ابنة الزعيم حكـايـات أسمـا ×1
أطعمتُ رضيعة رجل الأعمال الذي يخشاه الجميع على متن طائرة خاصة… ثم نظر إليّ وقال: “أنتِ لن تعودي إلى بيتكِ بعد اليوم.””أي شخص يلمس بنتي من غير إذني… محدش في الطيارة دي هيشوف الصبح.”
قالها سليم الحديدي بهدوء مرعب جعل الصمت يسيطر على الطائرة الخاصة بالكامل.
لم يكن من الرجال الذين يحتاجون إلى الصراخ.
في القاهرة، كان اسمه وحده كافيًا ليجعل كبار رجال الأعمال والمسؤولين يختارون كلماتهم بحذر.
لكن طفلته الصغيرة لم تتوقف عن البكاء.
كانت الطائرة الخاصة تشق طريقها ليلًا بين شرم الشيخ والقاهرة، بينما بدا كل شيء داخلها فخمًا وباهظ الثمن وعديم الفائدة في الوقت نفسه.
مقاعد جلدية فاخرة.كؤوس كريستال.ساعات ثمينة.
وحراس شخصيون يملؤون المكان.لكن لا شيء من ذلك استطاع إسكات صوت الرضيعة بين ذراعي سليم.
ولم يكن بكاءً عاديًا.كان ضعيفًا.متقطعًا.
وكأنه يختفي تدريجيًا.ذلك النوع من البكاء الذي يجعل أي ممرضة أطفال تدرك فورًا أن هناك مشكلة حقيقية.
كانت ريم عبدالسلام تجلس في الصف الثالث خلفه، تضغط يديها فوق صدرها بقوة.لم تكن تخطط أصلًا لركوب هذه الرحلة.لكن زميلة قديمة من مستشفى السلام الدولي ساعدتها في الحصول على مقعد في آخر لحظة.
كانت متجهة إلى القاهرة لإنهاء بعض الأوراق الخاصة بعملها القديم.قبل أربعة أشهر فقط كانت حياتها مختلفة تمامًا.
قبل الحادث الذي أخذ زوجها وطفليها التوأم على طريق الإسماعيلية الصحراوي أثناء عودتهم من زيارة عائلية.
أربعة أشهر مرت.
لكن جسد ريم لم يفهم الفقد بعد.
ما زال يستيقظ على الألم.
وما زال يتذكر أنها كانت أمًا يومًا ما.
عندما ارتفع صوت بكاء الطفلة مرة أخرى، أغمضت ريم عينيها
ليست ابنتك.
وليست مسؤوليتك.
وذلك الرجل ليس شخصًا عاديًا.
وقف سليم في مقدمة الطائرة مرتديًا بدلة سوداء أنيقة.
كان وجهه جامدًا كالحجر.
وعيناه لا تكشفان شيئًا.
أما الرضيعة بين ذراعيه فكانت تزداد ضعفًا مع كل دقيقة تمر.حاول إعطاءها زجاجة الحليب..لكنها رفضتها للمرة العاشرة.همست المضيفة بخوف:”مش راضية تشرب.”
أجاب سليم ببرود:”يبقى هاتوا لها حاجة تشربها.”
لكن أحدًا لم يتحرك.
حتى الحراس الذين اعتادوا مواجهة أخطر المواقف لم يعرفوا ماذا يفعلون مع طفلة جائعة.سمعت ريم التغير في صوت البكاء.كانت تعرف هذا الصوت جيدًا.
سمعته عشرات المرات في حضانات الأطفال.ذلك الصوت الذي يسبق الإنهاك.الطفلة لم تعد تبكي.كانت تستنجد.
لذلك وقفت.والتفت الجميع إليها.تحرك أحد الحراس فورًا ليمنعها.”اقعدي مكانك يا مدام.”ابتلعت ريقها وقالت:
“أنا ممرضة أطفال.”رفع سليم عينيه نحوها.
كانت نظرته حادة ومليئة بالشك.”وبعدين؟”
قالت بثبات:”بنتك مش بتدلع… بنتك جعانة.”
ساد الصمت.وأطلقت الطفلة أنينًا ضعيفًا كاد لا يُسمع.شعرت ريم أن قلبها انكسر.
وقالت:”أقدر أساعدها.”وقف سليم ببطء.”إزاي؟”
احمر وجه ريم لكنها أجابت:”أقدر أرضعها.”
تجمد الجميع في أماكنهم.أما سليم فظل ينظر إليها طويلًا.
ثم قال:وليه تقدري تعملي كده؟”
أخفضت رأسها للحظة قبل أن تجيب:
“لأني فقدت أطفالي من أربع شهور.”ولأول مرة…
ظهر الألم في عينيه.نظر إلى ابنته.ثم إلى ريم.
ثم قال:
الفصل الثاني
في اللحظة التي أنهى فيها الرجل المكالمة، اختفى داخل سيارة سوداء كانت متوقفة على بعد أمتار من القصر.
أما داخل قصر الحديدي…
فلم يكن أحد يعلم أن هناك من يراقب كل شيء.
وقفت ريم في غرفة الأطفال بعد خروج سليم.
ما زالت غير مستوعبة ما حدث.
منذ أقل من أربعٍ وعشرين ساعة كانت مجرد ممرضة سابقة تحاول جمع شتات حياتها بعد الفاجعة التي مزقتها.
والآن…
تقف داخل أحد أشهر القصور في القاهرة.
وتحمل بين ذراعيها ابنة الرجل الذي تتحدث عنه الصحف يوميًا.
نظرت إلى الطفلة النائمة.
كانت جميلة بشكل مؤلم.
عيناها الكبيرتان تشبهان والدها.
لكن ملامحها الهادئة تحمل شيئًا آخر.
شيئًا حزينًا.
كأنها ولدت وهي تشعر بالوحدة.
دخلت سعاد بهدوء.
وقالت:
“اسمها ملك.”
ابتسمت ريم لأول مرة.
“اسم حلو.”
تنهدت سعاد.
“أمها اختارته قبل ما تموت.”
رفعت ريم رأسها.
“ماتت إمتى؟”
ساد الصمت للحظات.
ثم قالت سعاد:
“بعد الولادة بأسبوع.”
شعرت ريم بوخزة في قلبها.
“يا حرام.”
لكن سعاد لم تُكمل.
وكأن هناك شيئًا لا تريد قوله.
مر اليوم الأول ببطء.
في كل مرة تبتعد فيها ريم عن ملك…
تبدأ الصغيرة بالبكاء.
وفي كل مرة تعود إليها…
تهدأ فورًا.
الأمر أصبح واضحًا للجميع.
حتى الأطباء الذين يزورون القصر بانتظام لم يجدوا تفسيرًا منطقيًا لذلك.
وقبل الغداء بقليل…
دخل سليم غرفة الأطفال.
كان يحمل ملفًا بين يديه.
توقفت المربيات عن الكلام فورًا.
أما ريم فبقيت جالسة تحمل ملك.
اقترب منها.
ثم جلس للمرة الأولى بالقرب منها.
قال دون مقدمات:
“ملفك.”
نظرت إليه باستغراب.
“ملفي؟”
فتح الملف.
“ريم عبدالسلام. اتنين وثلاثين سنة. ممرضة أطفال. اشتغلتي سبع سنين في مستشفى السلام الدولي.”
اتسعت عيناها.
“إنت جبت المعلومات دي إمتى؟”
رفع حاجبه.
“من ساعة ما ركبتي الطيارة.”
شعرت بالانزعاج.
لكنه أكمل:
“مفيش ديون.”
“مفيش مشاكل قانونية.”
“سمعتك ممتازة.”
ثم أغلق الملف.
وأضاف:
“وده سبب إني واثق فيكي.”
قالت بحدة خفيفة:
“أنا ما طلبتش ثقتك.”
لأول مرة…
ظهر شيء يشبه الابتسامة على طرف فمه.
ثانية واحدة فقط.
ثم اختفت.
في المساء…
كانت ريم تتمشى مع ملك في الحديقة الخلفية للقصر.
الهواء كان لطيفًا.
والهدوء يملأ المكان.
لكن فجأة…
سمعت صوت بكاء.
توقفت.
التفتت حولها.
لم يكن صوت ملك.
كان صوت طفل آخر.
بعيد.
وخافت.
تقدمت ببطء بين الأشجار.
حتى وصلت إلى مبنى صغير خلف القصر.
بدا قديمًا ومهجورًا.
لكن الصوت كان يأتي من داخله.
اقتربت أكثر.
ثم فتحت الباب بحذر.
وتجمدت مكانها.
في الداخل…
وجدت طفلًا صغيرًا لا يتجاوز الخامسة.
يجلس وحده على الأرض.
ملابسه نظيفة.
لكنه بدا خائفًا جدًا.
شهقت ريم:
“إنت مين؟!”
رفع الطفل رأسه بسرعة.
وعيناه ممتلئتان بالدموع.
ثم همس:
“متقوليش لبابا إني هنا.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
“باباك مين؟”
أجاب الطفل:
“سليم الحديدي.”
تراجعت ريم خطوة كاملة.
عقلها لم يستوعب ما سمعه.
سليم لديه ابن آخر؟
كيف؟
ولماذا لا يعرف أحد عنه شيئًا؟
قبل أن تسأله أكثر…
سمعت صوت خطوات خلفها.
التفتت بسرعة.
لتجد سليم واقفًا عند الباب.
وجهه هذه المرة لم يكن باردًا.
كان غاضبًا.
غاضبًا بطريقة مخيفة.
نظر إلى الطفل.
ثم إلى ريم.
وقال بصوت منخفض:
“اطلعي بره يا ريم.”
لكن الطفل ركض فجأة.
وتعلق بساق ريم وهو يبكي.
“متسبنيش هنا.”
تجمد المكان كله.
أما سليم…
فأغلق عينيه للحظة.
وكأنه يحارب شيئًا داخله منذ سنوات.
ثم قال:
“خدي ملك واطلعي دلوقتي.”
خرجت ريم وهي تحمل ملك ويمسك الطفل الآخر بطرف فستانها.
وقلبها يدق بعنف.
لأنها أدركت شيئًا واحدًا.
هناك أسرار كثيرة داخل هذا القصر.
وأخطرها لم يبدأ بعد.
وفي نفس الليلة…
كانت امرأة أنيقة تجلس داخل فيلا فاخرة في الشيخ زايد.
تستمع لتقرير الرجل الذي كان يراقب القصر.
وعندما أخبرها أن ريم أصبحت قريبة من سليم وملك…
ابتسمت ببطء.
ثم قالت:
“ممتاز.”
سألها الرجل:
“نبدأ إمتى؟”
نظرت إلى صورة قديمة أمامها.
صورة لسليم وهو يبتسم بجوار زوجته الراحلة.
ثم قالت بهدوء:
“لما ريم تعرف الحقيقة كاملة…”
وتحولت ابتسامتها إلى شيء أكثر ظلمة.
“…هنخليها تدمر حياته بنفسها.”
يتبع…
الفصل الثالث
لم تنم ريم تلك الليلة.
كلما أغلقت عينيها رأت وجه الطفل الصغير.
وعيناه المليئتان بالخوف.
وكلماته التي لم تتوقف عن الدوران داخل رأسها:
“متسبنيش هنا.”
كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا عندما نهضت من سريرها.
نظرت إلى ملك النائمة بجوارها داخل السرير الصغير الذي أصرّت سعاد على وضعه في غرفتها.
الطفلة كانت تنام أخيرًا بسلام.
لكن ريم لم تستطع.
هناك شيء غير طبيعي داخل هذا القصر.
شيء أكبر من مجرد طفل خائف.
مع شروق الشمس…
نزلت إلى غرفة الطعام.
كان المكان هادئًا بشكل غريب.
طاولة طويلة تكفي لعشرين شخصًا.
لكن الجالس عليها كان شخصًا واحدًا فقط.
سليم الحديدي.
يرتدي بدلة رمادية أنيقة.
ويقرأ مجموعة تقارير مالية.
كأن الليلة الماضية لم تحدث أصلًا.
جلست ريم في الطرف المقابل.
وظلت صامتة عدة ثوانٍ.
ثم قالت مباشرة:
“الولد اللي شوفته امبارح مين؟”
رفع عينيه عن الأوراق.
ونظر إليها.
طويلًا.
ثم عاد إلى القراءة.
“اسمه ياسين.”
“ابنك؟”
صمت.
ثانية.
اثنتين.
ثم قال:
“أيوه.”
شعرت ريم بالصدمة من بساطة اعترافه.
“طب ليه عايش لوحده هناك؟”
أغلق الملف أمامه ببطء.
وقال:
“مش كل الأسئلة لازم يكون ليها إجابة.”
ردت بعصبية:
“لأ. السؤال ده تحديدًا لازم يكون ليه إجابة.”
لأول مرة منذ عرفته…
ظهر الغضب في عينيه.
لكن ريم لم تتراجع.
كانت ممرضة.
وأمًا فقدت أطفالها.
ورؤية طفل معزول بهذا الشكل كانت شيئًا لا تستطيع تجاهله.
مرت لحظات طويلة.
ثم قال أخيرًا:
“لأنه مريض.”
تجمدت.
“مريض بإيه؟”
“توحد حاد.”
نظرت إليه بدهشة.
“وده سبب يخليه يعيش لوحده؟”
أجاب ببرود:
“لما يبقى عندك طفل بيكسر نفسه ويؤذي أي حد يقرب منه… ابقي احكمي.”
في نفس الوقت…
كان ياسين جالسًا داخل غرفته.
يرسم على الحائط.
دوائر.
وخطوطًا.
وأشكالًا متكررة.
عشرات المرات.
كعادته.
لكن هذه المرة…
رسم شيئًا مختلفًا.
امرأة تحمل طفلة.
وبجانبها ولد صغير.
ثم كتب كلمة واحدة بخط طفل متعرج:
ماما
عند الظهيرة…
قررت ريم أن تزوره.
رغم اعتراض سعاد.
ورغم تحذيرات الحراس.
ورغم نظرات سليم الباردة.
ذهبت.
وحدها.
عندما فتحت الباب…
كان ياسين جالسًا على الأرض.
لم ينظر إليها.
لم يتكلم.
لم يتحرك.
فجلست بعيدًا عنه.
دون أن تقول كلمة.
مرت عشر دقائق.
ثم عشرون.
ثم نصف ساعة.
وأخيرًا…
قال الطفل:
“هي نامت؟”
تفاجأت.
“مين؟”
“البيبي.”
ابتسمت.
“آه.”
هز رأسه.
ثم عاد للرسم.
وبعد دقائق قال:
“هي بتحبك.”
شعرت ريم بشيء غريب.
“عرفت منين؟”
أشار إلى قلبه.
“بحس.”
في المساء…
وصلت سيارة سوداء إلى القصر.
نزلت منها امرأة أنيقة في أواخر الثلاثينيات.
شعر أسود طويل.
ونظرات حادة.
ما إن رآها الحراس حتى فتحوا الطريق فورًا.
دخلت بثقة وكأن المكان ملكها.
وعندما وصلت إلى غرفة الجلوس…
وقف سليم فجأة.
وهو أمر لم يحدث أمام أحد تقريبًا.
قالت بابتسامة باردة:
“وحشتني يا سليم.”
أما ريم التي كانت تمر بالممر وهي تحمل ملك…
فتوقفت مكانها.
لأنها لاحظت شيئًا غريبًا.
شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها.
المرأة تشبه ملك.
بشكل مخيف.
نفس العينين.
نفس الملامح.
نفس الابتسامة.
وكأنها نسخة أكبر من الطفلة.
بعد دقائق…
كانت ريم تسمع جزءًا من الحديث بالصدفة.
“إيه اللي رجعك مصر؟”
سألها سليم بجمود.
أجابت:
“جيت أشوف بنت أختي.”
تجمدت ريم.
بنت أختي؟
إذن المرأة قريبة زوجة سليم الراحلة.
أكملت المرأة:
“ومن حقي أشوفها.”
رد سليم:
“حقك انتهى من زمان.”
اختفت الابتسامة من وجهها.
وقالت ببرود:
“زي ما حق أختي انتهى؟”
ساد الصمت.
صمت ثقيل.
ومرعب.
ولأول مرة…
رأت ريم سليم الحديدي يفقد هدوءه.
ضرب الطاولة بقبضته.
حتى اهتزت الأكواب.
وقال بصوت منخفض لكنه مخيف:
“محدش يجيب سيرتها قدامي.”
لكن المرأة لم تتراجع.
بل اقتربت أكثر.
وهمست:
“ولا الحقيقة؟”
في تلك اللحظة…
تسارعت أنفاس ريم.
لأنها أدركت أن وفاة زوجة سليم ليست قصة عادية.
وهناك سر كبير مخفي منذ سنوات.
سر جعل امرأة تعود من الخارج فجأة.
وسر جعل طفلًا يعيش معزولًا.
وسر جعل رجلًا قويًا مثل سليم يبدو وكأنه يحمل ذنبًا لا يستطيع الهروب منه.
لكنها لم تكن تعرف بعد…
أن هذا السر مرتبط بها شخصيًا بطريقة ستقلب حياتها رأسًا على عقب.
وفي آخر الليل…
بينما كانت ريم نائمة بجوار ملك…
رن هاتف مجهول على الطاولة.
ترددت.
ثم أجابت.
فجاءها صوت امرأة عجوز مرتجف:
“ريم؟”
اعتدلت في جلستها.
“مين؟”
جاءها الرد الذي جعل قلبها يتوقف:
“أنا الممرضة اللي كانت مع ولادك يوم الحادث…”
ثم بدأت المرأة تبكي.
وأضافت:
“في حاجة مهمة جدًا لازم تعرفيها…”
يتبع…
