عدت الي المنزل حكـايـات أسمـا ×3
الفصل الرابع
تجمد أحمد في مكانه.
كل عضلة في جسده توقفت.
ويده ما زالت معلقة فوق الملف الأحمر.
أما قلبه…
فكان يضرب صدره بعنف حتى شعر أنه سيفضحه.
ببطء شديد…
استدار.
ليجد رجلاً يقف عند مدخل الغرفة السرية.
طويل القامة.
يرتدي بدلة سوداء.
ويمسك مسدسًا مزودًا بكاتم صوت.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن السلاح.
ولا النظرة الباردة.
بل الوجه.
لأن أحمد عرفه فورًا.
رغم مرور السنوات.
ورغم الشيب الذي ظهر في شعره.
ورغم الندبة الطويلة على خده.
همس أحمد بصوت مختنق:
“محمود…؟”
ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة.
وقال:
“وحشتني يا أخويا.”
شعر أحمد أن الأرض اختفت من تحت قدميه.
محمود.
أخوه الأكبر.
الميت منذ سبع سنوات.
يقف أمامه حيًا.
يتنفس.
ويتحدث.
ويمسك سلاحًا.
تراجع أحمد خطوة.
ثم أخرى.
وقال:
“إنت… إنت متّ.”
ضحك محمود ضحكة قصيرة.
بلا أي دفء.
“لا.”
“إحنا بس خلينا الناس تفتكر كده.”
دخلت ياسمين وكريم خلفه.
وكانت ملامحهما شاحبة.
فهم أحمد فورًا.
كلهم يعرفون.
كلهم مشتركون.
كلهم كانوا يكذبون عليه طوال تلك السنوات.
نظر إلى زوجته.
وقال بصوت مكسور:
“إنتِ كنتِ عارفة؟”
خفضت عينيها.
ولم تجب.
وكان صمتها أسوأ من أي اعتراف.
جلس أحمد بعد دقائق على كرسي معدني داخل الغرفة.
بينما وقف الثلاثة أمامه.
وكأنهم هيئة محكمة تصدر حكمًا.
قال محمود:
“دلوقتي بما إنك وصلت للحقيقة… يبقى لازم تعرف الباقي.”
رد أحمد بمرارة:
“متهيألي كفاية.”
لكن محمود تجاهله.
واتجه نحو الملف الأحمر.
وفتحه.
ثم ألقى أمامه عشرات الصور والمستندات.
وقال:
“كل حاجة بدأت من أبويا.”
رفع أحمد رأسه.
“أبويا مات من 12 سنة.”
ابتسم محمود.
“ودي أول كذبة صدقتها.”
شعر أحمد بالصدمة تتجدد.
ماذا يعني؟
أخرج محمود صورة قديمة.
كانت لوالدهما.
الحاج سليم الشاذلي.
أحد كبار رجال الأعمال في التسعينيات.
وقال:
“أبونا ما ماتش مفلس زي ما الناس فاكرة.”
“يعني؟”
“ساب ثروة ضخمة جدًا.”
عقد أحمد حاجبيه.
“الثروة كلها اتقسمت.”
هز محمود رأسه.
“جزء صغير منها بس.”
ثم أخرج خريطة قديمة.
وعقود ملكية.
وملفات شركات.
وحسابات خارجية.
وقال:
“في أصول اختفت قبل وفاته.”
“قد إيه؟”
نظر محمود إليه مباشرة.
ثم قال رقمًا جعل أحمد يحدق فيه غير مصدق.
“أكتر من أربعة مليارات جنيه.”
ساد الصمت.
حتى صوت أنفاسهم اختفى للحظة.
أربعة مليارات.
مبلغ كفيل بتغيير مصير عائلات كاملة.
قال أحمد:
“وده علاقته بإيه؟”
تنهد محمود.
ثم جلس أمامه.
وقال:
“علاقته إننا قضينا سنين بندور عليهم.”
بدأت القصة تتكشف قطعة قطعة.
قبل سنوات طويلة…
اكتشف محمود أن والده نقل جزءًا من ثروته إلى شبكة شركات سرية.
ثم أخفى مفاتيح الوصول إليها.
وترك خلفه سلسلة من الأدلة.
لكن قبل أن يتمكن من الوصول إلى الحقيقة…
وصل أشخاص آخرون إليها.
مستثمرون فاسدون.
شركاء قدامى.
رجال أعمال.
سياسيون.
أشخاص مستعدون للقتل مقابل المال.
عندها…
اختفى محمود.
وزيف موته.
ودخل العالم السري الذي عاش فيه طوال السنوات الماضية.
قال أحمد:
“طب وياسمين؟”
نظر محمود إليها.
ثم قال:
“كانت جزء من العملية.”
نظر إليها أحمد بصدمة.
أما هي فبدت وكأنها على وشك البكاء.
قالت أخيرًا:
“في الأول كنت بساعدهم بس.”
“بساعدهم إزاي؟”
“أراقب.”
“أراقب مين؟”
صمتت.
ثم قالت:
“أنت.”
شعر أحمد وكأن أحدهم لكمه في صدره.
“أنا؟”
هزت رأسها.
والدموع بدأت تنزل من عينيها.
“اتجوزتك بأوامر منهم.”
ساد صمت ثقيل.
صمت مؤلم.
صمت كفيل بتحطيم إنسان.
قال أحمد ببطء:
“إنتِ متجوزاني عشان تراقبيني؟”
لم تستطع الرد.
فاكتفى بالصمت.
وكان صمتها اعترافًا جديدًا.
لكن المفاجأة التالية كانت أكثر قسوة.
فتح محمود درجًا صغيرًا.
وأخرج ظرفًا أصفر قديمًا.
ثم دفعه نحو أحمد.
وقال:
“افتح.”
فتح أحمد الظرف.
وأخرج ورقة مطوية.
وبمجرد أن رأى الخط…
عرفه فورًا.
كان خط والده.
بدأ يقرأ.
ومع كل سطر كانت عيناه تتسعان أكثر.
كانت الرسالة مكتوبة قبل وفاة والده بأيام.
وتحتوي على وصية سرية.
وفي نهايتها جملة واحدة فقط.
جملة قلبت كل شيء.
جملة جعلت محمود نفسه يخفض عينيه.
كان مكتوبًا:
“الثروة الحقيقية لا تؤول إلى محمود ولا إلى أي شريك أو وريث مباشر… بل إلى حفيدي الأول فقط.”
رفع أحمد رأسه.
وقال:
“حفيده الأول؟”
أومأ محمود.
“أيوه.”
“بس أنا ما عنديش أولاد.”
هنا…
نظر محمود إلى ياسمين.
ونظر كريم إلى الأرض.
وشعر أحمد بالخطر قبل أن يتكلم أحد.
قال محمود ببطء:
“وده السر اللي كانوا مخبيينه عنك.”
بدأ قلب أحمد يخفق بقوة.
ثم سأل:
“إيه السر؟”
اقترب محمود خطوة.
وقال:
“إنت عندك ابن يا أحمد.”
توقف الزمن.
حرفيًا.
شعر وكأن الهواء اختفى من الغرفة.
“إيه؟”
“عندك ابن.”
“مستحيل.”
لكن محمود أكمل.
“عنده خمس سنين.”
التفت أحمد نحو ياسمين.
ووجهه شاحب كالموت.
أما هي…
فانفجرت بالبكاء.
وعرف أحمد الحقيقة قبل أن تنطق.
الحقيقة التي كانت مخفية طوال سنوات زواجه.
الحقيقة التي ستقلب حياته رأسًا على عقب.
قال بصوت مرتجف:
“الولد… ابني أنا؟”
وأغمضت ياسمين عينيها.
ثم همست:
“أيوه.”
يتبع…
