد.

 

—

 

رفعت رأسي نحو السماء.

 

وأغمضت عيني.

 

بينما كان صوت ضحكات ليان يتلاشى في البعيد.

 

وعرفت أخيرًا…

 

أن النهاية السعيدة لم تكن استعادة ما فقدته.

 

بل اكتشاف أنني كنت أقوى مما ظننت دائمًا.

 

تمت النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *