توام مثالي حكايات اسما ×4

الفصل السادس

 

دوى صوت الإنذار في الطابق كله.

 

أضواء حمراء بدأت تومض على الجدران.

 

وأبواب الحماية الإلكترونية أغلقت الممرات تلقائيًا.

 

للحظة شعرت أن كل شيء حولي يتحرك ببطء.

 

كنت ما أزال ممسكًا بالرسالة.

 

وما أزال أحدق في الاسم المكتوب عليها.

 

ريتشارد ويلسون.

 

الرجل الذي ساعدني.

 

الرجل الذي وقف في وجوه الجميع داخل المركز التجاري.

 

الرجل الذي وفر لي وظيفة.

 

والرجل الذي كان يجلس أمامي الآن بهدوء غريب بينما المبنى كله يدخل حالة طوارئ.

 

قفز سامر من مقعده.

 

وقال بعصبية:

 

“إنت كدبت علينا؟”

 

رفع ريتشارد عينيه إليه.

 

ولم تظهر عليه أي علامة خوف.

 

ولا غضب.

 

ولا حتى دهشة.

 

فقط هدوء.

 

قال:

 

“لو كنت أريد إيذاءكم…”

 

وأشار إلى الباب المغلق خلفنا.

 

“…لكنتم بالفعل في مكان مختلف.”

 

ساد الصمت.

 

ثم التفت نحوي.

 

وقال:

 

“اقرأ الرسالة كاملة.”

 

نظرت إلى الورقة مرة أخرى.

 

كانت يداي ترتجفان.

 

لكنني أكملت القراءة.

 

أسفل الاسم مباشرة كانت هناك جملة أخرى.

 

جملة لم أنتبه لها من شدة الصدمة.

 

وكانت تقول:

 

إذا اضطررت يومًا للاختيار بين الجميع…

 

فثق بريتشارد ويلسون فقط.

 

رفعت رأسي فجأة.

 

ونظرت إليه.

 

أما سامر فشهق بصوت مرتفع.

 

وأكملت القراءة بسرعة.

 

هو الوحيد الذي يعرف الحقيقة كاملة.

 

وهو الوحيد الذي يستطيع حماية الطفلتين إذا لم أكن موجودة.

 

شعرت بأنفاسي تتسارع.

 

وبدأت قطع الأحجية تتحرك داخل رأسي.

 

زوجتي لم تكن تتهمه.

 

بل كانت تشير إليه.

 

كانت تحذرني من الثقة بالجميع ما عدا هو.

 

عندها فقط زفر ريتشارد ببطء.

 

وقال:

 

“الحمد لله.”

 

“ظننت أنك لن تكمل الرسالة.”

 

—

 

جلسنا من جديد.

 

لكن هذه المرة لم يعد هناك مجال لأنصاف الحقائق.

 

قال ريتشارد:

 

“زوجتك كانت أذكى شخص قابلته في حياتي.”

 

ثم نظر إلى الرسالة.

 

وأضاف:

 

“وأشجعهم.”

 

سألته:

 

“كيف عرفتها أصلًا؟”

 

أخرج صورة قديمة من الملف.

 

وضعها أمامي.

 

كانت الصورة ملتقطة قبل سنوات طويلة.

 

وكان فيها ريتشارد أصغر عمرًا.

 

وبجواره زوجتي.

 

وسامر.

 

وشخص ثالث لم أعرفه.

 

قال:

 

“منذ سبع سنوات.”

 

“كنا نحاول كشف شبكة كريم ناصر.”

 

“ولم يكن معنا إلا أربعة أشخاص.”

 

أشار إلى الصورة.

 

“أنا.”

 

“سامر.”

 

“زوجتك.”

 

“وصديقي المقرب ماهر.”

 

تغير وجه سامر فور سماع الاسم.

 

قال:

 

“ماهر مات.”

 

هز ريتشارد رأسه ببطء.

 

وقال:

 

“هذا ما كنا نعتقده.”

 

شعرت بأن معدتي تنقبض.

 

لأنني بدأت أفهم إلى أين يتجه الحديث.

 

أكمل:

 

“لكنه لم يمت.”

 

“بل باعنا جميعًا.”

 

ساد الصمت.

 

ثم تابع:

 

“هو الذي كشف العملية.”

 

“وهو الذي تسبب في الحريق.”

 

“وهو الذي عمل لصالح كريم ناصر طوال الوقت.”

 

شعرت بقشعريرة.

 

لكن ريتشارد لم ينته.

 

بل أخرج صورة أحدث.

 

صورة التقطت قبل ثلاثة أيام فقط.

 

وضعها أمامي.

 

ثم قال:

 

“وهذا هو السبب في أننا في خطر الآن.”

 

نظرت إلى الصورة.

 

وشعرت بأن الدم يتجمد في عروقي.

 

لأن الرجل الموجود فيها كان يقف أمام منزلي.

 

منزلي أنا.

 

ويراقب النوافذ.

 

قال سامر بصوت مخنوق:

 

“مستحيل…”

 

لكن ريتشارد أجابه:

 

“للأسف.”

 

“هذا هو ماهر.”

 

—

 

في تلك اللحظة انفتح أحد الشاشات الأمنية داخل القاعة.

 

وظهر حارس أمن على الخط.

 

كان يتنفس بسرعة.

 

وقال:

 

“سيدي.”

 

“لدينا مشكلة.”

 

نهض ريتشارد فورًا.

 

“ماذا حدث؟”

 

جاء الرد:

 

“هناك محاولة اختراق للنظام.”

 

“والفريق التقني اكتشف شيئًا آخر.”

 

“شخص استخدم هوية مزيفة للدخول إلى قسم الولادة في المستشفى ليلة وفاة السيدة.”

 

شعرت ببرودة تسري في ظهري.

 

قال ريتشارد:

 

“هل عرفتم هويته؟”

 

رد الحارس:

 

“نعم.”

 

ثم ظهرت صورة على الشاشة.

 

وبمجرد أن رأيتها…

 

توقفت أنفاسي.

 

كان الرجل نفسه.

 

ماهر.

 

نفس الوجه.

 

نفس العينين.

 

نفس الشخص الذي كان يراقب منزلي.

 

قال الحارس:

 

“دخل المستشفى قبل أربع ساعات من الوفاة.”

 

“وغادر بعدها مباشرة.”

 

شعرت بأن الأرض تميد تحتي.

 

لأن السؤال الذي ظل يطاردني منذ وفاة زوجتي عاد بقوة أكبر.

 

هل ماتت فعلًا بسبب مضاعفات الولادة؟

 

أم أن أحدهم كان هناك ليتأكد من أنها لن تخرج حية؟

 

—

 

ساد الصمت داخل القاعة.

 

ثم قال ريتشارد بصوت منخفض:

 

“وصلنا متأخرين.”

 

نظرت إليه.

 

فأكمل:

 

“كانت تعرف أنهم عادوا.”

 

“لهذا تركت الرسالة.”

 

“ولهذا نقلت السر إلى مكان لا يستطيع أحد الوصول إليه.”

 

قلت:

 

“تقصد الطفلتين؟”

 

هز رأسه.

 

لكن إجابته التالية كانت أغرب مما تخيلت.

 

قال:

 

“ليس داخلهما.”

 

“بل بينهما.”

 

عقدت حاجبي.

 

أما سامر فبدا وكأنه فهم شيئًا.

 

قال ريتشارد:

 

“زوجتك قسمت المفتاح إلى نصفين.”

 

“كل طفلة تحمل جزءًا مختلفًا.”

 

شعرت بالذهول.

 

وأضاف:

 

“لا يمكن فتح البيانات.”

 

“ولا الوصول إلى الثروة.”

 

“ولا كشف الأدلة.”

 

“إلا بوجود التوأم معًا.”

 

وفي اللحظة نفسها رن هاتف ريتشارد.

 

نظر إلى الشاشة.

 

ثم تغير وجهه بالكامل.

 

لأول مرة.

 

أول مرة أراه خائفًا.

 

أجاب فورًا.

 

استمع لثوانٍ قليلة.

 

ثم أغلق الخط.

 

ونظر إلي مباشرة.

 

وقال:

 

“يجب أن نغادر الآن.”

 

قفزت من مكاني.

 

“لماذا؟”

 

أجاب:

 

“لأن المنزل الذي تركت فيه ابنتيك…”

 

توقف للحظة.

 

ثم قال الكلمات التي جعلت قلبي يتوقف:

 

“يحترق الآن.”

 

نهاية الفصل السادس…

الفصل السابع

 

لا أتذكر كيف خرجت من قاعة الاجتماعات.

 

ولا كيف نزلت عشرات الطوابق.

 

ولا كيف وصلت إلى السيارة.

 

كل ما أتذكره هو تلك الجملة.

 

المنزل يحترق الآن.

 

كانت تتكرر داخل رأسي بلا توقف.

 

وكأن أحدهم يطرق بها على جمجمتي.

 

المنزل يحترق.

 

ابنتاك هناك.

 

ابنتاك هناك.

 

ابنتاك هناك.

 

ضغطت على دواسة الوقود بكل ما أملك.

 

وكان ريتشارد بجواري.

 

أما سامر فكان في المقعد الخلفي.

 

والصمت داخل السيارة كان أكثر رعبًا من صفارات الشرطة التي بدأت تظهر في الشوارع.

 

حاولت الاتصال عشرات المرات.

 

لا رد.

 

مرة.

 

اثنتين.

 

عشر مرات.

 

لا رد.

 

يدي كانت ترتجف لدرجة أن الهاتف كاد يسقط منها.

 

كنت أرى أمامي وجه زوجتي.

 

وأسمع ضحكتها.

 

وأتذكر آخر مرة أمسكت فيها يدي داخل غرفة المستشفى.

 

آخر مرة فتحت عينيها.

 

آخر مرة همست فيها:

 

“خلي بالك من البنات.”

 

وعدتها.

 

أقسمت لها أن أحميهما.

 

والآن…

 

قد أكون فشلت.

 

—

 

عندما وصلنا كانت سيارات الإطفاء قد سبقتنا.

 

والدخان الأسود يغطي السماء.

 

والنار تخرج من الطابق العلوي.

 

ترجلت من السيارة قبل أن تتوقف بالكامل.

 

وركضت.

 

صرخت باسم ابنتي.

 

مرة.

 

ثم مرة أخرى.

 

لكن رجال الإطفاء أمسكوا بي.

 

حاولت الإفلات منهم.

 

صرخت.

 

تشاجرت.

 

دفعتهم.

 

لكنهم منعوني.

 

قال أحدهم:

 

“الدخول مستحيل.”

 

“السقف ينهار.”

 

لم أكن أسمع شيئًا.

 

كل ما كنت أراه هو النوافذ.

 

غرفة البنات.

 

الطابق الثاني.

 

النار تلتهم كل شيء.

 

ثم فجأة…

 

سمعت صوتًا خلفي.

 

صوتًا أعرفه جيدًا.

 

“البنات مش جوه.”

 

استدرت بسرعة.

 

وكان يوسف يقف هناك.

 

شقيق زوجتي.

 

وجهه مليء بالسواد والدخان.

 

وقميصه ممزق.

 

ويده تنزف.

 

لكن بين ذراعيه…

 

كانت إحدى الطفلتين.

 

وفي ذراع رجل إطفاء يقف خلفه…

 

كانت الأخرى.

 

شعرت بأن ساقيّ لم تعودا قادرتين على حملي.

 

ركضت نحوهما.

 

وأخذتهما بين ذراعي.

 

وبكيت.

 

لأول مرة منذ جنازة زوجتي.

 

بكيت فعلًا.

 

بكيت كما لم أبكِ من قبل.

 

لأنني كنت على بعد دقائق فقط من فقدانهما.

 

—

 

بعد نصف ساعة جلسنا داخل سيارة الإسعاف.

 

والطفلتان بخير.

 

مجرد اختناق بسيط من الدخان.

 

أما يوسف فكانت يده ملفوفة بالشاش.

 

نظرت إليه.

 

وقلت:

 

“إنت أنقذتهما؟”

 

هز رأسه.

 

ثم قال:

 

“وصلت قبل الحريق بدقائق.”

 

“كنت جاي أكلمك.”

 

سألته:

 

“عن إيه؟”

 

تنهد.

 

ثم نظر إلى ريتشارد.

 

وقال:

 

“عن الحقيقة.”

 

ساد الصمت.

 

ثم أضاف:

 

“أنا اللي سرقت الملف.”

 

كنت أعرف ذلك بالفعل.

 

لكنني لم أفهم السبب.

 

قال:

 

“لأن ماهر عرف مكانه.”

 

“ولو كان وصله الملف كان انتهى كل شيء.”

 

سأل ريتشارد:

 

“فين الملف دلوقتي؟”

 

أجاب يوسف:

 

“في مكان آمن.”

 

ثم رفع رأسه نحونا.

 

وأضاف:

 

“لكن ده مش المهم.”

 

“المهم إن ماهر اتحرك أخيرًا.”

 

—

 

في تلك اللحظة اقترب منا أحد رجال الشرطة.

 

كان يحمل كيس أدلة شفافًا.

 

وقال:

 

“لقينا ده جنب البيت.”

 

نظرنا جميعًا إلى الكيس.

 

وكان بداخله هاتف محترق جزئيًا.

 

أخذه ريتشارد.

 

ثم فتحه بحذر.

 

وبعد دقائق قليلة نجح أحد الخبراء في تشغيل جزء من محتوياته.

 

ظهر مقطع فيديو قصير.

 

مدته أقل من دقيقة.

 

لكن الدقيقة تلك غيرت كل شيء.

 

لأن الشخص الذي ظهر فيه لم يكن ماهر.

 

ولم يكن كريم ناصر.

 

بل زوجتي.

 

زوجتي نفسها.

 

كانت تجلس داخل غرفة مجهولة.

 

ويبدو أنها سجلت الفيديو قبل الولادة بأيام.

 

نظرت مباشرة إلى الكاميرا.

 

وقالت:

 

“إذا وصل هذا التسجيل لزوجي…”

 

توقفت أنفاسي.

 

وأكملت:

 

“فمعناه إنهم عرفوا مكاننا.”

 

ساد الصمت.

 

حتى رجال الشرطة توقفوا عن الحركة.

 

ثم تابعت:

 

“أعرف أنك الآن خائف.”

 

“وأعرف أنك تحاول حماية البنات.”

 

“لكن لازم تسمعني للنهاية.”

 

شعرت بدموعي تنزل مجددًا.

 

كانت المرة الأولى التي أسمع صوتها منذ وفاتها.

 

المرة الأولى.

 

ثم قالت الجملة التي صدمت الجميع.

 

“ماهر ليس أخطر شخص في القصة.”

 

نظر الجميع إلى بعضهم.

 

أما هي فأكملت:

 

“ماهر مجرد منفذ.”

 

“الشخص الحقيقي لم يظهر أبدًا.”

 

“الشخص الحقيقي كان يدير كل شيء من الظل.”

 

شعرت بقشعريرة.

 

ثم انحنت نحو الكاميرا قليلًا.

 

وأضافت:

 

“واسمه ليس كريم ناصر.”

 

ساد صمت ثقيل.

 

وأكملت:

 

“اسمه…”

 

لكن الفيديو توقف فجأة.

 

وانطفأت الشاشة.

 

صرخ الخبير:

 

“الملف تالف.”

 

شعرت وكأن أحدهم انتزع الإجابة من بين يدي في اللحظة الأخيرة.

 

لكن المفاجأة لم تكن هنا.

 

لأن يوسف كان يحدق في الشاشة.

 

ثم أصبح شاحبًا فجأة.

 

شاحبًا لدرجة أخافتني.

 

قلت:

 

“مالك؟”

 

نظر إلي ببطء.

 

ثم همس:

 

“أنا أعرف الاسم.”

 

قفز ريتشارد واقفًا.

 

وقال:

 

“مين؟”

 

لكن يوسف لم يجب.

 

بل نظر حوله بسرعة.

 

كأنه تأكد من عدم وجود أحد قريب.

 

ثم قال بصوت منخفض جدًا:

 

“لو قلت الاسم هنا…”

 

“…إحنا كلنا هنموت.”

 

وفي اللحظة نفسها تمامًا…

 

دوى انفجار هائل في الجهة المقابلة من الشارع.

 

وتطاير زجاج السيارات في كل اتجاه.

 

أما ريتشارد فدفعني أرضًا وهو يصرخ:

 

“قناص!”

 

وانطلقت أول رصاصة.

 

نهاية الفصل السابع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *