كليتي حكـايـات روماني×2
الفصل الثاني
دخلت البنت بخطوات مترددة.
كانت في أواخر العشرينات.
أنيقة.
لكن ملامحها كانت متوترة بشكل واضح.
أول ما شافت سامح…
وقفت مكانها.
أما هو…
فشحب وجهه فجأة.
وقال:
“إنتِ بتعملي إيه هنا؟”
—
تبادلت أنا وحماتي النظرات.
وعرفنا فورًا.
دي هي.
الست اللي كان مستعد يهد بيته كله عشانها.
—
لكن الغريب…
إن البنت ما جريتش عليه.
ولا حضنته.
ولا حتى ابتسمت له.
بل قالت ببرود:
“أنا جاية أقول الحقيقة.”
تجمد سامح.
وقال بعصبية:
“مش وقته الكلام ده.”
لكنها هزت رأسها.
وقالت:
“بالعكس.”
“ده أنسب وقت.”
—
ثم أخرجت ملفًا من شنطتها.
ووضعته فوق الطاولة.
وقالت:
“أنا خلاص مش قادرة أكمل الكدبة دي.”
سادت الأوضة حالة من الصمت.
أما سامح…
فبدأ القلق يظهر على وجهه بشكل واضح.
—
قالت البنت:
“أنا اسمي ندى.”
ثم بصت ناحيتي.
وأضافت:
“وأول حاجة لازم تعرفيها…”
“إن سامح عمره ما قال لي إنه متجوز ست بالشكل ده.”
اتسعت عيناي.
أما حماتي…
فجلست على الكرسي ببطء.
—
أكملت ندى:
“كان بيقول إنكم منفصلين من سنين.”
“وإن الطلاق مجرد وقت.”
“وإن مفيش بينكم أي علاقة.”
نظرت إلى سامح.
فوجدته عاجزًا عن الرد.
—
ثم فتحت الملف.
وأخرجت مجموعة أوراق.
وقالت:
“بس ده مش السبب اللي جايباني عشانه.”
—
شعرت بشيء ثقيل يهبط في معدتي.
لأن نبرتها كانت مختلفة.
خطيرة.
—
مدت أول ورقة ناحية حماتي.
وقالت:
“حضرتك فاكرة لما الدكتور قال إن حالتك اتدهورت فجأة السنة اللي فاتت؟”
هزت حماتي رأسها.
—
قالت ندى:
“أنا كنت بشتغل وقتها في شركة التأمين اللي بتتعامل مع المستشفى.”
“وبالصدفة شفت ملف حضرتك.”
ثم نظرت إلى سامح.
وأكملت:
“وشفت حاجة غريبة جدًا.”
—
بدأ العرق يظهر على جبين سامح.
وقال بسرعة:
“كفاية.”
لكن ندى لم تتوقف.
—
رفعت ورقة من الملف.
وقالت:
“التحليل الأول كان بيقول إن في أكتر من متبرع محتمل.”
“وفيه متبرعين حالتهم الصحية أفضل.”
“لكن سامح رفض كل الأسماء.”
—
شعرت حماتي بالصدمة.
وقالت:
“رفض؟”
—
أومأت ندى.
ثم أشارت ناحيتي.
وقالت:
“وأصر إن الاختيار يكون هي.”
—
تجمدت في مكاني.
أما حماتي…
فحدقت في ابنها وكأنها تراه لأول مرة.
—
لكن الصدمة الأكبر كانت ما زالت قادمة.
لأن ندى أخرجت آخر ورقة.
وقالت:
“في نفس الوقت تقريبًا…”
“كان سامح مقدم بالفعل على شقة جديدة.”
“ومسجل فيها اسمي.”
—
سقطت الورقة من يد حماتي.
—
وقالت ندى والدموع في عينيها:
“كان مخطط يطلق مراته أول ما العملية تنجح.”
“وينقل يعيش معايا.”
“وأمه كانت هتفضل عايشة…”
ثم نظرت إليّ.
“…بفضل الكلية اللي أخدها من مراته.”
—
لأول مرة…
رأيت حماتي ترفع يدها.
وصفعت سامح على وجهه.
صفعة قوية دوّت في الغرفة كلها.
—
صرخت فيه:
“أنا كنت هموت؟!”
“والبنت دي أنقذت حياتي؟!”
وأشارت نحوي.
“وإنت كنت بتخطط ترميها بعدها؟!”
—
لم يرد.
لم يستطع.
لأن الحقيقة كانت واضحة أمام الجميع.
—
أما ندى…
فأخذت حقيبتها.
وقالت:
“أنا جيت عشان ضميري.”
“وأهو عرفتوا الحقيقة.”
ثم غادرت.
وتركت سامح واقفًا وسط الخراب اللي بناه بنفسه.
—
لكن ما لم يكن يعرفه…
أن الكارثة الحقيقية لم تبدأ بعد.
لأن هاتفه رن في نفس اللحظة.
وكان المتصل…
مدير الشركة التي يعمل بها.
يتبع…الفصل الثالث
رن هاتف سامح.
نظر إلى الشاشة.
ثم اختفى آخر لون متبقٍ في وجهه.
كان اسم مديره ظاهرًا بوضوح.
—
رد بسرعة.
وحاول أن يبدو طبيعيًا.
“ألو يا فندم.”
لكن ملامحه بدأت تتغير مع كل ثانية.
حتى نزل الهاتف ببطء من على أذنه.
—
سألته حماته بغضب:
“في إيه؟”
لم يرد.
فصرخت:
“انطق!”
—
رفع عينيه ببطء.
وقال بصوت مبحوح:
“الشركة…”
ثم ابتلع ريقه.
“…فصلتني.”
ساد الصمت.
—
قبل ساعات فقط…
كان يعتقد أنه سيتخلص من زوجته.
ويبدأ حياة جديدة.
والآن…
خسر زوجته.
وخسر عشيقته.
وخسر أمه.
وخسر عمله.
في يوم واحد.
—
قالت حماته بمرارة:
“تستاهل.”
ثم نظرت ناحيتي.
وأمسكت يدي.
وقالت:
“سامحيني يا بنتي.”
—
شعرت بالصدمة.
لأنها أول مرة تقولها.
أول مرة منذ زواجي بها.
—
انفجرت في البكاء.
وقالت:
“أنا كنت فاكرة إني ربيت راجل.”
“طلع أناني.”
“وفاكر إن الناس أدوات.”
—
أما سامح…
فجلس على الكرسي.
وكأنه كبر عشرين سنة في ساعة واحدة.
—
بعد أسبوعين…
خرجت من المستشفى.
وجسمي ما زال ضعيفًا.
لكن روحي كانت أقوى من أي وقت مضى.
—
عدت إلى بيت أهلي.
ورفضت العودة إلى سامح.
ورفضت الرد على اتصالاته.
ورسائله.
واعتذاراته.
—
لم أكن أكرهه.
لكن شيئًا انكسر داخلي.
شيئًا لا يعود كما كان.
—
مرت الشهور.
وبدأت أتعافى تدريجيًا.
وأصبحت أتابع حالتي الصحية بانتظام.
والحمد لله…
كانت النتائج مطمئنة.
—
أما سامح…
فكان يحاول الوصول إليّ بكل الطرق.
أرسل رسائل.
وأرسل أقاربه.
وحاول مقابلة أبي.
لكن الجميع كان يسمع منه الجملة نفسها:
“أنا غلطت.”
—
وفي يوم من الأيام…
طلب مقابلتي.
ولأول مرة وافقت.
—
جلس أمامي في أحد المكاتب الخاصة بالمحامي.
بدا مختلفًا.
أنحف.
وأهدأ.
وأقل غرورًا.
—
قال بصوت منخفض:
“أنا عارف إني ما استحقش فرصة.”
“وعارف إن اللي عملته عمره ما يتبرر.”
ثم أخرج أوراقًا من حقيبته.
ووضعها أمامي.
—
نظرت إليها باستغراب.
وسألته:
“إيه ده؟”
قال:
“شقتي.”
“وعربيتي.”
“ونصيبي في الأرض.”
ثم أكمل:
“كل ده اتنقل باسمك.”
—
تجمدت في مكاني.
—
قال:
“ده مش تمن اللي عملتيه.”
“ولا هيعوضك.”
“بس أقل حاجة أقدر أعملها.”
—
ظللت أنظر إليه.
ثم قلت:
“فاكر المشكلة كانت الفلوس؟”
خفض رأسه.
—
فأكملت:
“أنا فقدت ثقتي فيك يوم ما كنت نايمة على سرير العمليات.”
“وأنت بتجهز ورق الطلاق.”
—
بدأت الدموع تنزل من عينيه.
لكن الوقت كان قد تأخر.
—
بعد سنة كاملة…
صدر حكم الطلاق رسميًا.
وانتهت القصة قانونيًا.
لكن الحياة لم تنتهِ.
—
عدت للدراسة التي كنت قد تركتها بعد الزواج.
وأكملت تدريبي.
ثم بدأت العمل.
وبنيت حياة جديدة لنفسي.
حياة لم أكن أظن أنني قادرة عليها.
—
أما حماتي…
فبقيت تزورني باستمرار.
ورغم كل ما حدث…
كانت تقول دائمًا:
“أنا عايشة بسببك.”
—
وفي أحد الأيام…
كنت خارجة من المستشفى بعد مراجعة دورية.
فسمعت أحدهم يناديني.
استدرت.
فوجدت سامح.
واقفًا بعيدًا.
—
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال:
“عاملة إيه؟”
قلت:
“الحمد لله.”
—
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال:
“أنا كل يوم بصحى ندمان.”
نظرت إليه.
ثم قلت بهدوء:
“الندم مش دايمًا بيرجع اللي ضاع.”
—
أومأ برأسه.
لأنه كان يعرف ذلك جيدًا.
—
استدرت لأكمل طريقي.
لكن قبل أن أبتعد…
سمعته يقول:
“شكرًا.”
—
توقفت.
وسألته:
“على إيه؟”
—
قال والدموع في عينيه:
“إنك أنقذتي أمي.”
“رغم إني ما استاهلتش.”
—
نظرت إليه للحظة.
ثم أكملت طريقي.
لأن بعض القصص لا تنتهي بعودة الأحبة.
بل تنتهي عندما يعرف الإنسان قيمته…
ويرفض أن يسمح لأحد بإهانتها مرة أخرى.
يتبع
