زوجي العجوز حكايات اسما ×1
جوزي اللي عنده 76 سنة طلب مني أطرد ابني اللي عنده 10 سنين من البيت عشان “عايز راحته”… بدأت أجهز الشنط. وهو كان متأكد إني هختاره هو. لكن ابني الصغير كان سامع كل كلمة من على السلم. ولما رجع جوزي بالليل، لقى اسمه متعلّق على الباب وكأنه حكم بالإعدام.
“يا هو يا أنا يا نادية.”
قالها “الحاج رفعت” وهو واقف في نص الصالة، دراعاته متشابكة قدام صدره، وكأنه بيقفل صفقة شغل مش بيهد بيت كامل.
كان عنده ستة وسبعين سنة.
بدلة غالية.
ساعة دهب.
وصوت راجل متعود إن كل اللي حواليه ينفذوا كلامه من غير نقاش.
أما أنا فكنت واقفة جنب السفرة بطبق هدوم المدرسة بتاعة ابني.
ابني “آدم”.
عنده عشر سنين.
ركبه دايمًا مخبوطة من اللعب.
وشنطته عليها صور ديناصورات.
وهو آخر حاجة نقية وحلوة باقيالي في الدنيا.
بصيتله وقلت:
— إنت بجد بتطلب مني أطرد ابني من البيت؟
حتى رمش ما رمش.
قال ببرود:
— أنا كنت واضح من الأول. أنا ربيت عيالي وخلاص. في السن ده عايز أعيش مرتاح. أسافر. أخرج. أنام من غير دوشة ولا مذاكرة ولا صداع أطفال.
قلت بعصبية:
— آدم مش صداع.
رد فورًا:
— هو ابنك إنتِ… مش ابني أنا.
الكلمات نزلت على قلبي زي إزاز متكسر.
وفجأة سمعنا صوت خفيف من ناحية السلم.
لفّيت بسرعة.
لقيت آدم واقف هناك.
حافي.
وحاضن كراسة الرياضيات على صدره.
وعينيه مليانة سؤال ماينفعش أي طفل يسأله لنفسه:
— أنا مزعج للدرجة دي يا ماما؟
في اللحظة دي حاجة جوايا اتكسرت.
الحاج رفعت شافه.
لكن ما اعتذرش.
ما اتأثرش.
ما حتى حاول يخفف كلامه.
كل اللي عمله إنه عدل ياقة الجاكيت وقال:
— أنا رايح الشركة. عندي اجتماعات طول اليوم. ولما أرجع بالليل عايز القرار يكون جاهز… والشنط كمان.
وقفل الباب وراه بعنف.
فضلنا ساكتين ثواني.
بعدها نزل آدم السلم ببطء.
الغريب إنه ماكنش بيعيط.
وده كان أسوأ بكتير.
الأطفال لما يبطلوا عياط بيبقوا أخطر من أي صراخ.
بصلي وقال بهدوء:
— ماما… ممكن أروح أقعد عند تيتة.
حسيت س*كينة دخلت في قلبي.
— إيه؟
— مش عايزك تخسري جوزك بسببي.
نزلت على ركبتي قدامه.
مسكت وشه بين إيديا.
وقلت:
— اسمعني كويس يا آدم. إنت مش حمل على حد. وإنت عمرك ما هتكون عبء. إنت ابني.
قال بصوت مكسور:
— بس الحاج رفعت قال…
قاطعته فورًا:
— الحاج رفعت النهارده هيتعلم إن الأم ماحدش يساومها على ابنها.
حضني بقوة.
لدرجة إني حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
وفي اللحظة دي…
خدت قراري.
ما صرختش.
ما اتخانقتش.
ما كلمتوش.
ما بعتّلوش رسايل.
عملت فنجان قهوة.
خدت نفس عميق.
وفتحت الدولاب.
وبدأت أطلع الشنط.
أول شنطة كانت بتاعته.
والتانية كمان.
والتالتة فيها بدلته الإيطالي.
والرابعة فيها جزمه الغالية.
والخامسة فيها الهدايا اللي كان بيشتريها كل مرة يغلط فيها بدل ما يعتذر.
آدم كان واقف على الباب بيتفرج.
وسألني:
— إحنا هنمشي؟
ابتسمتله.
وقلت:
— لا يا حبيبي.
— أومال مين؟
قفلت آخر شنطة بهدوء.
وقلت:
— هو.
الساعة سبعة ونص بالليل…
رجع الحاج رفعت.
دخل وهو بيتكلم في الموبايل.
ريحة السيجار مالية المكان.
وصوته كله غرور وثقة.
— أيوة يا فندم… بكرة نراجع العقود…
وفجأة سكت.
لأنه شاف الشنط.
خمسة.
كلهم واقفين جنب الباب.
كلهم بتوعه.
ملامحه اتغيرت.
الأول استغرب.
بعدين اتعصب.
وبعدين…
خاف.
وفوق أكبر شنطة كان فيه ظرف كبير مكتوب عليه اسمه بخط أسود واضح:
الحاج رفعت المنشاوي.
قفل المكالمة ببطء.
وقال:
— نادية… إيه الهبل ده؟
في اللحظة دي ظهر آدم من ورايا.
وكان ماسك إيدي.
وأول مرة من سنين…
ماكنتش بخاف.
ولا برتعش.
ولا مترددة.
قلت:
— ده معناه إني خدت قراري.
ضحك بسخرية وقال:
— ماتكونيش عبيطة. ده بيتي أنا.
وأشرت على الظرف.
وقلت:
— افتحه.
خطفه بعصبية.
وطلع الأوراق اللي جواه.
وبدأ يقرأ أول سطر.
وفجأة…
ولأول مرة من يوم ما عرفته…
الحاج رفعت كبر عشرين سنة مرة واحدة…
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
الفصل الأول
الحاج رفعت وقف متجمد مكانه.
الورقة كانت بين إيده.
وعينيه بتجري على السطور بسرعة.
مرة.
واتنين.
وثلاثة.
كأنه مستني الكلمات تتغير لو قرأها أكتر.
لكنها ما اتغيرتش.
كانت الحقيقة مكتوبة قدامه بالحبر الأسود.
الفيلا كلها مسجلة باسم نادية.
من سنتين كاملين.
رفع عينيه ببطء.
وبص لها.
أول مرة من سنين طويلة يبان عليه الارتباك.
الحاج رفعت المنشاوي ماكانش راجل بيتوتر.
في الشركة الكل بيخاف منه.
في الاجتماعات صوته لوحده كان كفاية يسكت قاعة كاملة.
حتى أولاده الكبار كانوا بيحسبوا كلامهم معاه.
لكن النهارده…
كان واقف قدام ست بسيطة.
وأم.
وده كان أصعب خصم ممكن يقابله.
قال بصوت خرج مبحوح:
ـ انتي بتلعبي بالنار يا نادية.
ردت بهدوء:
ـ لا.
أنا بحمي ابني.
سكت.
وبعدين قال بعصبية:
ـ أنا اللي دفعت تمن البيت.
ـ صحيح.
ـ وأنا اللي بنيته.
ـ صحيح.
ـ وأنا اللي صرفت ملايين عليه.
ـ صحيح برضو.
صوته علي:
ـ يبقى إزاي يبقى بيتك؟
قالت وهي بتبص في عينه:
ـ اسأل نفسك.
لأنك إنت اللي مضيت.
الكلمة ضربته في مقت*ل.
افتكر اليوم ده.
كان قاعد مع المحامي.
وقت المشاكل القديمة.
وقت ما كان خايف من قض*ية كبيرة.
المحامي نصحه وقتها:
“سجل الفيلا باسم مدام نادية مؤقتًا.”
وكان واثق.
واثق زيادة عن اللزوم.
واثق إن الست اللي قدامه عمرها ما هتقف في وشه.
وإنه مهما عمل…
هتفضل موجودة.
لكن الحسابات كلها كانت غلط.
آدم كان واقف جنب أمه.
ساكت.
لكن عينيه على رفعت.
بيحاول يفهم.
الراجل اللي كان بيندهوله جدو.
الراجل اللي كان بيجيبله ألعاب كل عيد.
الراجل اللي كان أوقات بيضحك معاه.
إزاي فجأة بقى عايزه يمشي؟
رفع آدم رأسه.
وقال بصوت صغير:
ـ جدو؟
رفعت بصله.
لثواني.
بس ما ردش.
آدم كمل:
ـ أنا عملت حاجة زعلتك؟
الصالة كلها سكتت.
حتى نادية نفسها حبست نفسها.
لأن السؤال خرج من طفل موجوع.
مش من طفل مدلل.
طفل بيحاول يعرف هو غلط في إيه.
رفعت فتح بقه.
وقفله.
ومعرفش يرد.
لأن الحقيقة كانت مرة.
آدم ماعملش أي حاجة.
المشكلة كلها كانت في رفعت نفسه.
في خوفه من العمر.
في خوفه من الوحدة.
في خوفه إنه يبقى عجوز.
كان كل يوم يصحى يلاقي شعره أبيض أكتر.
إيده بقت ترجف أوقات.
ونظره ضعف.
وأولاده الكبار بقوا يزوروه مرة كل كام شهر.
ولما كان يسمع صوت آدم بيلعب…
كان بيحس بالزمن بيجري قدامه.
فبدل ما يحب الطفل…
بدأ يكرهه.
لأنه بيفكره بحاجة مش عايز يعترف بيها.
إنه كبر.
قال أخيرًا:
ـ الموضوع مش شخصي.
آدم بصله باستغراب.
نادية ضحكت بمرارة.
وقالت:
ـ طفل عنده عشر سنين سمعك بتقول عايز تطرده من البيت.
وإنت شايف إن الموضوع مش شخصي؟
ماعرفش يرد.
لأول مرة.
فعلاً ماعرفش يرد.
عدت ثواني طويلة.
وبعدين فجأة مد إيده للورق.
قطع أول صفحة.
وبعدين التانية.
وبعدين التالتة.
نادية ما اتهزتش.
قالت:
ـ النسخة الأصلية عند المحامي.
وقف.
والورق المقطع وقع على الأرض.
كأنه هو اللي وقع.
مش الورق.
الهدوء كان خانق.
وفجأة رن تليفونه.
بص للشاشة.
اسم ابنه الكبير.
كريم.
رد بسرعة.
ـ أيوة.
جاله الصوت من الناحية التانية:
ـ بابا.
إحنا محتاجين نتكلم.
ـ مش وقته.
ـ لا وقته.
دلوقتي.
رفعت اتضايق.
ـ خير؟
كريم سكت ثواني.
وبعدين قال:
ـ الشركة عندها مشكلة.
قلب رفعت وقع.
ـ مشكلة إيه؟
ـ فيه تحقيق مالي.
وفيه عقود قديمة بتتراجع.
وفيه ناس بتسأل عليك شخصيًا.
الصمت نزل على وشه زي حجر.
نادية لاحظت اللون اللي راح من وشه.
وسألته:
ـ في إيه؟
قفل المكالمة بسرعة.
وقال:
ـ مافيش.
لكن كان واضح إن فيه.
واضح جدًا.
وخلال ساعة واحدة بس…
الحاج رفعت اللي خرج الصبح متأكد إنه المتحكم في كل حاجة…
بدأ يحس إن الأرض بتتزحلق من تحت رجليه.
بيته.
عيلته.
وشركته.
كل حاجة مرة واحدة.
وفي نص الفوضى دي…
كان فيه طفل صغير واقف.
لسه مستني إجابة سؤال واحد.
“أنا عملت حاجة زعلتك؟”
ولأول مرة في حياته…
الحاج رفعت حس إنه فعلاً عاجز.
لأن مافيش ملايين في الدنيا تقدر تصلح قلب طفل اتكسر.
وكان لسه ما يعرفش…
إن اللي جاي هيكون أصعب بكتير.
لأن الصدمة الحقيقية ماكنتش في البيت.
ولا في الورق.
ولا في الشنط.
الصدمة كانت مستنياه تاني يوم الصبح…
داخل مكتبه نفسه.
يتبع