عمري الضاىع أسمـا السيـد حصري 2
بعد الحكم بشهور، ظهر محمود قدام باب المركز اللي عملته أميرة على أرض أبوها.
كان واقف ببدلة قديمة مكوية زيادة عن اللزوم، ووشه شاحب، وعينه غارقة كأنه ما نامش من أيام.
أميرة شافته من ورا الإزاز، وما اتحركتش.
زمان… كان ظهوره كفاية يخلي قلبها يدق. دلوقتي كان مجرد رجل واقف عند الباب، يحمل ماضيًا طويلًا، لكنه ماعادش يملك مفتاحها.
دخل بخطوات بطيئة وقال بصوت مكسور: “أميرة… ممكن نتكلم؟”
رفعت عينها من الدفتر اللي قدامها وقالت بهدوء: “اتفضل. المركز مفتوح للناس كلها.”
اتوجع من برودها. كان مستني غضب، عتاب، دموع… أي حاجة تثبت له إن ليه لسه مكان جواها. لكن الهدوء كان أقسى عليه من الصراخ.
قعد قدامها وقال: “أنا تعبت.”
سكتت.
كمل وهو بيبلع ريقه: “كل حاجة اتقفلت في وشي. الشغل وقع. الناس اللي كانت حواليا اختفت. نسرين…”
اتوقف عند الاسم، كأنه خجلان ينطقه.
أميرة بصتله بثبات. “نسرين إيه؟”
قال بصوت مخنوق: “سابَتني.”
لم تتحرك ملامحها.
قال بسرعة: “لما الفلوس قلت، ولما القضايا كترت، ولما عرفت إن مفيش فيلا ولا شقة تتكتب لها… بدأت تتغير. كل يوم خناق. كل يوم طلبات. وفي الآخر رفعت قضية نفقة ومؤخر، وسابت البيت.”
أميرة أغلقت الدفتر بهدوء. “ده بينك وبينها.”
هز راسه كأنه مش مصدق قسوتها. “إنتي بقيتي كده؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة. “لا. أنا بطلت أبقى زي زمان.”
مد إيده على المكتب وقال: “أنا غلطت يا أميرة. غلطت جامد. أنا عارف. اتعميت بالفلوس، وبالناس، وبالشكل. افتكرت إنك موجودة مهما عملت. افتكرت إنك مش هتمشي.”
قال آخر جملة وهو بيبص في الأرض، وكأنها الحقيقة الوحيدة اللي قدر يعترف بيها.
أميرة قالت: “وأنا فعلًا كنت موجودة سنين… بس مش علشانك. علشان كنت ناسية نفسي.”
رفع عينه بسرعة. “أنا عايز أصلح.”
“تصلح إيه؟”
“بيتنا.”
ضحكت بهدوء موجع. “بيتنا؟ البيت اللي بعته؟ ولا البيت اللي طردتني منه بكلمة؟ ولا البيت اللي دخلت عليه واحدة تانية وقلت لي الشرع محلل؟”
وشه اتلوّن بالخزي. “أنا كنت غبي.”
قالتها أميرة بمرارة ساكنة: “لا يا محمود. الغباء غلط مرة. إنما اللي عملته كان خطة طويلة. عزلتني عن أخويا. خدت توكيل. بعت. خزّنت فلوس. بنيت اسمك. ولما حسيت إنك بقيت قوي، رميتني.”
هز راسه بعنف. “أنا ماكنتش شايف كده وقتها.”
“بس أنا كنت عايشة كده.”
صمت.
من بره المكتب، كانت أصوات البنات في قاعة التدريب طالعة وهم بيتعلموا خياطة وتطريز. ضحكات صغيرة، ماكينات بسيطة، حياة جديدة اتبنت من تحت الركام.
محمود بص حوالين المكان وقال بصوت منخفض: “إنتي عملتي كل ده من غيري.”
قالت: “آه.”
الكلمة كسرته أكثر من أي اتهام.
قال: “طب والولاد؟ ياسين مش بيرد عليا. سلمى بتكلمني كأني غريب. أنا خسرتهم.”
أميرة مالت للأمام وقالت: “إنت ماخسرتهمش في يوم واحد. إنت خسرتهم كل مرة أهنتني قدامهم. كل مرة كذبت. كل مرة اخترت نفسك. كل مرة خليتهم يشوفوا إن أبوهم فاكر الأم مجرد أثاث في البيت.”
دموعه لمعت، لكنه حاول يمسك نفسه. “ساعديني أرجع لهم.”
قالت: “ارجع لهم بإيدك. اعتذر لهم. اتحمل غضبهم. اسمعهم من غير ما تدافع عن نفسك. بس ما تطلبش مني أفتحلك الباب اللي إنت قفلته.”
سألها بصوت مرتعش: “يعني مفيش أمل؟”
نظرت إليه طويلًا. للحظة، مرت أمامها صور كثيرة: البلكونة القديمة، أول معرض، أول خيانة صامتة، التوكيل، جملة الباب يفوت جمل، ليالي المحكمة، دموع سلمى، غضب ياسين، ووجهها في المرآة يوم قررت ألا تعود.
قالت بهدوء: “في أمل إنك تبقى بني آدم أحسن. لكن مش معايا.”
حط إيده على وشه. كان يبكي الآن بلا محاولة لإخفاء الأمر. وربما لأول مرة، لم تشعر أميرة بالحاجة أن تمد يدها وتمسح دموعه. كانت هذه الدموع تخصه وحده.
قال: “أنا بحبك.”
لم ترتجف.
قالتها بصدق جارح: “يمكن. بس حبك كان أناني. كان عايزني أدي وأسكت، أسامح وأنسى، أتهان وأفضل. وأنا ماينفعش أرجع لمكان موت فيه احترامي.”
وقف ببطء، كأن رجليه لا تحملانه. “هتسيبيني أخسر كل حاجة؟”
ردت: “أنا ماخدتش منك حاجة. أنا بس بطلت أخسرك نفسي.”
عند الباب، توقف والتفت. “هتسامحيني يوم؟”
قالت: “أنا سامحتك من غير ما أرجعلك. لأن الرجوع مش دليل تسامح، والرفض مش دليل حقد.”
خرج محمود من المركز وهو منحني الظهر. ولأول مرة، لم يخرج كرجل واثق يملك كل شيء. خرج كرجل فهم متأخرًا أن بعض الأبواب لا تُغلق في وجه الآخرين فقط… أحيانًا تُغلق في وجه صاحبها إلى الأبد.
بعد أيام، علمت أميرة أن المعرض اتصفى، وأن الفيلا بيعت لتسديد الديون والأحكام، وأن نسرين أخذت ما استطاعت وابتعدت. محمود انتقل لشقة صغيرة مستأجرة، وحده، بلا ضجيج، بلا هيبة قديمة، بلا امرأة يختبئ خلف صبرها.
ياسين زاره مرة. لم يعانقه. جلس أمامه وقال: “أنا مش جايلك علشان أرجع كل حاجة زي الأول. أنا جايلك علشان أقولك إنك كسرت صورة الأب جوايا، ولو عايز تصلحها، هتحتاج سنين.”
وسلمى بعتت له رسالة قصيرة: “أنا هسامحك لما أشوفك بتحترم ماما من غير ما تكون محتاجها.”
قرأ محمود الرسالة وبكى.
أما أميرة، فكانت في نفس اليوم واقفة وسط المركز، توزع شهادات على أول دفعة بنات اتعلموا صنعة بإيدهم. سلمى صورتها وهي بتضحك، وياسين وقف جنبها بفخر.
في آخر الحفل، اقتربت منها بنت صغيرة وقالت: “طنط أميرة، أنا نفسي أبقى قوية زيك.”
ابتسمت أميرة ومسحت على شعرها. “القوة مش إنك ما تقعيش يا حبيبتي. القوة إنك تقومي، وما ترجعيش للمكان اللي وقعك.”
في المساء، رجعت أميرة بيتها الصغير الجديد. فتحت الشباك، ودخل هوا الإسماعيلية محمل برائحة الأرض القديمة. لم يكن البيت فيلا، ولم تكن الستائر غالية، ولم يكن حولها خدم ولا سائق.
لكن لأول مرة منذ سنوات طويلة، كان كل شيء يخصها.
الهدوء، والمفتاح، والقرار، والكرامة.
جلست تكتب في دفترها:
“محمود ندم… لكنه ندم بعد ما خسرني. وأنا تمنيت له الهداية، لا العودة. بعض الرجال لا يعرفون قيمة المرأة إلا حين تقف بعيدًا عن أيديهم. لكن المرأة التي تعود لنفسها، لا ترجع قيدًا قديمًا لمجرد أن السجان بكى.”
أغلقت الدفتر وابتسمت.
كانت قد خسرت زوجًا.
لكنه خسر بيتًا، وسترًا، وامرأة كانت تدعو له وهو يكسرها.
والفرق بين الخسارتين… أن خسارتها حررتها.
أما خسارته، فبقيت تطارده كل ليلة.
يتبع