لبن صناعي حكايات اسما ×2
بعد ما قلت للضابط: “هكمل القضية للنهاية”… حسيت الصالون كله سكت.
حتى حماتي بطلت عياط لحظة وبصتلي كأني شخص غريب.
يمكن لأول مرة يشوفوني فعلًا.
مش البنت الهادية اللي طول عمرها بتسكت علشان البيت يمشي… ولا الزوجة اللي بتعتذر حتى وهي المظلومة… ولا الأم المرهقة اللي لسه خارجة من عملية ومش قادرة توقف على رجلها.
لأ.
المرة دي كانوا شايفين واحدة اتكسرت فعلًا… ولما قامت، ماقامتش بنفس الشخص.
الضابط قفل دفتره وقال: — هنحتاج حضرتك تيجي القسم بكرة تمضي على الأقوال الرسمية.
هزيت راسي بهدوء.
جوزي اتحرك بسرعة: — استنى… يعني إيه قسم وإيه محاضر؟ إحنا عيلة ومشاكل عائلية وهتتحل.
بصيتله وأنا مش حاسة بأي حاجة.
لا حب.
لا غضب.
ولا حتى وجع.
بس فراغ بارد.
وقلت: — لما كنت واقفة في الشارع الساعة واحدة بالليل بابني الرضيع… ماقولتش ساعتها إننا عيلة.
وشه انشد.
أما حماتي فصرخت: — انتي عايزة تدخلي ابني السجن علشان علبة لبن؟!
الجدة ضربت العصاية في الأرض بعنف: — لا… علشان قلبكم مات.
الضابط أخدهم ومشي.
ولأول مرة من ساعة جوازي… البيت كان هادي.
مافيش صوت تريقة.
مافيش أوامر.
مافيش حد بيبصلي كأني عبء.
بس أنا رغم كده… ماعرفتش أرتاح.
بالليل…
حسام سخن.
في البداية افتكرت إنها حرارة بسيطة.
لكن بعدها بدقايق، جسمه الصغير بدأ يسخن بشكل يخوف، وعيونه بقت تقفل بالعافية.
اتجمد الدم في عروقي.
“حسام؟”
شيلته بسرعة وبدأت أتحرك في الأوضة بشكل هستيري.
كل السيناريوهات السودا ضربت دماغي مرة واحدة.
هو لسه مولود.
وجسمه ضعيف.
والليلة اللي فاتت قضاها في الشارع معايا.
إيديا كانت بتترعش وأنا بحاول أقيس حرارته.
٣٩ ونص.
قلبي وقع.
جريت بيه برا الأوضة وأنا حرفيًا مش شايفة قدامي.
الخدامة أول ما شافتني صرخت: — يا ساتر!
الجدة خرجت من أوضتها بسرعة: — فيه إيه؟
قلت بصوت متقطع: — حسام حرارته عالية… مش بيرضع كويس…
ماكملتش.
لأن سليم — جوزي — نزل السلم في اللحظة دي.
أول ما شاف ابنه، وشه اتغير.
جري علينا فورًا: — هاتيه.
اتراجعت خطوة تلقائي.
يمكن من الخوف.
أو من كل اللي فات.
لكن لأول مرة من شهور… صوته كان فيه ذعر حقيقي: — ريم… لو سمحتي.
سلمته حسام.
وكان غريب أوي أشوفه شايل ابنه بالشكل ده… كأنه خايف عليه بجد.
خلال خمس دقايق كنا في العربية.
سليم كان سايق بنفسه بشكل مجنون، وأنا في الخلف حضنة حسام وبعيط بصمت.
الجدة كانت قاعدة جنبي تقرأ قرآن بهدوء.
وفي نص الطريق…
سليم قال فجأة: — أنا آسف.
افتكرت إني اتخيلت.
بصيتله في المراية.
عينيه كانت على الطريق، لكن صوته متكسر: — أنا معرفتش إنك وصلتي للدرجة دي من التعب.
ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة: — إنت ماكنتش عايز تعرف أصلًا.
ما ردش.
بس قبضته على الدركسيون شدت بقوة.
في المستشفى…
الأطباء دخلوا حسام بسرعة.
وأنا كنت واقفة برا أوضة الكشف حاسة إني هموت.
كل ثانية كانت سكينة.
لحد ما الدكتور خرج بعد حوالي نص ساعة.
قال: — الحمد لله… التهاب بسيط نتيجة تعرضه لبرد شديد. بس لو كنتوا اتأخرتوا أكتر كان الوضع هيبقى أخطر.
رجلي ماشالتنيش.
قعدت على الكرسي وانهرت.
وسليم كان واقف قدامي ساكت.
ساكت بشكل مرعب.
وفجأة… شفته يمسح وشه بإيده بسرعة.
كان بيعيط.
أول مرة أشوفه بيعيط من يوم عرفته.
قال بصوت مخنوق: — أنا كنت ممكن أخسر ابني.
بصيتله ببرود رغم النار اللي جوايا: — وإنت بنفسك اللي رميته في الشارع.
الجملة نزلت عليه كالقلم.
فضل واقف ساكت… وكأنه ماعندوش أي دفاع.
رجعنا الفيلا الفجر.
الجدة أصرت إن حسام ينام في أوضتها علشان التدفئة والمتابعة.
وأنا كنت واقفة في البلكونة ببص للقاهرة وهي ساكتة تحتيا.
فجأة سمعت الباب بيتفتح ورايا.
كان سليم.
واقف بعيد شوية.
كأنه مش عارف يقرب.
قال بهدوء: — كنتِ فعلاً بتقبضي أكتر من ٢٠٠ ألف؟
ضحكت بمرارة: — أيوه.
سكت ثانية وقال: — وليه سبتي شغلك؟
لفيت أبصله.
بجد كان بيسأل.
كأنه ناسي.
قلت: — علشان إنت وأمك فضلتوا تقنعوني إن العيلة أهم… وإنكم هتسندوني.
عينيه نزلت للأرض.
لأول مرة… شفته صغير.
مش رجل الأعمال الواثق.
ولا الابن المدلل.
بس راجل اكتشف إنه بوظ حياته بإيده.
قال بصوت واطي: — أنا كنت فاكر إني بعمل الصح.
رديت فورًا: — لا… إنت كنت بتعمل الأسهل.
ماعرفش يرد.
بعد أسبوع…
القضية بقت حديث العيلة كلها.
ناس كتير بدأت تعرف اللي حصل.
والمفاجأة؟
ولا حد وقف جنب حماتي.
بالعكس.
قرايبهم ابتدوا يبعدوا عنهم.
لأن الجدة دولت كانت معروفة جدًا في المجتمع… ولما كلمة منها تطلع، الكل بيسمع.
أما أنا…
فبدأت أرجع لنفسي بالتدريج.
رجعت أشتغل أونلاين مع شركة طبية كنت أعرفها زمان.
وبدأت أرتب حياتي.
وسليم؟
بقى يحاول يقرب من حسام بأي طريقة.
كل يوم يجيب لعبة.
هدية.
حاجة صغيرة.
لكن الغريب إنه عمره ما حاول يلمسني.
ولا مرة.
كأنه فاهم إن المسافة اللي اتخلقت بينا بقت أعمق من الكلام.
وفي يوم…
الجدة طلبتنا كلنا على الغدا.
أنا وهو وحماته.
أول ما دخلت الصالون حسيت التوتر في الهوا.
حماتي كانت باصة ناحيتي بكره صريح.
لكن ساكتة.
الجدة بدأت الأكل بهدوء.
وفجأة قالت: — أنا هسافر إيطاليا شهرين للعلاج.
سليم اتوتر: — علاج إيه؟
ابتسمت بهدوء: — القلب يا حبيبي… العمر بيجري.
قلبي اتقبض.
رغم إنها ست قوية… لأول مرة حسيت إنها تعبانة فعلًا.
وبعدين بصتلنا إحنا الاتنين وقالت: — علشان كده لازم أحل الموضوع قبل ما أمشي.
الموضوع.
الكلمة خلت حماتي تبتسم بخبث.
واضح إنها فاكرة إني هتترمي برا البيت.
لكن الجدة طلعت ظرف أبيض وحطته قدامي.
فتحته.
وكانت الصدمة.
عقد ملكية.
شقة ضخمة في المعادي… باسمي أنا.
بصيتلها بعدم استيعاب: — ده إيه؟
قالت بهدوء: — أمان ليكي ولحسام لو قررتي تمشي.
حماتي قامت واقفة: — مستحيل! دي غريبة!
الجدة بصتلها ببرود: — والغريب إنك لسه قاعدة على ترابيزة أنا بدفع تمنها.
حماتي سكتت فورًا.
أما سليم… فكان باصصلي.
بس مش للورق.
ليا أنا.
وقال فجأة: — لو مشيتي… هاخسر كل حاجة.
قلبي اتوجع رغمًا عني.
لأن جزء مني كان نفسه يسمع الجملة دي من زمان.
من قبل ما ينكسر.
لكن بعد إيه؟
بعد ما اتشردت؟
بعد ما ابني مرض؟
بعد ما بقيت بخاف منه بدل ما أستند عليه؟
بصيتله بهدوء وقلت: — وإحنا فعلًا خسرنا كل حاجة يا سليم.
وسبته وقومت.
لكن قبل ما أطلع…
سمعته بيقول بصوت مكسور لأول مرة: — أنا بحبك.
وقفت ثانية.
قلبي دق بعنف.
زمان… كنت ممكن أرجع أجري عليه بسبب الكلمة دي.
لكن دلوقتي؟
دلوقتي الكلمة بقت متأخرة أوي.
من غير ما ألف… قلت: — الحب اللي من غير رحمة… مايلزمش حد.
وطلعت فوق.
وسبته قاعد لوحده… وسط البيت اللي خسره بإيده قبل ما يخسر فلوسه.
يتبع