اتحجزت في المستشفى حكـايـات أسمـا ×3

الفصل الخامس

 

ثواني.

 

بس ثواني.

 

وكل اللي في الأوضة فضلوا ساكتين.

 

…

 

ندى أول واحدة اتكلمت.

 

وقالت بصوت مخنوق:

 

“مستحيل.”

 

…

 

الممرض نفسه كان متوتر.

 

وقال:

 

“أنا بقولكم اللي الراجل قاله.”

 

…

 

“قال اسمه حسام العطار.”

 

…

 

أحمد حس إن قلبه بيخبط في صدره بعنف.

 

…

 

لأنه شاف الصورة على شاشة المراقبة.

 

…

 

وشاف الوش.

 

…

 

أكبر شوية.

 

أضعف شوية.

 

لكن هو.

 

…

 

هو فعلًا.

 

…

 

حسام.

 

…

 

الصاحب اللي اختفى من حياته.

 

…

 

والرجل اللي قيل إنه مات.

 

…

 

سارة بصت لأحمد.

 

وقالت:

 

“عايز تشوفه؟”

 

…

 

أحمد ما ترددش.

 

…

 

قال:

 

“طلعوه.”

 

…

 

بعد خمس دقايق.

 

…

 

باب الأوضة اتفتح.

 

…

 

ودخل راجل في أوائل الأربعينات.

 

…

 

وشه عليه علامات تعب.

 

…

 

وشعره فيه خصل بيضا.

 

…

 

لكن عينيه.

 

…

 

عينيه كانت مليانة ذنب.

 

…

 

ذنب متراكم من سنين.

 

…

 

أول ما شاف أحمد.

 

وقف مكانه.

 

…

 

وكأنه مش عارف يبدأ منين.

 

…

 

أما أحمد.

 

فكان باصص له من غير ما يرمش.

 

…

 

وقال بهدوء:

 

“إنت حي.”

 

…

 

حسام ابتسم بمرارة.

 

…

 

وقال:

 

“أيوه.”

 

…

 

“حي.”

 

…

 

“بس مش عايش.”

 

…

 

الصمت نزل على المكان.

 

…

 

ثم قال أحمد:

 

“ليه؟”

 

…

 

سؤال واحد.

 

…

 

لكن جواه عشر سنين من الوجع.

 

…

 

عشر سنين من الأسئلة.

 

…

 

عشر سنين من الضياع.

 

…

 

حسام نزل بعينيه للأرض.

 

…

 

وقال:

 

“علشان أنا السبب.”

 

…

 

ندى شهقت.

 

…

 

أما سارة فمسكت طرف الكرسي بقوة.

 

…

 

حسام رفع رأسه.

 

…

 

وعينيه بدأت تلمع بالدموع.

 

…

 

وقال:

 

“أنا اللي خربت كل حاجة.”

 

…

 

أحمد شعر إن الهواء اختفى من الأوضة.

 

…

 

وقال:

 

“احكي.”

 

…

 

حسام أخد نفس طويل.

 

…

 

ثم بدأ.

 

…

 

قبل الفرح بشهرين.

 

…

 

كان أحمد شغال ليل ونهار.

 

…

 

بيجهز شقته.

 

…

 

وبيحاول يوفر فلوس زيادة.

 

…

 

وكان مبسوط.

 

…

 

لدرجة إن كل اللي حواليه كانوا بيحسدوه.

 

…

 

ومن ضمنهم حسام نفسه.

 

…

 

سكت.

 

…

 

ثم قال:

 

“أنا كنت بحب سارة.”

 

…

 

الغرفة كلها اتجمدت.

 

…

 

أحمد بقى ثابت مكانه.

 

…

 

أما سارة.

 

فشهقت.

 

…

 

كأنها أول مرة تعرف.

 

…

 

حسام أكمل.

 

…

 

“من قبل ما تعرفوا بعض.”

 

…

 

“ومن قبل ما تتخطبوا.”

 

…

 

“لكن عمري ما قلت.”

 

…

 

“وعمري ما حاولت أقرب.”

 

…

 

“لحد ما شوفتك بتتقدم لها.”

 

…

 

نزل دموعه لأول مرة.

 

…

 

وقال:

 

“وانهرت.”

 

…

 

سارة كانت مصدومة.

 

…

 

وأحمد بدأ يفهم.

 

…

 

لكن الحقيقة كانت أسوأ.

 

…

 

حسام قال:

 

“يوم ما والدها كتب الرسالة.”

 

…

 

“أنا كنت الشخص اللي المفروض أوصلهالك.”

 

…

 

أحمد قبض على إيده.

 

…

 

أما حسام فأكمل.

 

…

 

“لكن ما سلمتهاش.”

 

…

 

“خبيتها.”

 

…

 

“وخليتك ما تعرفش أي حاجة.”

 

…

 

سارة وضعت يدها على فمها.

 

…

 

أما أحمد.

 

فكان يشعر بالغضب يصعد داخله.

 

…

 

لكن حسام لم ينته.

 

…

 

قال:

 

“بعدها بأيام.”

 

…

 

“جالك اتصال.”

 

…

 

“وقالولك إن سارة وافقت تتجوز واحد غني يساعد أهلها.”

 

…

 

“وإنها سابتك.”

 

…

 

أحمد اتسعت عيناه.

 

…

 

لأن الذكرى بدأت ترجع.

 

…

 

صوت قديم.

 

…

 

مكالمة.

 

…

 

وألم.

 

…

 

وخيانة ظنها حقيقية.

 

…

 

حسام أكمل:

 

“المكالمة كانت كدب.”

 

…

 

“وأنا اللي رتبتها.”

 

…

 

سارة بدأت تبكي.

 

…

 

أما أحمد.

 

فأغمض عينيه.

 

…

 

لأنه بدأ يرى كل شيء.

 

…

 

الوجع.

 

…

 

الاختفاء.

 

…

 

السفر المفاجئ.

 

…

 

سنين الوحدة.

 

…

 

كلها بدأت من كذبة.

 

…

 

من شخص وثق فيه.

 

…

 

ثم فجأة.

 

قال أحمد:

 

“ليه جيت دلوقتي؟”

 

…

 

حسام ضحك ضحكة مكسورة.

 

…

 

وقال:

 

“علشان أموت مرتاح.”

 

…

 

الصمت رجع مرة تانية.

 

…

 

ثم أخرج ملفًا من حقيبته.

 

…

 

ووضعه على السرير.

 

…

 

وقال:

 

“فيه حاجة ما تعرفوهاش.”

 

…

 

أحمد فتح الملف.

 

…

 

وكانت صدمة جديدة.

 

…

 

لأن أول ورقة كانت تقريرًا طبيًا.

 

…

 

وتاريخه قبل الحادث الأخير بأسبوعين.

 

…

 

والاسم المكتوب عليه كان:

 

…

 

“سارة عبدالرحمن.”

 

…

 

أما التشخيص.

 

…

 

فجعل أحمد يرفع رأسه فجأة نحوها.

 

…

 

لأن التقرير أكد شيئًا واحدًا.

 

…

 

أن سارة كانت تخفي سرًا كبيرًا طوال السنوات الماضية.

 

…

 

سرًا جعلها ترفض الزواج.

 

…

 

وترفض الارتباط.

 

…

 

وتعيش وحدها.

 

…

 

رغم أنها لم تنس أحمد يومًا.

 

…

 

وسارة عندما رأت التقرير.

 

…

 

شحب وجهها بالكامل.

 

…

 

وقالت بصوت مرتجف:

 

“حسام…”

 

…

 

“إنت وعدتني.”

 

…

 

“وعدتني إن محدش هيعرف.”

 

يتبع…

الفصل السادس

 

الأوضة كلها سكتت.

 

…

 

أحمد كان ماسك التقرير.

 

…

 

وسارة واقفة مكانها.

 

وشها شاحب.

 

وعينيها مليانة خوف.

 

…

 

أما حسام.

 

فكان باصص للأرض.

 

…

 

كأنه أخيرًا قرر يبطل يهرب.

 

…

 

قال أحمد بهدوء:

 

“إيه ده؟”

 

…

 

سارة ما ردتش.

 

…

 

فكرر السؤال.

 

…

 

“إيه اللي كنتِ مخبياه؟”

 

…

 

حسام رفع رأسه.

 

…

 

وقال:

 

“سيبها هي تقول.”

 

…

 

سارة أغمضت عينيها.

 

…

 

ولثواني طويلة.

 

ما اتكلمتش.

 

…

 

ثم جلست ببطء على الكرسي.

 

…

 

وقالت:

 

“فاكر يوم ما اختفيت؟”

 

…

 

أحمد هز رأسه.

 

…

 

قالت:

 

“بعدها بشهر.”

 

…

 

“بدأت أتعب.”

 

…

 

“في الأول افتكرتها ضغوط.”

 

…

 

“بعدين إرهاق.”

 

…

 

“وبعدين دخلت مستشفى.”

 

…

 

صوتها كان هادي.

 

لكن كل كلمة كانت طالعة بصعوبة.

 

…

 

وقالت:

 

“واكتشفت إني كنت مريضة.”

 

…

 

أحمد فضل ساكت.

 

…

 

وهي أكملت.

 

…

 

“العلاج أخد سنين.”

 

…

 

“سنين طويلة جدًا.”

 

…

 

“بين عمليات.”

 

…

 

“ومستشفيات.”

 

…

 

“وجلسات علاج.”

 

…

 

ندى حطت إيدها على فمها.

 

…

 

أما أحمد.

 

فكان باصص لها فقط.

 

…

 

كأنه بيشوف جزء من حياتها لأول مرة.

 

…

 

قالت:

 

“في الفترة دي.”

 

…

 

“كنت فاكرة إنك سبتني.”

 

…

 

“وإنك اخترت تمشي.”

 

…

 

“وأقسمت إني عمري ما هدور عليك.”

 

…

 

“ولا هبعتلك.”

 

…

 

“ولا أرجع أعيش نفس الوجع تاني.”

 

…

 

دموعها بدأت تنزل.

 

…

 

وقالت:

 

“لكن الحقيقة إني ما نسيتكش.”

 

…

 

الغرفة كلها اختفت بالنسبة لأحمد.

 

…

 

ما بقاش سامع غير صوتها.

 

…

 

ولا شايف غير عينيها.

 

…

 

اللي شالوا سنين من الوجع.

 

…

 

قال بهدوء:

 

“ليه ما قلتيش؟”

 

…

 

ضحكت ضحكة صغيرة.

 

…

 

موجوعة.

 

…

 

وقالت:

 

“لأن إنت كنت عايش حياتك.”

 

…

 

“وده اللي كنت فاكراه.”

 

…

 

“وأنا كنت بحاول أنجو.”

 

…

 

ثم أشارت إلى التقرير.

 

…

 

وقالت:

 

“ولما خفيت.”

 

…

 

“كان الوقت فات.”

 

…

 

أحمد نزل بعينه للتقرير مرة تانية.

 

…

 

ثم رفع رأسه.

 

…

 

وقال:

 

“يعني طول السنين دي.”

 

…

 

“كنا إحنا الاتنين ضحايا نفس الكذبة؟”

 

…

 

حسام أغمض عينيه.

 

…

 

وقال:

 

“أيوه.”

 

…

 

“وأكتر حاجة عذبتني.”

 

…

 

“إني كل يوم كنت بشوفكم بعيد عن بعض بسببي.”

 

…

 

الصمت كان ثقيل.

 

…

 

ثم وقف حسام.

 

…

 

وأخرج ظرفًا آخر.

 

…

 

قديم.

 

…

 

ومهترئ.

 

…

 

وقال:

 

“وده آخر حاجة عندي.”

 

…

 

وضعه فوق السرير.

 

…

 

وأكمل:

 

“ده جواب كتبته سارة.”

 

…

 

“بعد اختفائك بسنة.”

 

…

 

سارة شهقت.

 

…

 

“إنت لسه محتفظ بيه؟”

 

…

 

هز رأسه.

 

…

 

وقال:

 

“لأن عمري ما قدرت أوصله.”

 

…

 

أحمد فتح الظرف ببطء.

 

…

 

وبدأ يقرأ.

 

…

 

“أحمد.”

 

…

 

“أنا مش عارفة أنت فين.”

 

…

 

“ولا إذا كنت هتقرأ الرسالة دي أصلًا.”

 

…

 

“لكن لو في يوم عرفت الحقيقة.”

 

…

 

“أحب أقولك إني ما كرهتكش.”

 

…

 

“وإني حاولت أنساك وما عرفتش.”

 

…

 

“وإني كل ما أشوف حد يصلح عربية.”

 

…

 

“أفتكرك.”

 

…

 

“وكل ما أعدي جنب محل ورد.”

 

…

 

“أفتكر أول يوم شوفتك.”

 

…

 

“ولو كان فيه أي احتمال.”

 

…

 

“إنك ما خنتنيش.”

 

…

 

“فأنا مسامحاك من دلوقتي.”

 

…

 

توقفت الكلمات أمام عيني أحمد.

 

…

 

لأن الدموع بدأت تمنعه من القراءة.

 

…

 

ولأول مرة منذ الحادث.

 

…

 

بكى.

 

…

 

بكى على نفسه.

 

…

 

وعلى سارة.

 

…

 

وعلى عشر سنين كاملة ضاعت.

 

…

 

بسبب كذبة واحدة.

 

…

 

لكن قبل أن يتكلم أي شخص.

 

…

 

دخل الدكتور بسرعة إلى الغرفة.

 

…

 

وشكله متوتر.

 

…

 

وقال:

 

“الأستاذ أحمد لازم ينزل أشعة حالًا.”

 

…

 

ندى سألت بقلق:

 

“فيه حاجة؟”

 

…

 

الدكتور سكت لحظة.

 

…

 

ثم قال:

 

“ظهر شيء في الفحوصات الأخيرة.”

 

…

 

وأحنا محتاجين نتأكد منه.”

 

…

 

الصمت رجع للأوضة.

 

…

 

وأحمد شعر بانقباض في قلبه.

 

…

 

لأن شكل الدكتور ما كانش مطمئن.

 

…

 

أبدًا.

 

…

 

وبينما كانوا يجهزوه للخروج.

 

…

 

كانت سارة واقفة عند الباب.

 

…

 

تنظر إليه.

 

…

 

وأول مرة من عشر سنين.

 

…

 

ما كانش بينهم أسرار.

 

…

 

لكن كان لسه فيه خوف.

 

…

 

خوف من أن يكون القدر.

 

…

 

بعد ما رجعهم لبعض أخيرًا.

 

…

 

جاي ياخد واحد منهم.

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *