بعد ١١ عام حكـايـات أسمـا ×6
الفصل الخامس
توقفت يداي فوق السرير الصغير.
والتفتُّ نحو سيف.
كان واقفًا عند باب الغرفة.
يرتدي قميصًا أبيض بسيطًا.
وعلى غير عادته بدا متوترًا قليلًا.
شيء نادر جدًا بالنسبة لرجل مثله.
ابتسمت بخفة.
وقلت:
“خير؟”
تنهد.
ثم اقترب ببطء.
وقال:
“أنا طول عمري بعرف أتعامل مع الأرقام.”
صمت لحظة.
ثم أكمل:
“أعرف أشتري شركات.”
“وأبني مشروعات.”
“وأحل أزمات.”
ثم ضحك بهدوء.
“لكن أول مرة أبقى مش عارف أقول كلمتين.”
شعرت بقلبي يخفق أسرع.
ولم أعرف السبب.
قال:
“سلمى…”
ثم نظر مباشرة إلى عيني.
وأضاف:
“أنا حبيتك.”
ساد الصمت.
صمت طويل.
هادئ.
لم يكن صادمًا كما توقعت.
لأن جزءًا مني كان يعرف.
يعرف منذ شهور.
من طريقته في الاهتمام.
من احترامه.
من وجوده الدائم دون مقابل.
من كونه لم يحاول يومًا استغلال ضعفي.
بل كان أول شخص يعيد لي إحساسي بقيمتي.
لكن رغم ذلك…
لم أستطع الرد.
فأنا ما زلت أحمل طفلين من رجل آخر.
وما زلت أتعافى من جرح لم يلتئم بالكامل.
لاحظ ارتباكي.
فابتسم.
وقال:
“مش مستني رد.”
ثم أضاف:
“ولا هضغط عليكي.”
وأشار إلى بطني.
“دلوقتي أهم حاجة عندي إنك وإنتِ والبيبيز تكونوا بخير.”
ثم استدار وغادر الغرفة.
وتركني وحدي.
لكن قلبي لم يعد كما كان قبل دخوله.
—
في الجهة الأخرى…
كان كريم ينهار ببطء.
كل محاولة للوصول إلى سلمى فشلت.
حتى جاءه اتصال من أحد موظفيه القدامى.
قال الرجل:
“في حاجة لازم تعرفها.”
وبعد ساعة…
كان كريم يجلس داخل مكتبه ينظر إلى مجموعة ملفات جديدة.
ملفات لم يفتحها منذ سنوات.
وكانت الصدمة تتجدد.
مرة بعد مرة.
لأن كل ملف كان يحمل توقيع سلمى.
كل صفقة كبيرة.
كل مشروع ناجح.
كل توسع حقق الملايين.
كانت بصمتها موجودة فيه.
بينما اسمه هو وحده كان يتصدر الواجهة.
ولأول مرة…
أدرك الحقيقة المؤلمة.
هو لم يخسر زوجة فقط.
بل خسر أفضل شريك عرفه في حياته.
—
أما نادية الشاذلي…
فكانت تراقب ابنها وهو ينهار.
وكان الذنب يقتلها.
لكن بعد فوات الأوان.
وفي إحدى الليالي…
دخلت غرفته.
وقالت:
“لازم نرجعها.”
رفع رأسه ببطء.
وقال:
“مين؟”
“سلمى.”
ضحك.
لكنها كانت ضحكة موجوعة.
“بعد إيه؟”
صمتت.
فأكمل:
“بعد ما طردناها؟”
“بعد ما اتهمناها بالعقم؟”
“بعد ما خسرنا كل حاجة؟”
ثم نظر إلى أمه.
وقال لأول مرة في حياته:
“إنتِ دمرتي حياتي.”
خرجت نادية من الغرفة وهي تبكي.
لأنها عرفت أنه محق.
—
مرّت الشهور.
ودخلت سلمى شهرها الأخير.
وأصبحت ولادتها قريبة.
وفي تلك الفترة…
بدأت الصحف الاقتصادية تتحدث عن مشروع ضخم جديد.
مشروع بمليارات الجنيهات.
تقوده مجموعة المنصوري.
ويقف خلفه اسم جديد.
اسم لم يكن أحد يتوقعه.
سلمى المنصوري.
تحولت من زوجة مطلقة ومهانة…
إلى سيدة أعمال تدير أحد أكبر المشروعات الجديدة.
وأصبح اسمها يتردد في المؤتمرات والاجتماعات.
بينما كانت شركة كريم تفقد مكانتها تدريجيًا.
وكلما قرأ اسمها في الأخبار…
شعر بوخز جديد داخل قلبه.
—
ثم جاء اليوم المنتظر.
في فجر يوم هادئ…
استيقظت سلمى على ألم حاد.
ثم ألم آخر.
ثم آخر.
وأدركت فورًا.
حان الوقت.
—
بعد ساعات قليلة…
كانت داخل غرفة الولادة.
وسيف ينتظر بالخارج.
يمشي ذهابًا وإيابًا بعصبية.
لأول مرة منذ سنوات.
أما كريم…
فكان في مكتبه عندما وصله الخبر.
خبر واحد فقط.
“سلمى بتولد.”
وقف فجأة.
وكأن شيئًا انفجر داخله.
ثم اندفع خارج المكتب دون تفكير.
وركب سيارته.
وانطلق نحو المستشفى.
لا يعرف ماذا سيفعل.
ولا ماذا سيقول.
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا فقط.
أنه لا يستطيع أن يبقى بعيدًا.
ليس في هذا اليوم.
—
وصل إلى المستشفى.
ودخل مسرعًا.
ثم توقف فجأة.
لأن أول شخص رآه كان سيف المنصوري.
يقف أمام غرفة الولادة.
وكأنه فرد من العائلة.
نظر الاثنان إلى بعضهما.
وتوتر الهواء بينهما فورًا.
قال كريم ببرود:
“أنا جاي أشوف ولادي.”
رد سيف بهدوء:
“لما سلمى تسمح.”
اشتعلت عينا كريم.
وكاد يرد.
لكن في تلك اللحظة…
انفتح باب غرفة الولادة.
وخرج الطبيب مبتسمًا.
وقال:
“مبروك.”
تجمد الرجلان.
ثم أكمل الطبيب:
“أم وبنت وولد بخير.”
وفي اللحظة نفسها…
بدأ طفلان صغيران أول صرخة لهما في الحياة.
صرخة كانت بداية جديدة لسلمى.
ونهاية لكل شيء عرفه كريم من قبل.
يتبع…