بعد ١١ عام حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثاني
مرّ أسبوع كامل.
ثم أسبوع آخر.
وبدأت الحياة تستعيد شيئًا من هدوئها.
على الأقل من الخارج.
أما من الداخل…
فكانت روحي ما تزال مليئة بالجروح.
كل ليلة كنت أضع يدي فوق بطني.
وأتخيل طفلي.
وأتساءل إن كنت قد اتخذت القرار الصحيح.
هل كان يجب أن أخبر كريم بالحمل؟
هل كان يحق له أن يعرف؟
ثم كنت أتذكر المشهد كله.
العشيقة الجالسة على أريكتي.
حقيبتي الملقاة أمام الباب.
نظرات حماتي.
وصمته هو.
فأعرف الإجابة.
لا.
الرجل الذي تخلّى عني بهذه السهولة لا يستحق أن يكون جزءًا من هذه المعجزة.
—
في صباح أحد الأيام…
كنت أجلس في الحديقة الصغيرة التابعة لبيت الضيافة.
أقرأ كتابًا عن الحمل.
حين توقفت سيارة سوداء أمام المنزل.
نزل منها سيف المنصوري.
كان أول لقاء حقيقي بيننا منذ ليلة المطر.
اقترب بهدوء.
وقال:
“صباح الخير.”
أغلقت الكتاب.
“صباح النور.”
جلس على المقعد المقابل.
ثم نظر إليّ للحظة.
وقال:
“عملت التحريات.”
تجمدت.
“تحريات؟”
أومأ.
“كنت محتاج أعرف مين الشخص اللي ساكن في بيتي.”
لم أعرف لماذا شعرت بالتوتر.
لكن سيف أكمل:
“عرفت كل حاجة.”
صمت.
ثم أضاف:
“عرفت إنك كنتِ شريكة أساسية في نجاح شركة كريم الشاذلي.”
اتسعت عيناي.
لأن هذه أول مرة يقولها أحد بصوت مرتفع.
الجميع كان يعتبرني مجرد زوجة.
حتى كريم نفسه.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
قال سيف:
“عرفت إنك كنتِ بتديري العقود.”
“وعرفت إنك كنتِ بتفاوضي الموردين.”
“وعرفت إن أغلب التوسعات الكبيرة حصلت بسبب أفكارك.”
شعرت بغصة في حلقي.
لأن أحدًا لم يعترف بذلك من قبل.
حتى أنا نسيت قيمتي وسط سنوات الإهانة.
ثم قال سيف:
“وعرفت كمان إن كريم أخد كل الفضل لنفسه.”
ضحكت بمرارة.
“دي مش معلومة جديدة.”
—
في نفس الوقت…
كان كريم يعيش أفضل أيام حياته.
أو هكذا كان يظن.
ياسمين انتقلت رسميًا إلى الفيلا.
ونادية الشاذلي كانت تعاملها كملكة متوجة.
لأنها كانت حاملًا.
أو على الأقل هذا ما أخبرتهم به.
وفي كل مناسبة كانت نادية تكرر الجملة نفسها:
“أخيرًا ربنا رزق ابني بالزوجة الصح.”
وكان كريم يصدق.
بل بدأ يتفاخر أمام أصدقائه بأنه سيصبح أبًا قريبًا.
لكن شيئًا لم يكن طبيعيًا.
كلما طلب رؤية تحاليل الحمل…
كانت ياسمين تتهرب.
كلما اقترح زيارة الطبيب…
كانت تؤجل.
وكلما سألها عن موعد الولادة المتوقع…
كانت تغير الموضوع.
في البداية تجاهل الأمر.
ثم بدأ يشعر بالشك.
لكن غروره كان أكبر من أن يسمح له برؤية الحقيقة.
—
بعد شهرين…
جاءت الضربة الأولى.
وصل إلى مكتبه إنذار قانوني.
ثم آخر.
ثم ثالث.
وخلال أيام قليلة اكتشف أن ثلاثة مخازن رئيسية لم تعد تحت سيطرة شركته.
وثلاثة عقود ضخمة تم تجميدها.
وحسابات مهمة توقفت.
أصيب بالصدمة.
واتصل بالمستشار القانوني للشركة.
الذي قال له جملة واحدة فقط:
“المخازن دي عمرها ما كانت ملكك يا فندم.”
شحب وجه كريم.
“إزاي؟”
أجاب المحامي:
“كلها مملوكة لشركات تابعة لعيلة المنصوري.”
جلس كريم في مكتبه مذهولًا.
ثم طلب كل العقود القديمة.
وبدأ يراجعها للمرة الأولى منذ سنوات.
وللمرة الأولى أيضًا…
قرأ التفاصيل التي لم يهتم بها يومًا.
تفاصيل كانت سلمى تتعامل معها دائمًا.
تفاصيل جعلته يكتشف الحقيقة المرعبة.
هو لم يكن يبني إمبراطوريته وحده.
بل كان واقفًا فوق أساس صنعته زوجته.
والآن…
هذا الأساس بدأ يختفي من تحته.
—
في المساء…
عاد إلى الفيلا غاضبًا.
فوجد أمه تنتظره.
قالت بقلق:
“في إيه؟”
رد بعصبية:
“سلمى.”
عقدت حاجبيها.
“مالها؟”
صرخ:
“كل حاجة مالهاش غير علاقة بسلمى.”
ساد الصمت.
ثم أخرج ملف العقود.
وألقاه على الطاولة.
وقال:
“أنا اكتشفت إني كنت أعمى.”
لأول مرة…
ظهر القلق الحقيقي على وجه نادية الشاذلي.
لأنها بدأت تدرك أن المرأة التي أهانتها وطردتها من المنزل…
ربما لم تكن ضعيفة كما تخيلت.
وربما كان طردها أكبر خطأ ارتكبته العائلة كلها.
أما سلمى…
فكانت في تلك اللحظة داخل إحدى العيادات الخاصة.
تستمع إلى نبض طفلها للمرة الأولى.
وعيناها تمتلئان بالدموع.
بينما أخبرها الطبيب بابتسامة:
“مبروك… عندك توأم.”
تجمدت في مكاني.
“إيه؟”
ضحك الطبيب.
“توأم يا مدام سلمى.”
وضعت يدي على بطني.
وشعرت أن العالم كله توقف.
لأن الرجل الذي طلقني بحجة أنني عقيم…
لا يعلم أنني أحمل وريثين له في آن واحد.
ولم أكن أعلم أن الخبر حين يصل إليه…
سيكون بداية انهياره الحقيقي.
يتبع…
