ذئبًا حكـايـات أسمـا ×3

الفصل السادس

تحرك الذئب بين الكثبان الرملية بخطوات ثابتة.

لا سريعة.

ولا بطيئة.

وكأنه يعرف تمامًا إلى أين يذهب.

أما أنا وأحمد فكنا نسير خلفه بصمت.

والقمر ينير الطريق أمامنا.

بينما كانت الرياح تدفع الرمال حول أقدامنا.

مرت عشر دقائق.

ثم عشرون.

ثم نصف ساعة كاملة.

وكلما اعتقدنا أن الرحلة ستنتهي…

كان الذئب يواصل التقدم أكثر.

وفجأة توقف.

رفع رأسه نحو تلة صخرية مرتفعة.

ثم أطلق عواءً قصيرًا.

ورد عليه عواء آخر من بعيد.

ثم ثالث.

ثم رابع.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

لكن الذئب لم يبدُ متوترًا.

بل بدا وكأنه يرسل إشارة.

تقدمنا بحذر نحو قمة التلة.

وحين وصلنا…

رأينا شيئًا لم نكن نتوقعه.

في الأسفل مباشرة.

وسط منخفض رملي محاط بالصخور.

كانت هناك مزرعة قديمة مهجورة.

محاطة بسور مرتفع.

وأضواء خافتة تخرج من عدة مبانٍ داخلها.

همس أحمد:

“إيه المكان ده؟”

لكنني كنت أعرف الإجابة.

بطريقة ما.

شعرت أننا وصلنا إلى المكان الذي كنا نبحث عنه منذ سنوات.

أخرج أحمد هاتفه.

واتصل فورًا بالشرطة.

وأرسل موقعنا.

ثم بدأنا نراقب من بعيد.

وبعد دقائق…

ظهر رجال مسلحون داخل المزرعة.

يتحركون بين المباني.

وينقلون صناديق خشبية كبيرة.

التقط أحمد صورًا بسرعة.

وأرسلها للشرطة.

ثم تجمد فجأة.

وأشار إلى أحد الرجال.

وقال:

“بصي هناك.”

نظرت حيث يشير.

وشعرت بأنفاسي تتوقف.

لأن الرجل الذي خرج من المبنى الرئيسي…

كان وجهه مألوفًا جدًا.

كان فؤاد الكيلاني.

رجل أعمال شهير.

وصاحب شركات نقل ضخمة.

وشخص اعتاد الظهور في البرامج التلفزيونية كفاعل خير ورجل محترم.

همست بذهول:

“مستحيل…”

لكن الحقيقة كانت أمامنا.

وفجأة…

فتح باب سيارة سوداء.

ونزلت منه طفلة صغيرة.

مقيدة اليدين.

نور.

شعرت أن قلبي سيتوقف.

وأمسكني أحمد قبل أن أندفع نحوها.

وقال:

“استني.”

مرت دقائق بدت كأنها ساعات.

ثم بدأت أصوات سيارات تقترب.

من بعيد.

ثم اقتربت أكثر.

وأكثر.

حتى ظهرت أضواء عشرات المركبات.

كانت قوات الأمن.

وخلال ثوانٍ تحول المكان إلى فوضى كاملة.

أوامر.

صفارات.

رجال يركضون.

وأصوات استسلام.

حاول بعض أفراد العصابة الهرب عبر الصحراء.

لكن القوات كانت قد أغلقت المنطقة بالكامل.

أما فؤاد الكيلاني…

فحاول الفرار بسيارته.

لكن إحدى المركبات اعترضت طريقه.

وانتهى كل شيء.

ركضت نحو نور فور السماح لنا بالدخول.

وما إن رأتني حتى انفجرت بالبكاء.

وألقت نفسها في حضني.

كانت بخير.

مرهقة.

وخائفة.

لكنها بخير.

أما هناء…

فعندما وصلت لاحقًا.

احتضنت ابنتها طويلاً.

وبكت كما لم تبكِ من قبل.

وبعد أيام بدأت التحقيقات الكبرى.

وتبين أن المزرعة لم تكن مجرد مخبأ.

بل كانت مركزًا كاملًا لتهريب الآثار.

ومقرًا لإدارة عمليات التهريب وغسل الأموال.

أما المفاجأة الأكبر…

فجاءت أثناء استجواب أحد أفراد الشبكة.

حين اعترف بشيء صادم.

اعترف أن والد هناء لم يمت بأزمة قلبية.

بل قُ-تل.

ساد الذهول.

لكن الأدلة التي عُثر عليها في الملفات القديمة أكدت الاعتراف.

وبعد أشهر طويلة من المحاكمات.

صدرت الأحكام.

وسقطت الشبكة بالكامل.

واستعيدت آثار لا تقدر بثمن.

وأغلقت الق-ضية التي أرعبت المنطقة لسنوات.

أما أنا…

فكنت أعتقد أن هذه نهاية القصة.

لكن الحياة كانت تخبئ مفاجأة أخيرة.

في صباح هادئ بعد عام تقريبًا.

كنت أسير قرب أطراف الصحراء مع يارا.

حين توقفت ابنتي فجأة.

وأشارت نحو بعيد.

وقالت:

“ماما… شوفي.”

رفعت رأسي.

ونظرت.

وعلى قمة تلة رملية بعيدة…

وقف الذئب.

وحيدًا.

كما رأيته أول مرة.

كانت الشمس خلفه.

فتحول إلى ظل أسطوري وسط الرمال الذهبية.

نظر نحونا لثوانٍ طويلة.

ثم التفت.

وبدأ يبتعد.

لكن هذه المرة لم أشعر بالحاجة إلى اللحاق به.

لأنني فهمت أخيرًا.

بعض القصص لا تنتهي باللقاء.

بل تنتهي عندما نعرف لماذا حدث اللقاء أصلًا.

أمسكت يارا بيدي.

وسألت:

“هو ده صاحب المعجزة يا ماما؟”

ابتسمت.

ونظرت إلى الأفق.

ثم قلت:

“أيوه يا حبيبتي.”

“وده الكائن اللي أنقذ طفلة… وكشف ج*ريمة… وغير حياة ناس كتير من غير ما ينطق كلمة واحدة.”

وبينما كانت الشمس تغيب خلف الصحراء…

اختفى الذئب للمرة الأخيرة.

لكن حكايته بقيت.

تُروى بين الناس سنوات طويلة.

حكاية الذئب الذي خرج من قلب الصحراء.

ولم يقد امرأة إلى طفلة ضائعة فقط…

بل قاد الجميع إلى الحقيقة.الفصل السابع

ظن الجميع أن الحكاية انتهت.

الصحف كتبت عن القض*ية.

القنوات تحدثت عن شبكة تهريب الآثار.

وصار اسم هناء معروفًا في كل مكان باعتبارها المرأة التي ساعدت في كشف واحدة من أكبر القضايا في المنطقة.

أما أنا…

فعدت إلى حياتي الهادئة.

أو هكذا كنت أعتقد.

مر عامان آخران.

كبرت يارا وأصبحت في الحادية عشرة.

وأصبحت نور تزورنا كل أسبوع تقريبًا.

وكانت علاقتنا جميعًا أقوى من أي وقت مضى.

لكن في إحدى الليالي الشتوية…

استيقظت على طرق عنيف على الباب.

كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل.

نظر أحمد إلى الساعة باستغراب.

وقال:

“مين اللي جاي دلوقتي؟”

لكن عندما فتح الباب…

وجد رجلًا عجوزًا يقف في الخارج.

ملابسه مغطاة بالرمال.

وعيناه تحملان شيئًا من الذعر.

قال الرجل:

“حضرتك ريم عبدالسلام؟”

أجبته بحذر:

“أيوه.”

ناولني ظرفًا قديمًا.

ثم قال:

“أنا دورت عليكي سنتين كاملين.”

تجمدت في مكاني.

وسألته:

“مين حضرتك؟”

رد بصوت متعب:

“اسمي حسين.”

“وكنت شغال مع والد هناء.”

شعرت بصدري يضيق فجأة.

لأنني ظننت أن كل ما يتعلق بتلك القض*ية انتهى منذ زمن.

لكن يبدو أنني كنت مخطئة.

دعونا الرجل إلى الداخل.

وجلس معنا.

ثم أخرج صورة قديمة من جيبه.

ووضعها على الطاولة.

كانت الصورة باهتة جدًا.

لكنني تعرفت فورًا على الشخص الموجود فيها.

والد هناء.

إلى جواره وقف رجل آخر.

لم أعرفه.

لكن المفاجأة كانت في الخلفية.

خلفهما مباشرة…

وقف ذئب.

نفس العلامة البيضاء فوق العين.

نفس النظرة.

نفس الحيوان.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

أما أحمد فحدق في الصورة طويلًا.

ثم قال:

“إزاي؟”

تنهد حسين.

ثم بدأ يحكي.

قبل أكثر من خمسة عشر عامًا…

كان والد هناء يمتلك مزرعة كبيرة في عمق الصحراء.

وخلال إحدى رحلاته هناك…

وجد مجموعة من الصيادين يطاردون أنثى ذئب وصغيرها.

كانت الأنثى مصابة.

والصغير محاصرًا.

تدخل الرجل.

وطرد الصيادين.

ونقل الذئبين إلى أرضه.

وعالجهما لأسابيع.

نجت الأنثى.

ونجا الصغير.

ثم عادا إلى البرية.

قال حسين:

“الصغير ده… هو نفس الذئب اللي أنقذ نور.”

ساد الصمت.

لم أكن أعرف ماذا أقول.

العقل كان يرفض الفكرة.

لكن قلبي كان يصدقها بطريقة غريبة.

أكمل حسين:

“الذئب ده كان بيرجع كل فترة للمزرعة.”

“وكان والد هناء بيسيب له الأكل والمية.”

“لحد ما بقى بينه وبينه علاقة غريبة جدًا.”

ثم أخرج شيئًا آخر من حقيبته.

دفترًا قديمًا.

مجلدًا بالجلد البني.

قال:

“ده يوميات والد هناء.”

بدأنا نقلب الصفحات.

وكانت الصدمة تكبر مع كل صفحة.

كتب الرجل عن الذئب عشرات المرات.

كتب عن ظهوره المفاجئ.

وعن مراقبته للمزرعة.

وعن إنقاذه لأحد العمال من أفعى صحراوية.

وعن اختفائه لأشهر ثم عودته.

لكن آخر صفحة كانت الأغرب.

توقفت عيناي عند سطر واحد.

سطر جعل الدم يتجمد في عروقي.

“إذا حدث لي مكروه… فأنا أخشى أن الملف لن يصل إلى أحد.”

“لكنني مطمئن.”

“لأن حارس الصحراء يعرف مكانه.”

رفعت رأسي ببطء.

ونظرت إلى أحمد.

ثم إلى حسين.

ولأول مرة…

شعرت أن الذئب لم يكن مجرد حيوان أنقذ طفلة.

بل كان جزءًا من القصة كلها منذ البداية.

الفصل الثامن والأخير

بعد وصول يوميات والد هناء…

بدأت أقرأها كل ليلة.

صفحة.

ثم صفحة.

ثم عشر صفحات.

حتى انتهيت منها بالكامل.

وكلما قرأت أكثر…

شعرت أنني أعرف الرجل رغم أنني لم أره في حياتي.

كان يحب الصحراء.

ويحترم الحيوانات.

ويؤمن أن الرحمة لا تضيع أبدًا.

وفي إحدى الصفحات كتب عبارة لم أنسها حتى اليوم:

“عندما تنقذ مخلوقًا ضعيفًا… لا تعرف أبدًا كيف سيعود الأثر إليك.”

بعد أشهر قليلة…

قررنا جميعًا تنفيذ آخر أمنية تركها في مذكراته.

كانت الأمنية بسيطة.

إنشاء مركز صغير لإنقاذ الحيوانات البرية المصابة في منطقة الإسماعيلية.

شارك أحمد.

وشاركت هناء.

وتبرع كثير من الناس بعدما عرفوا القصة.

وبعد عام كامل…

افتتح المركز رسميًا.

وفي يوم الافتتاح.

اجتمع عشرات الأطفال.

وجاءت وسائل الإعلام.

وحضرت نور ويارا.

وقفت هناء أمام الجميع.

ثم قالت:

“هذا المكان موجود بسبب معروف واحد.”

“معروف بدأ منذ سنوات طويلة.”

“حين أنقذ رجل صغير ذئبًا جريحًا.”

امتلأت العيون بالدموع.

حتى أنا.

وبعد انتهاء الحفل.

انسحب الجميع تدريجيًا.

وبقيت وحدي قرب السياج الخارجي للمركز.

أنظر إلى الصحراء.

كانت الشمس تغيب.

كما حدث في كل مرة مهمة في هذه القصة.

وفجأة…

سمعت حركة خفيفة بين الأعشاب الجافة.

استدرت ببطء.

وهناك…

على بعد عشرات الأمتار.

وقف ذئبان صغيران.

كانا شابين.

أقوياء.

لكن فوق عين أحدهما…

كانت توجد العلامة البيضاء نفسها.

شعرت بأنفاسي تتوقف.

نظر الذئبان نحوي للحظات.

ثم نحو المركز.

ثم نحو الصحراء.

وكأنهما يطمئنان على شيء.

أو يزوران مكانًا يعرفانه.

وقفت بلا حركة.

والدموع تملأ عيني.

لأنني فهمت الرسالة.

الذئب العجوز لم يعد موجودًا.

ربما رحل منذ فترة.

ربما أنهى رحلته الطويلة.

لكن أثره بقي.

في نور التي نجت.

وفي هناء التي استعادت حياتها.

وفي القض*ية التي كشفت الحقيقة.

وفي المركز الذي سينقذ مئات الحيوانات.

وفي طفلتين تعلمتا أن الرحمة أقوى من الخوف.

رفع أحد الذئبين رأسه نحو السماء.

وأطلق عواءً طويلًا.

هادئًا.

عميقًا.

تردد الصوت فوق الرمال الذهبية.

ثم اختفى في الأفق البعيد.

وبعدها استدار الذئبان.

وركضا نحو قلب الصحراء.

حتى ابتلعتهما الشمس الغاربة.

أما أنا…

فبقيت واقفة أراقب المكان الفارغ.

وأبتسم.

لأنني كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط.

أن بعض القصص لا تُكتب بالحبر.

بل تُكتب بالرحمة.

وأن معروفًا صغيرًا فعله رجل في يوم من الأيام…

عاد بعد سنوات لينقذ أرواحًا لا حصر لها.

النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *