انقذت طفلا حكايات اسما×1
أنقذت طفلًا من سيارة مشتعلة… ولم تكن تعلم أن والده هو الرجل الذي يحكم المدينة من الظل
الفصل الأول
أول شيء سمعته ريم عبدالسلام لم يكن صوت الحادث.
بل الصراخ.
صرخة طفل مرتعبة اخترقت صوت المطر الغزير وضجيج السيارات على طريق القاهرة – الإسماعيلية الصحراوي.
كانت حادة لدرجة جعلت قدمها تضغط على الفرامل قبل أن يستوعب عقلها ما يحدث.
انزلقت سيارتها القديمة نحو جانب الطريق.
وارتفعت أضواءها لتكشف دخانًا كثيفًا يتصاعد من أسفل منحدر ترابي خلف الحاجز الحديدي.
لثانية واحدة تجمدت ريم خلف المقود.
ثم رأت السيارة.
كانت سيارة نقل صغيرة اصطدمت بجدار خرساني قرب مصرف مياه.
مقدمة السيارة تحولت إلى كتلة معدنية مهشمة.
والنيران بدأت تخرج من أسفل المحرك.
كان المطر يهطل بغزارة.
لكنه لم يكن كافيًا لإطفاء الحريق.
ارتفعت ألسنة اللهب على الزجاج الأمامي.
وتصاعد الدخان الأسود إلى السماء.
ثم جاء الصوت مرة أخرى.
صوت طفل.
“الحقوني!”
كانت ريم تبلغ التاسعة والعشرين من عمرها.
طبيبة امتياز في مستشفى السلام الدولي.
أنهت لتوها نوبة عمل استمرت اثنتي عشرة ساعة.
مرهقة.
جائعة.
وترتدي ملابس العمل الطبية أسفل معطفها الشتوي.
لم يكن معها س*لاح.
ولا خطة.
ولا سبب يجعلها تعتقد أنها ستخرج حية من الدقائق القادمة.
ومع ذلك…
ركضت.
انزلقت قدماها في الطين وهي تهبط المنحدر بسرعة.
سمعت أصوات الناس خلفها.
أحدهم صرخ:
“يا مدام ابعدي! العربية هتنفجر!”
لكنها لم تتوقف.
وصلت إلى السيارة.
وكان الباب الجانبي محشورًا بالكامل.
من خلال الزجاج المكسور رأت طفلًا صغيرًا في المقعد الخلفي.
في الثامنة تقريبًا.
وجهه مغطى بالسخام.
وعيناه الزرقاوان الواسعتان مليئتان بالخوف.
صرخت:
“إنت سامعني؟”
أومأ الطفل بسرعة.
“اسمك إيه؟”
“آدم.”
“أنا ريم… وهطلعك من هنا.”
بكى الطفل وقال:
“في راجل قدام… مش بيصحى.”
نظرت ريم إلى مقعد السائق.
ورأت رجلًا فاقدًا للوعي.
الدم يغطي ياقة قميصه.
ولا يتحرك.
انفجرت شرارة من المحرك.
فقفز قلبها.
وسحبت الباب بكل قوتها.
لكن دون فائدة.
كان ساخنًا لدرجة أحرقت كفيها.
صرخت:
“ابعد وشك عن الزجاج!”
ثم التقطت قطعة خرسانية كبيرة من الأرض.
وضربت الزجاج الخلفي.
مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
حتى تحطم أخيرًا.
تسلقت السيارة.
ومدت يدها إلى الداخل.
وتجرحت ذراعها من الزجاج الحاد.
لكنها لم تتوقف.
تمكنت من فتح الباب عدة سنتيمترات فقط.
ثم علق مرة أخرى.
قالت وهي تحاول السيطرة على ارتجاف صوتها:
“تعال ناحيتي يا حبيبي.”
بكى الطفل:
“مش قادر… الحزام ماسكني.”
نظرت ريم حولها.
النيران بدأت تلتهم المقاعد الأمامية.
والدخان يملأ المقصورة.
والوقت ينفد.
دفعت نفسها داخل السيارة.
رغم الحرارة التي لفحت وجهها.
ورائحة المطاط المحترق والبنزين.
كانت تشعر وكأنها دخلت فرنًا مشتعلًا.
وجدت الطفل مثبتًا في مقعده.
وأصابعه الصغيرة تحاول عبثًا فتح الحزام.
همس بخوف:
“ما تسيبنيش.”
نظرت إليه مباشرة.
وقالت:
“عمري ما هسيبك.”
أخرجت من جيبها سكينًا صغيرًا كانت تحتفظ به للطوارئ.
وبدأت تقطع الحزام.
يداها ترتجفان.
ودموع الطفل تختلط بالدخان.
وفجأة…
دوّى انفجار صغير من مقدمة السيارة.
وصاح الناس بالخارج:
“اطلعي حالًا!”
لكنها واصلت.
حتى انقطع الحزام أخيرًا.
حملت الطفل بين ذراعيها.
وقفزت به خارج السيارة.
وسقطا معًا فوق الطين.
وفي اللحظة نفسها…
انفجرت مقدمة السيارة.
ارتفعت كرة نار ضخمة في الهواء.
وضربت موجة الحرارة ظهر ريم.
فاحتضنت الطفل بجسدها لتحميه.
وتناثر الزجاج حولهما.
لعدة ثوانٍ…
لم يكن هناك سوى نار ومطر وصراخ.
ثم بدأ كل شيء يهدأ.
سعلت ريم بعنف.
ونظرت إلى الطفل.
كان يبكي.
لكنه حي.
ابتسمت رغم ألمها.
وهمست:
“إنت بخير.”
لكن الطفل أمسك معصمها بقوة مفاجئة.
وقال:
“ما تبلغيش الشرطة.”
رمشت ريم باستغراب.
“إيه؟”
نظر الطفل حوله بخوف.
ثم قال بصوت مرتجف:
“لو عرفوا مكاني… هيرجعوا.”
شعرت بقشعريرة باردة.
فهذا لم يكن كلام طفل خرج للتو من حادث عادي.
سألته:
“مين هيرجع؟”
وقبل أن يجيب…
ظهرت أضواء سيارات أعلى الطريق.
لكنها لم تكن سيارات شرطة.
ولا إسعاف.
بل سيارتان سوداوَان فاخرتان.
توقفتا خلف سيارة ريم مباشرة.
وانفتحت الأبواب في وقت واحد.
ونزل رجال بملابس سوداء.
يتحركون بسرعة وصمت غريبين.
أشار أحدهم نحو الطفل.
وفجأة شحب وجه آدم بالكامل.
في تلك اللحظة أدركت ريم شيئًا مهمًا.
الحادث لم يكن بداية الكابوس.
بل منتصفه.
وقفت بصعوبة.
وأخفت الطفل خلفها.
وقالت:
“خليك ورايا.”
وصل أول رجل إلى أسفل المنحدر.
طويل.
عريض الكتفين.
وفي وجهه ندبة قرب أذنه اليسرى.
قال بهدوء مخيف:
“سلمينا الولد.”
حدقت فيه ريم.
“إنت مين؟”
أجاب:
“عيلته.”
لكن آدم تشبث بمعطفها بقوة.
فرفعت ريم السكين الصغير.
رغم أنها كانت تعرف أنه لا يساوي شيئًا أمام رجل مثله.
وقالت:
“ارجع لورا.”
نظر الرجل إلى السكين وكأنه ينظر إلى لعبة أطفال.
ثم قال:
“إنتِ مش فاهمة إنتِ دخلتي نفسك في إيه.”
ردت ريم:
“صح… مش فاهمة.”
ثم أضافت:
“بس فاهمة إنه خايف منكم.”
تغيرت نظرة الرجل قليلًا.
وفي تلك اللحظة…
فُتح باب إحدى السيارات السوداء.
وترجل رجل آخر.
وفور نزوله…
تغير كل شيء.
استقام الرجال.
وتوقفت الهمسات.
وكأن المكان كله يعترف بوجوده.
كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا فوق بدلة داكنة.
طويل القامة.
في أوائل الأربعينيات.
شعره أسود.
ونظرته حادة.
يتحرك بهدوء شخص اعتاد أن يفسح الناس له الطريق قبل أن يطلب ذلك.
ثم وقعت عيناه على الطفل.
وخرج الاسم من فمه كأنه جرح مفتوح:
“آدم.”
فجأة…
اندفع الطفل من خلف ريم.
وصاح:
“بابا!”
وخلال ثلاث خطوات فقط وصل الرجل إليه.
وجثا على ركبتيه.
وضمه بقوة بين ذراعيه.
حتى إن ريم رأت يديه ترتجفان.
للحظة واحدة…
لم يبدُ مخيفًا.
بدا مجرد أب كان يعتقد أنه فقد ابنه.
أخفضت ريم السكين ببطء.
بينما دفن الرجل وجهه في شعر ابنه وهمس:
“أنا هنا يا بطل… أنا هنا.”
وقفت ريم تحت المطر تحاول فهم ما تراه.
اقترب الرجل صاحب الندبة وقال:
“يا سليم… لازم نمشي.”
تجمدت ريم.
سليم؟
كانت تعرف هذا الاسم.
الجميع يعرفه.
سليم الحديدي.
رجل الأعمال الذي تتحدث عنه الصحف يوميًا.
الرجل الذي يقال إنه يملك نصف القاهرة دون أن يظهر اسمه في أي شيء.
الرجل الذي يخشاه كبار المنافسين.
والذي تختفي مشاكل شركاته دائمًا قبل أن تصل إلى المحاكم.
نهض سليم ببطء وهو يحمل ابنه.
ثم التفت نحو ريم.
وقعت عيناه على يدها النازفة.
ثم على آثار الحروق في معطفها.
ثم على السيارة المشتعلة خلفها.
وسأل بصوت منخفض:
“إنتِ اللي أنقذتيه؟”
ولم تكن ريم تعلم…
أن هذه اللحظة ستغير حياتها للأبد.
وأن الطفل الذي أنقذته الليلة يحمل سرًا سيقودها إلى أخطر حقيقة في إمبراطورية سليم الحديدي كلها.
الجزء الثاني في التعليقات…
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
الفصل الثاني
ظل المطر يهطل فوق الطريق الصحراوي بينما وقف الجميع في صمت ثقيل.
كان آدم متشبثًا بوالده كأنه يخشى أن يختفي مرة أخرى.
أما سليم الحديدي فبدا مختلفًا تمامًا عن الصورة التي اعتادت ريم رؤيتها في الصحف.
لم يكن رجل الأعمال الذي تتحدث عنه القنوات.
ولم يكن الرجل الذي تدور حوله الشائعات.
في تلك اللحظة كان مجرد أب يحاول استيعاب أن ابنه ما زال حيًا.
اقترب أحد الرجال من السيارة المحترقة وقال بقلق:
“العربية كلها ولعت يا فندم.”
رفع سليم عينيه نحوه.
“والسواق؟”
صمت الرجل لثانية.
ثم قال:
“للأسف ما لحقش يخرج.”
انقبض فك سليم.
لكن ملامحه بقيت جامدة.
كأنه اعتاد استقبال الأخبار السيئة دون أن يسمح لها بالظهور على وجهه.
فجأة ترنح جسد ريم قليلًا.
كانت الحرارة والدخان والإرهاق قد بدأوا يتركون أثرهم.
لاحظ سليم ذلك فورًا.
وتقدم خطوة نحوها.
“إنتِ مصابة.”
هزت رأسها.
“أنا كويسة.”
لكنها لم تكن كذلك.
كانت ذراعها تنزف.
وحروق خفيفة امتدت على كفها.
وشعرت بدوار متزايد.
وقبل أن تتمكن من الاعتراض أكثر…
اسودت الدنيا أمام عينيها.
وسقطت.
استيقظت على رائحة معقمات.
وصوت أجهزة طبية.
فتحت عينيها ببطء.
وسرعان ما أدركت أنها داخل غرفة خاصة في مستشفى.
حاولت النهوض.
لكن ألمًا حادًا في ذراعها أجبرها على التوقف.
في اللحظة نفسها انفتح باب الغرفة.
ودخل رجل يرتدي بدلة سوداء.
كان صاحب الندبة.
نفس الرجل الذي طلب منها تسليم الطفل.
تصلبت ريم فورًا.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال:
“الحمد لله على السلامة.”
حدقت فيه بحذر.
“أنا فين؟”
“مستشفى السلام الدولي.”
رمشت بدهشة.
كان هذا المستشفى الذي تعمل فيه أصلًا.
لكن هذه الغرفة كانت من الطابق الخاص بكبار الشخصيات.
أغلى جناح في المستشفى.
قالت:
“مين جابني هنا؟”
أجاب:
“سليم باشا.”
سادت لحظة صمت.
ثم قالت:
“وابنه؟”
ارتاحت ملامح الرجل قليلًا.
“بخير.”
تنفست ريم الصعداء.
ثم سألت:
“إيه اللي حصل بالضبط؟”
لكن الرجل لم يجب.
بل نظر إلى الباب.
وفي اللحظة التالية دخل سليم الحديدي بنفسه.
اختفى أي أثر للتعب الذي رأته عليه الليلة الماضية.
عاد الرجل المخيف الذي تعرفه الصحف.
بدلة سوداء.
نظرة ثابتة.
وحضور يجعل المكان كله يبدو أصغر.
وقف قرب السرير.
وقال بهدوء:
“الدكاترة قالوا إنك هتبقي كويسة.”
ردت ريم:
“الحمد لله.”
ثم أضافت مباشرة:
“عايزة أعرف إيه اللي حصل.”
نظر إليها لثوانٍ.
ثم قال:
“حاولوا يخطفوا آدم.”
تجمدت ريم.
“إيه؟”
“العربية اللي كانت ناقلاه اتعرضت لمطاردة.”
شعرت بقشعريرة تمر في جسدها.
تذكرت خوف الطفل.
وكلامه عن عودتهم.
فهمست:
“عشان كده كان مرعوب.”
أومأ سليم.
ثم قال:
“ولو ما كنتيش وصلتي في الوقت المناسب… كنت فقدته.”
ساد الصمت للحظة.
ثم أخرج ظرفًا أبيض ووضعه فوق الطاولة.
“دي مكافأة بسيطة.”
نظرت ريم إلى الظرف.
ولم تلمسه.
“إيه ده؟”
“تقدير.”
قالتها عيناه قبل أن يقولها لسانه.
لكن ريم دفعت الظرف نحوه.
“أنا أنقذت طفل… مش محتاجة فلوس.”
لأول مرة ظهر شيء يشبه الدهشة على وجه سليم.
كأن أحدًا لم يرفض له طلبًا منذ سنوات.
قال بهدوء:
“المبلغ كبير.”
أجابته:
“حتى لو كان مليار.”
ظل ينظر إليها.
ثم سحب الظرف ببطء.
وفي تلك اللحظة انفتح الباب فجأة.
واندفع آدم إلى الداخل.
“دكتورة ريم!”
ركض الطفل نحوها مباشرة.
وعانقها بقوة.
ابتسمت رغماً عنها.
وقالت:
“إزيك يا بطل؟”
قال بسرعة:
“بابا قال إنك هتمشي بكرة.”
ضحكت.
“أيوة.”
لكن وجه آدم تغير فجأة.
واقترب منها أكثر.
ثم همس في أذنها بكلمات جعلت الدم يتجمد في عروقها.
قال:
“هما رجعوا.”
رفعت رأسها فورًا.
“مين؟”
لكن الطفل لم يجب.
بل أشار نحو النافذة.
التفتت ريم ببطء.
وفي الخارج…
عند نهاية موقف السيارات الخاص بالمستشفى…
كانت هناك سيارة سوداء متوقفة.
داخلها رجل يجلس دون حركة.
يراقب نافذتها مباشرة.
وعندما التقت عيناها بعينيه…
ابتسم.
ابتسامة باردة جعلت قلبها ينقبض.
في اللحظة التالية اختفت السيارة.
لكن الإحساس بالخطر لم يختف.
بل بدأ للتو.
في نفس الوقت…
على بعد عشرات الكيلومترات من المستشفى…
داخل مخزن مهجور في أطراف القاهرة…
جلس رجل أصلع أمام شاشة كبيرة.
كان يشاهد تسجيل كاميرات الطريق لحظة الحادث.
أعاد المقطع مرة.
ثم مرتين.
ثم ثلاث مرات.
حتى توقفت الصورة عند وجه ريم وهي تحمل آدم وسط النيران.
ابتسم ببطء.
وقال للرجل الجالس بجانبه:
“دي البنت اللي بوظت الخطة.”
سأل الآخر:
“نعمل إيه؟”
أجاب وهو يواصل النظر إلى الشاشة:
“هاتوهالي.”
ثم أضاف بهدوء مرعب:
“قبل ما تعرف السر.”
نهاية الفصل الثاني