في شهري الثامن حكـايـات أسمـا ×3
في صباح يوم الجمعة التالي، كنت أرتب بعض الملابس في غرفتي عندما رن هاتفي.
نظرت إلى الشاشة.
كان رقمًا مجهولًا.
ترددت للحظة ثم أجبت.
ــ ألو؟
جاءني صوت امرأة لا أعرفها.
صوتها كان متوترًا.
وقالت مباشرة:
ــ حضرتك سارة؟
ــ أيوة.
ساد صمت قصير.
ثم قالت:
ــ أنا آسفة جدًا إني بكلمك بالشكل ده.
ــ بس لازم أقابلك.
عقدت حاجبي باستغراب.
ــ مين حضرتك؟
جاء الرد الذي جعل الدم يتجمد في عروقي.
ــ أنا خطيبة أحمد.
سقط القميص من يدي.
وشعرت وكأن السنوات الثلاث الماضية اختفت فجأة.
قلت ببطء:
ــ خطيبة مين؟
ــ أحمد… طليقك.
ظللت صامتة.
غير قادرة على استيعاب ما أسمعه.
ثم سألتها:
ــ وإنتِ عايزة مني إيه؟
ردت بسرعة:
ــ أرجوكي متقفليش السكة.
ــ أنا محتاجة أتكلم معاكي.
ــ ضروري جدًا.
حاولت أن أفهم.
ــ بخصوص إيه؟
لكنها قالت شيئًا غريبًا.
ــ بخصوص السبب الحقيقي اللي خلاه يعمل اللي عمله فيكي.
توقفت أنفاسي للحظة.
لأنني ظننت أنني أعرف كل شيء بالفعل.
كنت أعتقد أن أحمد كان أنانيًا.
قاسيًا.
مؤذيًا.
وهذا كل شيء.
لكن نبرة المرأة أوحت بأن هناك شيئًا آخر.
شيئًا أكبر.
بعد ساعة كنت أجلس في مقهى هادئ.
ودخلت امرأة في أوائل الثلاثينات.
ملامحها شاحبة.
وعيناها متعبتان.
اقتربت مني وجلست.
قالت:
ــ أنا اسمي مريم.
ثم أخرجت صورة من حقيبتها.
وضعتها أمامي.
كانت صورة لها مع أحمد.
واضح أنها حديثة.
شعرت بانقباض في صدري.
لكن ليس غيرة.
ولا حزنًا.
فقط ذكريات قديمة لا أكثر.
قالت مريم:
ــ أنا مخطوبة لأحمد من سبعة شهور.
ــ وكنا هنكتب الكتاب الشهر الجاي.
سألتها بهدوء:
ــ وإيه علاقتي بالموضوع؟
ابتلعت ريقها.
ثم قالت:
ــ لأنه لغى الفرح.
ــ وسابني.
حدقت فيها.
ــ وسابك؟
هزت رأسها.
ــ وقال إنه ميستحقش يبدأ حياة جديدة.
ــ لأنه مش قادر ينسى اللي عمله فيكي.
صمتُّ.
تمامًا.
كانت آخر جملة أتوقع سماعها.
قالت مريم وهي تمسح دمعة:
ــ في الأول افتكرت إنه بيتهرب.
ــ لكن بعدها اكتشفت إنه بيروح لطبيب نفسي من سنتين.
ــ وعرفت إن حياته كلها وقفت بعد اليوم اللي سابك فيه على الطريق.
لم أرد.
لأنني لم أعرف ماذا أقول.
أكملت:
ــ أنا مش جاية أطلب منك ترجعيله.
ــ ولا أسامحيه.
ــ ولا أي حاجة.
ــ أنا بس جاية أفهم.
ــ هو كل يوم بيصحى من النوم على كابوس واحد.
ــ بيشوفك واقفة في الشارع لوحدك.
ــ وبيشوف نفسه وهو سايبك ومشي.
شعرت بشيء ثقيل يتحرك داخل صدري.
ليس حبًا.
ولا شفقة.
بل إنسانية.
لأنني فجأة أدركت أن العقاب لم ينتهِ يومها.
بل استمر سنوات.
قالت مريم:
ــ أنا حاولت أساعده.
ــ بس هو مقتنع إنه دمر حياة إنسانة كانت بتحبه.
ثم أخرجت ورقة مطوية من حقيبتها.
وقالت:
ــ دي رسالة كتبها.
ــ وكان ناوي يبعتهالك.
ــ لكنه عمره ما بعتها.
نظرت إلى الورقة.
ثم إليها.
وسألت:
ــ ليه بتديهالي؟
قالت:
ــ لأننا انتهينا.
ــ وأنا حاسة إن الرسالة دي المفروض توصلك.
أخذت الورقة.
لكنني لم أفتحها.
عدت إلى البيت وأنا شاردة.
ولأول مرة منذ سنوات عاد أحمد إلى أفكاري بطريقة مختلفة.
ليس كرجل ظلمني.
بل كرجل دمّر نفسه بنفسه.
في المساء.
بعد أن نام آدم.
جلست وحدي في الشرفة.
وأخرجت الرسالة.
كانت مكتوبة بخط يده.
بدأت أقرأ.
“سارة…
لو بتقري الرسالة دي يبقى أخيرًا لقيت شجاعة أواجه الحقيقة.
أنا عارف إن الاعتذار مش هيصلح حاجة.
وعارف إن مفيش كلام ممكن يمحي اليوم اللي سبتك فيه لوحدك.
أنا بس عايزك تعرفي حاجة واحدة.
اليوم ده دمّر حياتك لفترة.
لكنه دمّر حياتي للأبد.
أنا صحيت بعدها كل يوم وأنا شايف نفسي شخص حقير.
وكل مرة أشوف آدم أحس بفرحة إنه بخير…
وألم إني كنت السبب في كل اللي حصل.
أنا مش بطلب غفران.
ولا فرصة.
ولا حتى رد.
أنا بس بطلب منك تعيشي سعيدة.
لأنك تستحقي ده.
وأتمنى إن ابننا لما يكبر…
يعرف إن أمه كانت أقوى إنسانة قابلتها في حياتي.”
انتهت الرسالة.
وبقيت جالسة في الظلام.
أنظر إلى الكلمات.
ثم أغلقت الورقة ببطء.
وفي تلك اللحظة خرج أبي إلى الشرفة.
جلس بجواري.
ونظر إلى وجهي.
ثم قال:
ــ الرسالة وصلت؟
نظرت إليه بدهشة.
فابتسم.
ــ أحمد جه النهارده.
ــ قابلني قبل ما يروح.
شعرت بالصدمة.
ــ قابلك؟
هز رأسه.
ــ أيوة.
ــ وكان شكله تعبان قوي.
صمت قليلًا ثم قال:
ــ طلب مني أسامحه.
انقبض قلبي.
ــ وإنت عملت إيه؟
نظر أبي إلى السماء.
ثم قال:
ــ قلتله حاجة واحدة.
ــ قلتله إن المسامحة مش معناها النسيان.
ــ ومش معناها الرجوع.
ــ لكن معناها إن الإنسان يتعلم من غلطه.
سكت لحظة.
ثم وضع يده على كتفي.
وقال:
ــ السؤال المهم دلوقتي يا سارة…
ــ إنتِ سامحتي؟
ظللت صامتة.
أنظر إلى النجوم البعيدة.
وأفكر في كل شيء.
في الألم.
وفي الخوف.
وفي الطريق.
وفي المستشفى.
وفي السنوات التي مرت.
ثم همست أخيرًا:
ــ أيوة يا بابا…
ــ سامحت.
ــ بس عمري ما هرجع.
ابتسم أبي.
وربت على يدي.
بينما كنت أشعر للمرة الأولى…
أن آخر قيد يربطني بالماضي قد انكسر أخيرًا.
لكنني لم أكن أعلم أن القدر كان يجهز لاختبار جديد…
اختبار سيضع أحمد، وكريم، وأنا، في مواجهة لم يتوقعها أي منا.
مرّت أسابيع بعد تلك الليلة.
أسابيع هادئة.
أغلقت خلالها صفحة أحمد أخيرًا داخل قلبي.
لم يعد هناك غضب.
ولا حزن.
ولا حتى أسئلة.
مجرد فصل انتهى.
أما كريم…
فقد أصبح جزءًا طبيعيًا من أيامي.
لم يكن يقتحم حياتي.
ولم يحاول التقرب بطريقة تزعجني.
كان فقط موجودًا.
بهدوء.
باحترام.
وبمسافة آمنة تجعلني أشعر بالراحة.
أحيانًا نتبادل الحديث أثناء انتظار الأطفال.
وأحيانًا نجلس جميعًا في الحديقة.
آدم وليان يلعبان.
ونحن نراقبهما من بعيد.
وفي كل مرة كنت أكتشف شيئًا جديدًا عنه.
كان صبورًا.
هادئًا.
ويستمع أكثر مما يتكلم.
وهي صفات لم أعد معتادة عليها.
في أحد الأيام كانت السماء ملبدة بالغيوم.
وكان الأطفال يشاركون في نشاط بالحضانة.
فجلسنا في الكافتيريا الصغيرة المجاورة.
وبينما كنا نتحدث رن هاتف كريم.
نظر إلى الشاشة.
ثم تغير وجهه فجأة.
وقف بسرعة.
وقال:
ــ لازم أمشي حالًا.
ــ ليان وقعت في الفصل.
ركضنا معًا نحو المبنى.
وعندما وصلنا وجدنا ليان تبكي.
وركبتها تنزف قليلًا.
فجثا كريم أمامها فورًا.
وحملها بين ذراعيه.
وقال وهو يقبل رأسها:
ــ خلاص يا قلب بابا.
ــ بابا هنا.
هدأت الطفلة فورًا.
واختبأت داخل حضنه.
بينما كنت أقف أنظر إليهما.
وشعرت بشيء غريب.
شيء يشبه الدفء.
ليس لأنه أب مثالي.
بل لأنني رأيت لأول مرة كيف يبدو الأمان الحقيقي.
في تلك اللحظة أمسك آدم بيدي.
وسألني:
ــ ماما؟
ــ ليه ليان عندها بابا وأنا لا؟
تجمدت في مكاني.
لأن السؤال جاء فجأة.
وببراءة قاتلة.
انحنيت نحوه.
ــ عندك بابا يا حبيبي.
ــ بس مش عايش معانا.
فكر قليلًا.
ثم قال:
ــ طب هو بيحبني؟
شعرت بغصة في حلقي.
لكنني ابتسمت.
ــ أيوة.
ــ بيحبك جدًا.
لم أعرف أن كريم سمع الحوار كله.
ولم يعلّق بكلمة.
لكن في طريق العودة إلى البيت قال بهدوء:
ــ الأطفال بيشوفوا الحب بالأفعال.
ــ مش بالكلام.
ثم ابتسم لآدم.
وأضاف:
ــ وعشان كده أنت محظوظ.
ــ لأن عندك أم بتحارب الدنيا كلها عشانك.
احمر وجهي.
بينما ضحك آدم بفخر.
ومضى اليوم.
لكن بعد ثلاثة أيام فقط…
وقع ما لم يتوقعه أحد.
كان يوم زيارة أحمد لابنه.
جاء في موعده المعتاد.
وأخذ آدم إلى الحديقة الكبيرة القريبة من النيل.
وكما يحدث دائمًا كنت أنتظر عودته بعد ساعات.
لكن هذه المرة مر الوقت.
ثم مر وقت أكثر.
ثم بدأ هاتفي يرن.
كان رقمًا غريبًا.
أجبت بسرعة.
فجاءني صوت رجل متوتر:
ــ حضرتك والدة الطفل آدم؟
توقف قلبي.
ــ أيوة.
ــ مين حضرتك؟
قال بسرعة:
ــ أنا من إدارة مستشفى النيل التخصصي.
ــ حصل حادث بسيط في الحديقة.
ــ ووالد الطفل موجود هنا.
شعرت أن الأرض تدور بي.
ــ آدم كويس؟
ــ ابني كويس؟
رد الرجل فورًا:
ــ الطفل بخير.
ــ لكن والد الطفل مصاب إصابة خطيرة.
لم أفهم شيئًا.
ركضت خارج البيت.
وأبي خلفي.
وخلال دقائق كنا في المستشفى.
وعندما وصلت…
وجدت آدم جالسًا على كرسي صغير.
يبكي.
لكن دون إصابات.
ارتمى في حضني فورًا.
ــ ماما.
ــ بابا وقع.
ــ بابا وقع عشاني.
احتضنته بقوة.
وأنا أحاول تهدئته.
ثم سألت الطبيب.
فأخبرني بما حدث.
كان آدم يركض خلف كرة بالقرب من الطريق الداخلي للحديقة.
وفجأة اندفع طفل آخر أمام دراجة كهربائية مسرعة.
حاول أحمد إبعاد الطفلين معًا.
ونجح.
لكن الدراجة اصطدمت به مباشرة.
فأصيب في رأسه وكتفه.
جلست في مكاني مذهولة.
لأن الصورة التي رسمتها عن أحمد طوال السنوات الماضية بدأت تهتز.
الرجل الذي تركني يومًا على الطريق…
هو نفسه الرجل الذي ألقى بنفسه أمام الخطر لينقذ طفلين.
بعد ساعات خرج الطبيب أخيرًا.
وقال:
ــ الحمد لله.
ــ الإصابة قوية لكن حالته مستقرة.
تنفست الصعداء دون أن أشعر.
ثم التفتّ.
فوجدت شخصًا آخر يقف عند نهاية الممر.
كريم.
كان قد جاء بعدما اتصلت به الحضانة لتأخر آدم.
اقترب بهدوء.
ونظر إلى الطفل النائم على كتفي.
ثم سأل:
ــ كله بخير؟
هززت رأسي.
لكنني كنت شاردة.
أنظر إلى باب غرفة العناية.
وأفكر.
في أحمد.
وفي كريم.
وفي الحياة.
وفي كيف يمكن للإنسان أن يكون سيئًا في فصل…
ثم شجاعًا في فصل آخر.
وبينما كنت غارقة في أفكاري…
فتح باب الغرفة.
وخرج الطبيب مرة أخرى.
لكن هذه المرة كان وجهه متوترًا.
وقال:
ــ محتاجين حد من العائلة حالًا.
فيه حاجة مهمة لازم تعرفوها.
نظرنا إليه جميعًا.
وقبل أن يتكلم…
شعرت أن مفاجأة جديدة على وشك أن تقلب حياتنا كلها من جديد.
يتبع
