قبر ابي حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الرابع
تجمدت في مكاني.
لم أتحرك.
لم أرمش.
حتى أنني نسيت كيف أتنفس.
الرجل الواقف أمامي كان نسخة من والدي.
أكبر قليلًا.
أكثر إرهاقًا.
لكن الملامح نفسها.
الصوت نفسه.
والنظرة نفسها.
شعرت وكأن الزمن توقف.
قلت أخيرًا:
“أنت… مراد؟”
ابتسم ابتسامة حزينة.
وأومأ برأسه.
“أيوه.”
“وأبوك محمود أخويا.”
حدقت فيه طويلًا.
ثم خرج السؤال من فمي دون تفكير:
“أبويا فين؟”
اختفت الابتسامة.
ونظر إلى الأرض لثوانٍ.
ثم قال:
“لسه عايش.”
شعرت بأن ركبتي كادتا تخوناني.
“يعني إيه عايش؟”
“إنت كنت في جنازته النهاردة.”
“دفناه بإيدينا.”
تنهد مراد ببطء.
ثم اقترب خطوة.
وقال:
“اللي اتدفن النهاردة مش أبوك.”
ساد الصمت.
صمت ثقيل لدرجة أنني سمعت دقات قلبي.
“مستحيل.”
قالها عقلي قبل لساني.
لكن مراد لم يتراجع.
بل فتح حقيبة جلدية كان يحملها.
وأخرج جهازًا لوحيًا صغيرًا.
ضغط عدة أزرار.
ثم أدار الشاشة نحوي.
ظهرت صورة كاميرا مراقبة.
تاريخها يعود إلى الليلة السابقة للوفاة.
كان والدي يجلس داخل غرفة تشبه مكتبًا قديمًا.
ينظر مباشرة إلى الكاميرا.
ثم بدأ يتحدث.
“لو كريم بيشوف الفيديو ده…”
توقفت أنفاسي.
كان أبي.
بكل وضوح.
لا يمكن أن يكون شخصًا آخر.
قال في التسجيل:
“معنى كده إن الخطة نجحت.”
“وإنهم صدقوا إني مت.”
“اسمعني كويس يا ابني.”
“الوقت بقى قليل.”
ارتجفت أصابعي.
وأنا أتابع كلماته.
“العيلة كلها في خطر.”
“وأنت أكتر واحد.”
ثم توقف التسجيل لثانية.
وكأنه كان يبحث عن الكلمات المناسبة.
وأكمل:
“لأن الحاجة اللي بيدوروا عليها بقت عندك أنت.”
تجمدت.
“عندي أنا؟”
نظرت إلى مراد.
لكنه لم يرد.
وكانت عيناه مثبتتين على الشاشة.
أكمل والدي:
“المفتاح الحقيقي مش المفتاح النحاسي.”
“المفتاح الحقيقي…”
“هو أنت.”
ثم انتهى التسجيل.
وانطفأت الشاشة.
—
جلست على الكرسي كأن أحدهم سحب القوة من جسدي.
كل شيء أصبح أكثر غموضًا.
لا أقل.
قلت بصوت مبحوح:
“إيه معنى الكلام ده؟”
جلس مراد أمامي.
وأخذ نفسًا طويلًا.
ثم قال:
“قبل خمسة وعشرين سنة…”
“أنا وأبوك اكتشفنا ملف.”
“ملف لو اتفتح هيسقط ناس كتير.”
رفعت رأسي.
“أي ملف؟”
“دليل فساد.”
“حسابات.”
“أسماء.”
“تحويلات.”
“جرائم.”
“كل حاجة.”
ثم أكمل:
“كان المفروض نسلمه للجهات المختصة.”
“لكن قبل ما نعمل ده…”
“الناس اللي الملف بيدينهم عرفوا.”
شعرت بالبرودة تسري في جسدي.
“وبعدين؟”
ابتسم مراد بمرارة.
“بدأت المطاردة.”
—
على مدار الساعات التالية…
روى لي كل شيء.
كيف تعرضوا للتهديد.
وكيف قُ/تل أشخاص حاولوا مساعدتهم.
وكيف اضطر هو للاختفاء.
وكيف عاش والدي سنوات طويلة يتظاهر بأنه استسلم.
بينما كان يحمي السر.
لكن المفاجأة الكبرى جاءت في النهاية.
قال مراد:
“الملف الأصلي اختفى.”
رمشت.
“اختفى؟”
“أيوه.”
“من عشرين سنة.”
“ومحدش عرف مكانه.”
تنفست ببطء.
ثم قلت:
“يبقى ليه لسه بيطاردوكم؟”
نظر إلي مباشرة.
ثم قال:
“لأنهم مقتنعين إن محمود خبّاه.”
“ولأنهم مقتنعين إنه ورث مكانه ليك.”
في اللحظة نفسها…
رن هاتف مراد.
نظر إلى الشاشة.
واختفى اللون من وجهه.
أجاب فورًا.
استمع لثوانٍ.
ثم أغلق الخط.
ونهض بسرعة.
قلت:
“في إيه؟”
نظر إلي.
وكان الخوف ظاهرًا لأول مرة في عينيه.
قال:
“لازم نمشي حالًا.”
“ليه؟”
أجاب بصوت منخفض:
“لأنهم لقوك.”
شعرت بمعدتي تنقبض.
“مين؟”
لكنني حصلت على الإجابة في اللحظة التالية.
عندما دوى انفجار هائل خارج المخزن.
اهتزت الجدران.
وتحطم الزجاج.
وانطفأت الأنوار.
ثم تبع الانفجار صوت محركات عديدة.
توقفت سيارات أمام المخزن.
الكثير من السيارات.
أكثر مما ينبغي.
نظر مراد نحو الباب.
ثم عاد ينظر إلي.
وقال جملة واحدة فقط:
“هما وصلوا.”
وفي الخارج…
بدأ شخص ما يطرق الباب الحديدي ببطء.
ثلاث طرقات.
ثم ثلاث أخرى.
ثم صوت رجل هادئ قال:
“افتح يا كريم.”
“إحنا جايين ناخد الحاجة اللي أبوك خبّاها.”
لكن المشكلة كانت أن كريم نفسه…
لم يكن يعرف ما هي تلك الحاجة أصلًا.
الفصل الخامس
تردد صوت الطرقات المعدنية داخل المخزن.
مرة.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
وكان مع كل ضربة يزداد التوتر في المكان.
وقفت أنظر إلى الباب الحديدي الضخم.
بينما كان مراد يتحرك بسرعة نحو الخزانة الخلفية.
فتحها.
وأخرج حقيبة سوداء صغيرة.
ثم التفت نحوي.
وقال:
“اسمعني كويس.”
“معندناش وقت.”
سألته:
“مين الناس دي؟”
أجاب وهو يغلق الحقيبة:
“الناس اللي دمرت حياة عيلتنا.”
ثم أضاف:
“واللي مستعدة تق*تل أي حد يقف في طريقها.”
في الخارج دوى صوت ارتطام قوي.
واهتز الباب.
بدأوا يحاولون اقتحامه.
شعرت بأنفاسي تتسارع.
لكن سؤالًا واحدًا ظل يطاردني.
“إيه الحاجة اللي بيدوروا عليها؟”
نظر إلي مراد طويلًا.
ثم قال:
“مش حاجة.”
“شخص.”
تجمدت.
“يعني إيه؟”
اقترب مني.
ووضع يده على كتفي.
وقال:
“أبوك كان صادق.”
“المفتاح الحقيقي هو أنت.”
—
لم أفهم.
أو ربما رفض عقلي أن يفهم.
لكن مراد لم يمنحني فرصة للاعتراض.
فتح الحقيبة.
وأخرج ملفًا أصفر قديمًا.
ثم سلمني صورة.
كانت صورة لطفل صغير.
في الرابعة أو الخامسة من عمره.
احتجت ثانية لأدرك أنه أنا.
لكن لم أكن وحدي.
كان بجانبي رجل لا أعرفه.
رجل أنيق.
خلفه أعلام وشعارات رسمية.
قلبت الصورة.
وكان مكتوبًا خلفها:
“برنامج الحماية – 2001”
نظرت إلى مراد.
“إيه ده؟”
تنهد ببطء.
ثم قال:
“إنت مش ابن محمود البيولوجي.”
شعرت وكأن الأرض اختفت من تحتي.
“إيه؟”
قالها لساني بصعوبة.
لكن مراد أكمل:
“محمود هو أبوك في كل حاجة مهمة.”
“هو اللي رباك.”
“وحماك.”
“وحبك.”
“لكن الحقيقة…”
توقف للحظة.
ثم قال:
“إنت ابن شخص تاني.”
—
في الخارج…
دوى انفجار جديد.
وتصدع جزء من الباب.
لكنني بالكاد سمعته.
كل تركيزي كان على الكلمات التي خرجت من فم مراد.
“مستحيل.”
هز رأسه.
“للأسف حقيقي.”
فتح الملف.
وأخرج شهادة ميلاد.
ثم أوراق تبنٍ قانونية.
ثم تقارير حكومية قديمة.
كلها تحمل اسمي.
وكلها تثبت الشيء نفسه.
كنت طفلًا وُضع تحت برنامج حماية خاص.
ثم اختفيت رسميًا من السجلات.
وأصبحت ابن محمود السيوفي.
قلت بصوت مرتجف:
“ليه؟”
هنا تغير وجه مراد.
وأجاب:
“لأن والدك الحقيقي كان شاهدًا ضد أخطر شبكة فساد في البلد.”
“ولأنه قُتل بعدها بأسابيع.”
ارتجفت يداي.
بينما واصل:
“لكن قبل موته ترك نسخة من الأدلة.”
“والنسخة اختفت.”
“ومن يومها وهم بيبحثون عنها.”
رفعت رأسي ببطء.
وفجأة بدأت أفهم.
كل شيء.
المطاردة.
التهديدات.
وفاة أبي المزيفة.
كلها تدور حول ملف واحد.
أدلة مفقودة.
قال مراد:
“المشكلة إنهم مقتنعين إن والدك الحقيقي خبّى الأدلة مع ابنه.”
“يعني معايا أنا؟”
أومأ.
“أيوة.”
—
في اللحظة نفسها…
انهار جزء من الباب.
ودخل أول رجل.
ثم ثانٍ.
ثم ثالث.
كلهم يرتدون ملابس سوداء.
ومسلحين.
أمسك مراد بذراعي.
وسحبني نحو باب خلفي ضيق.
“يلا.”
ركضنا.
خلف المخزن.
عبر ممر ضيق.
ثم خرجنا إلى ساحة ترابية واسعة.
كانت هناك سيارة تنتظر.
قفزنا داخلها.
وانطلقت بأقصى سرعة.
وبعد دقائق…
بدأت سيارات أخرى تلاحقنا.
واحدة.
ثم اثنتان.
ثم أربع.
قال السائق:
“ورانا.”
نظر مراد للخلف.
ثم أغلق عينيه للحظة.
كأنه اتخذ قرارًا صعبًا.
بعدها أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا.
وسلمني إياه.
قلت:
“إيه ده؟”
أجاب:
“الحقيقة كلها.”
“لو حصل لي حاجة افتحه.”
شعرت بالخوف لأول مرة عليه.
“مش هيحصل حاجة.”
ابتسم.
لكنها كانت ابتسامة حزينة.
وقال:
“أبوك كان عارف إن اليوم ده هييجي.”
—
فجأة…
اصطدمت إحدى السيارات بنا من الخلف.
بقوة.
فانحرفت السيارة.
وصرخ السائق.
ثم عاد للسيطرة عليها.
لكن سيارة ثانية اقتربت.
وثالثة.
ورابعة.
أصبحوا يطوقوننا.
كان واضحًا أنهم لا يريدوننا أحياء.
وفجأة…
نظر مراد إلى المرآة.
ثم إليّ.
وقال:
“افتح الظرف دلوقتي.”
مزقته بسرعة.
وأخرجت الورقة الوحيدة بداخله.
وبمجرد أن قرأت السطر الأول…
شعرت بأن قلبي توقف.
لأن الرسالة لم تكن من مراد.
ولا من والدي محمود.
بل من والدي الحقيقي.
رجل مات منذ أكثر من عشرين عامًا.
وكانت أول جملة كتبها:
“إذا وصلت هذه الرسالة إليك يا كريم…”
“فاعلم أن الأدلة ليست مخبأة في مكان.”
“بل مزروعة داخل شيء تملكه منذ طفولتك.”
ثم جاءت الجملة التالية.
الجملة التي غيرت كل شيء.
“ابحث داخل الساعة التي أعطاها لك والدك يوم عيد ميلادك العاشر.”
رفعت رأسي فجأة.
وشعرت بالصدمة.
لأن تلك الساعة…
كانت ما تزال في منزلي.
في درج غرفتي.
المنزل الذي حذرني الجميع من العودة إليه.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف مراد.
نظر إلى الشاشة.
ثم ابتسم لأول مرة منذ أن رأيته.
وقال:
“محمود.”
تجمدت.
“إيه؟”
رفع الهاتف.
ووضعه على مكبر الصوت.
ثم جاءني الصوت الذي ظننت أنني ودعته إلى الأبد.
صوت أبي.
حيًا.
واضحًا.
وقال:
“متخافش يا ابني…”
“أنا جاي آخدك بنفسي.”
