بنتي حكـايـات أسمـا ×2
الجزء الخامس
فضلت أبص للصورة على شاشة الموبايل.
إيدي كانت بتترعش.
وكريم خد الموبايل مني.
أول ما شاف الصورة، وشه شحب.
همس:
“سبقونا…”
قلت بعصبية:
“هنعمل إيه؟”
بصلي وقال:
“لو الأرشيف اختفى… مش هنعرف نثبت أي حاجة.”
في أقل من عشر دقايق…
كنا راكبين العربية.
الليل كان ساكت.
والشوارع شبه فاضية.
ولا واحد فينا كان بيتكلم.
كل واحد غرقان في خوفه.
وصلنا للمبنى القديم التابع للمستشفى.
كان مبنى مهجور من بره.
الإزاز مكسور.
والدهان واقع.
لكن باب الحديد كان مفتوح سنة بسيطة.
كريم طلع كشاف صغير من درج العربية.
وقال:
“خليكي ورايا.”
دخلنا.
ريحة الرطوبة كانت مالية المكان.
وكل خطوة كانت بتعمل صدى.
وصلنا لباب مكتوب عليه:
“قسم الأرشيف القديم.”
الباب كان مخلوع.
أول ما دخلنا…
اتصدمنا.
الملفات كلها مرمية على الأرض.
ودواليب الحديد مفتوحة.
كأن حد قلب المكان كله.
بدأت أدور بجنون.
كل ملف أفتحه.
أقلب فيه.
أنادي:
“ملك… ملك…”
يمكن ألاقي اسمها.
وفجأة…
كريم نادى عليّ.
“تعالي بسرعة.”
جريت ناحيته.
كان واقف قدام خزنة حديد صغيرة.
بابها مفتوح.
لكن جواها…
فلاشات كتير.
كل واحدة عليها رقم.
وفي آخر الخزنة…
فلاشة مكتوب عليها بقلم أسود:
M-27
جنبها ورقة صغيرة.
فتحتها.
وكان مكتوب:
“النسخة الأخيرة.”
وصلت إيدي للفلاشة.
لكن قبل ما ألمسها…
سمعنا صوت تصفيق.
لفينا بسرعة.
لقينا الراجل صاحب الجاكيت الأسود واقف عند الباب.
ومعاه اتنين كمان.
ابتسم وقال:
“برافو…
وصلتوا للنهاية.”
كريم وقف قدامي يحاول يحميني.
وقال:
“سيبها.”
ضحك الراجل.
وقال:
“إحنا مش جايين نقتل حد.”
“إحنا جايين ناخد اللي يخصنا.”
مد إيده.
“هات الفلاشة.”
قلت وأنا ضامّاها في إيدي:
“مستحيل.”
في لحظة…
واحد من اللي معاه هجم على كريم.
واتخانقوا بعنف.
استغليت الفوضى.
وجريت ناحية باب جانبي.
سمعت حد بيجري ورايا.
طلعت سلم حديد.
وصلت للدور التاني.
وفي آخر الممر…
لقيت أوضة صغيرة.
دخلتها وقفلت الباب.
فتحت اللاب توب اللي كنت واخداه معايا.
وركبت الفلاشة.
اشتغل ملف فيديو واحد.
الممرضة ظهرت قدام الكاميرا.
كانت بتبكي.
وقالت:
“لو بتشوفي الفيديو ده…
يبقى أنا غالبًا مش هكون موجودة.”
“أنا اسمي نهى.”
“اشتغلت في المستشفى سبع سنين.”
“وشهدت حاجات عمري ما هسامح نفسي عليها.”
“الطفلة ملك…
دخلت المستشفى بحرارة عالية.”
“وكان ممكن تعيش.”
دموعي نزلت.
كملت نهى:
“لكن حصل خطأ طبي أثناء إعطائها علاج.”
“الخطأ كان ممكن يتدارك.”
“لكن الإدارة قررت تخفي الحقيقة.”
“علشان تحافظ على سمعة المستشفى.”
شهقت وأنا بكتم صوتي.
لكن نهى كملت:
“والد ملك…”
“ما شاركش في الخطأ.”
“لكنه عرف بالحقيقة.”
“واتعرض لضغوط وتهديدات.”
“ولو اتكلم…
كان هيختفي.”
بصيت ناحية الباب.
سمعت خطوات بتقرب.
ونهى قالت آخر جملة:
“الشخص الوحيد اللي يقدر يثبت كل ده…
هو الدكتور سامح.”
“لكن…”
انقطع الفيديو فجأة.
وفي نفس اللحظة…
الباب اتكسر.
ودخل الراجل صاحب الجاكيت الأسود.
بص للشاشة.
واتغيرت ملامحه لأول مرة.
وقال بصوت مليان غضب:
“إزاي الفيديو ده لسه موجود؟!”
ورفع المسد..س في اتجاه اللاب توب…
وضغط على الزناد.
الجزء السادس
دوّى صوت الطلقة في الأوضة.
صرخت وأنا غمضت عيني.
لكن بعد ثانيتين…
فتحتهم.
اللاب توب كان واقع على الأرض.
الشاشة اتكسرت.
لكن الرصاصة عدّت من طرفه.
ما وصلتش للهارد.
في نفس اللحظة…
كريم دخل الأوضة وهو بينهج.
خبط الراجل صاحب الجاكيت في كتفه.
وقع المسد..س على الأرض.
والاتنين اشتبكوا بعنف.
استغليت اللحظة.
خطفت الهارد من اللاب توب.
وحطيته في شنطتي.
وجريت.
فضلت أجري في الممر الطويل.
ورايا أصوات رجالة.
وصريخ.
وخبط.
نزلت السلم بسرعة.
لكن أول ما خرجت من المبنى…
سمعت صفارات شرطة.
أربع عربيات وقفت قدام الباب.
الرجالة اللي كانوا بيطاردوني اتجمدوا.
واحد منهم حاول يهرب.
لكن الشرطة قبضت عليه.
أما صاحب الجاكيت الأسود…
فاختفى وسط الفوضى.
كأنه اتبخر.
وقفت أتنفس بالعافية.
وفجأة…
حد حط إيده على كتفي.
لفيت بخضة.
لقيته راجل كبير في الخمسينات.
لابس بالطو أبيض.
وشه مرهق.
قال بهدوء:
“أنا الدكتور سامح.”
اتسعت عيني.
“إنت؟”
هز راسه.
“أنا الشخص اللي كانت الممرضة بتتكلم عنه.”
قلت بسرعة:
“قولّي… إيه اللي حصل لبنتي؟”
غمض عينيه للحظة.
وكأنه بيستجمع شجاعته.
وقال:
“الحقيقة وجعتني كل يوم من ساعة اللي حصل.”
“ملك دخلت المستشفى وهي حالتها صعبة… لكن كانت لسه عندها فرصة.”
“وأثناء علاجها حصل خطأ طبي في إعطاء جرعة أحد الأدوية.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
كمل بصوت مكسور:
“الخطأ اتبلغ للإدارة.”
“لكن بدل ما يبلغوا الجهات المختصة…”
“قرروا يزوّروا بعض السجلات علشان يخفوا الإهمال.”
قلت وأنا ببكي:
“وكريم؟”
رد:
“جوزك عرف بعد الوفاة.”
“وحاول يحصل على الحقيقة.”
“ولما هدد إنه هيبلغ…”
“ابتدوا يهددوه هو كمان.”
بصيت ناحية كريم.
كان خارج من المبنى وإيده كلها دم.
لكن أول ما شافني…
ابتسم لأول مرة من أسبوع.
وقال:
“سامحيني… كنت فاكر إن سكوتي هيحميكي.”
جريت عليه.
وانهرت في حضنه.
قلت وأنا بعيط:
“إحنا خسرنا ملك…”
قال والدموع في عينيه:
“عارف… وعمري ما هسامح نفسي.”
بعد أيام…
اتفتح تحقيق رسمي في الواقعة.
واتراجعت كل السجلات الطبية.
وتمت مراجعة تسجيلات الكاميرات والملفات الأصلية.
وأصبحت شهادة الدكتور سامح، وما احتفظت به الممرضة نهى، جزءًا من الأدلة.
أما نهى…
فضل مصيرها مجهولًا.
لكن الرسالة الأخيرة اللي كتبتها فضلت محفورة في قلبي:
«”الحقيقة ممكن تتأخر… لكنها لو لقت حد يتمسك بيها، عمرها ما تموت.”»
مرت شهور.
كنت كل أسبوع أزور قبر ملك.
أحط لعبتها المفضلة جنب الرخام الأبيض.
وأقعد أحكيلها عن كل خطوة أخدناها علشان حقها ما يضيعش.
وقفت يومها أبص للسما.
وقلت بهدوء:
“وعد يا ملك… اسمك هيفضل شاهد على الحقيقة.”
ولأول مرة من يوم رحيلها…
حسيت إن وجع قلبي لسه موجود…
لكن الخوف اختفى.
الفصل الأخير: رسالة من الماضي
عدّى ست شهور.
الحياة بدأت ترجع تتحرك…
لكن عمري ما رجعت زي الأول.
كل ركن في البيت كان بيفكرني بملك.
رسوماتها على الحيطة.
فستانها الوردي.
والدبدوب اللي كانت بتنام وهي حضناه.
أنا وكريم بدأنا نحاول نعيش من جديد.
مش لأن الوجع خلص…
لكن لأننا عرفنا إن ملك كانت هتزعل لو فضّلنا واقفين مكاننا.
وفي صباح هادي…
رن جرس البيت.
فتحت الباب.
لقيت ساعي البريد ماسك ظرف أبيض.
ماكانش عليه اسم المرسل.
دخلت فتحته.
كان فيه جواب بخط إيد الممرضة نهى.
إيدي اترعشت.
بدأت أقرأ.
“لو الرسالة دي وصلتك… يبقى أنا كنت مضطرة أختفي.”
“أنا بخير…
ومتخافيش عليا.”
“أنا عملت اللي كان لازم أعمله.”
“كنت عارفة إن حياتي هتتغير أول ما أديكي الفلاشة.”
دموعي نزلت.
كملت.
“لكن كل ده يهون…
لما افتكر إن ملك أخيرًا أخدت حقها.”
وفي آخر الجواب…
كان فيه ظرف صغير.
فتحته.
لقيت صورة.
الصورة كانت لملك.
مش في المستشفى…
لكن وهي بتضحك في حديقة المستشفى قبل ما تدخل قسم الطوارئ.
واضح إن واحدة من الممرضات صورتها وهي بتلعب ببالونة حمرا.
كانت آخر صورة ليها وهي مبتسمة.
حضنت الصورة على صدري.
وانهرت في البكاء.
دخل كريم.
شاف الصورة.
وقعد جنبي من غير كلام.
بعد دقائق قال:
“دي أول مرة أشوفها بتضحك بالشكل ده.”
ابتسمت وسط دموعي.
وقلت:
“يمكن كانت بتودعنا.”
بعد سنة كاملة…
قررنا نعمل حاجة باسمها.
أسسنا جمعية صغيرة تساعد الأطفال المرضى وأسرهم.
كنا بنوفر دعم نفسي.
ونساعد أي أسرة محتاجة تعرف حقوقها الطبية.
وعلّقنا صورة ملك عند مدخل الجمعية.
وتحتها عبارة واحدة:
“الحقيقة… بتنقذ أرواح.”
وفي يوم الافتتاح…
دخلت أم شابة شايلة بنتها الصغيرة.
كانت مرعوبة.
ومش عارفة تعمل إيه.
حضنتها.
وقلت لها:
“متقلقيش…
إحنا معاكي.”
في اللحظة دي…
حسيت إن ملك، رغم غيابها…
لسه بتغيّر حياة ناس كتير.
ويمكن…
ده كان أجمل انتصار بعد أصعب خسارة.
تمت.
