لقاء غيرح متوقع حكـايـات أسمـا ×1
وقفت أنا وبنتي في طابور الأكل الخيري وإحنا جعانين… وماكنتش أعرف إن الراجل اللي بيوزع الشوربة كان ماسك ملف هيغير حياتنا كلها.
أبو بنتي قال لي يوم ما عرف إني حامل:”إنتِ اللي اخترتي الطريق ده… ماتتصليش بيا لما الدنيا تضيق بيكي.”
وبعد ست شهور…
كنت واقفة أنا وبنتي قدام مركز خيري في القاهرة، والبرد قارس، وحاضناها على صدري وهي بتعيط لأن رجليها اتجمدت من السقعة.
اللي هو ماكنش يعرفه…
إن الراجل اللي كان بيوزع الأكل في الليلة دي، كان عنده ملف باسمي، وشقة فاضية، واسم من ماضي عمري ما توقعت أسمعه تاني.
الهوا كان بيقطع في وشي كأنه متعمد يعذبني.
جاكت بنتي ملك الوردي كان أكبر منها بمقاسين.
كنت جايباه من جمعية خيرية، وخيطت الزرار بإيدي بخيط طلعته من إيشارب قديم.
كانت غرقانة جواه.كأن الدنيا أكبر منها بكتير.
رفعت وشها الصغير وقالت:”ماما… فاضل كتير؟”
بصيت للطابور اللي قدامنا.أكتر من عشرين شخص.
منورين من جوه.ريحة الشوربة طالعة من الباب.
والمتطوعين بيحطوا الأكل في الأطباق.
ابتسمت لبنتي.
.وكذبت الكذبة اللي كل أم بتقولها لما الحقيقة تكون أصعب من إن طفل يستحملها.
“خلاص يا حبيبتي… فاضل شوية.”الساعة كانت ستة وتمانتاشر دقيقة.
موبايلي رن.قلبي اتعلق للحظة.قلت يمكن أبوها.
يمكن ضميره صحي.يمكن افتكر إن ليه بنت في الدنيا.
لكن…كانت رسالة من البنك.تم رفض العملية.
الرصيد:4 جنيهات و17 قرشًا.فضلت باصة للشاشة.
لحد ما الأرقام بقت مش واضحة.الناس مش بتختفي مرة واحدة.
بتختفي لما تفضل تساعد الكل…ولما تحتاج حد يساعدها…
ما تلاقيش.
أنا كنت ست شغالة.سكرتيرة في عيادة أسنان.
بصحى قبل الفجر.أجهز أكل بنتي.وأروح شغلي.
وأدفع الإيجار في معاده.وأضحك في وش الناس مهما كنت تعبانة.لحد ما الحضانة قفلت.وبدأت أتأخر عن الشغل.ولحد ما فصلوني.وبعدها بأسبوع…
لقيت ورقة طرد من الشقة على الباب.أما أبو ملك…
فكان سابني قبل كل ده.سابني أول ما عرف إني حامل.
وقال وهو خارج من الباب:”هترجعيلي زاحفة.
الستات اللي زيك دايمًا بيرجعوا.”
بس…أنا ما رجعتش.ودي كانت أكبر غلطة في نظره.
والغلطة التانية…إني عرفت أعيش من غيره.
الطابور اتحرك.
راجل كبير كان واقف قدامنا لف ناحية ملك.
طلع بونبوني نعناع من جيبه.وقال:
“اتفضلي يا أميرتي.”ملك بصتلي الأول.
مستنية إذني.المشهد ده كسرني.
حتى الأطفال اللي ماعندهمش حاجة…
بيتعلموا يستأذنوا قبل ما يقبلوا أي خير.
قلت لها:”قولي شكرًا.”
ابتسمت وقالت:
“شكرًا.”
ولما دخلنا أخيرًا…الدفا خبط في وشي.
ريحة شوربة الفراخ.
والقهوة.والهدوم المبلولة.ومقاعد الخشب القديمة.
كلها كانت أحسن من ألف بيت في الشارع.
وبين الناس…شوفته.
كان واقف ورا الترابيزة.
لابس مريلة سودة فوق بلوفر رمادي.
سيف المنصوري.
أول حب في حياتي.
الشاب اللي وعدني زمان إننا هنبني مستقبل سوا.
وبعدين الحياة فرقتنا.
كبر.وبقى أنجح.
وهيبته بقت واضحة من أول نظرة.
أول ما شوفته…لفيت علشان أمشي.
أفضل أرجع أنا وبنتي للبرد…
ولا يشوفني بالشكل ده.
جعانة.
ومفلسة.
وواقفة في طابور أكل.
لكن فجأة…
ملك انفجرت في العياط.
مش دلع.
ولا زن.
عياط طفل جعان بجد.
وقالت وهي حاضناني:
“بطني بتوجعني يا ماما… جعانة.”
وقفت مكاني.
الكرامة صوتها عالي…
لحد ما ابنك يجوع.
بعدها…
بتسكت.
مشيت لحد الترابيزة.
كان بينا أقل من متر.رفع المغرفة.ولما بصلي…
اتجمد.وقال بصوت واطي:”سارة؟”
ابتسمت بالعافية.”أهلاً يا سيف.”بص لملك.ووشه اتغير.
وقال:”دي بنتك؟”هزيت راسي.”اسمها ملك… عندها تلات سنين.”
ملا الطبق لآخره.وحط رغيفين زيادة.وداني صينية كاملة.
وقال بهدوء:
“اقعدي جنب الدفايه… المكان هناك أدفى.”
قعدت.وملك بدأت تاكل وهي ساكتة.
والبونبوني حطاه جنب الطبق كأنه كنز.
افتكرت إن الموضوع خلص.
لكن بعد شوية…سيف جه ناحيتنا.
كان شايل مجين شوكولاتة سخنة.وطبق بسكويت.
ودبدوب صغير أحمر.
أول ما ملك شافته…وشها نور.وقالت:”ده ليا؟”
ابتسم وقال:”آه… ليكي.”
وقعد قدامي.وسأل السؤال اللي كنت بهرب منه من شهور.
“إيه اللي حصلك؟”
حكيتله.عن الشغل.والطرد من الشقة.
والليالي اللي قضيناها في العربية.
وعن إني كنت بقول لملك إننا خارجين رحلة تخييم…
علشان ما تخافش.فضل ساكت.ولما خلصت…
قال بهدوء:”أنا الممول الرئيسي للمكان ده.”
بصيت له باستغراب.
قال:”الجمعية دي تابعة لمؤسستي.
إحنا اللي بنوفر الأكل والتدفئة.
وبرنامج دعم الأسر.”وبعدين فتح جيب الجاكيت.
وطلع ملف أسود.
وقال:”قبل ما ترفضي…لازم تعرفي حاجة.”
فتحه شوية.
وقال:”في شقة فاضية جاهزة.
وفي دعم لحضانة ملك.
ومش هاسمح إنكوا تناموا في العربية الليلة.”
مسكت المج بإيدي بقوة.
وقلت:
اعمل لايك وسيب تعليق، وهرد عليكم بالجزء التاني بعد شوية…حكايات أسما السيد
@أبرز المعجبين
الفصل الثاني
فضلت ماسكة مج الشوكولاتة بين إيديا، لكن إيديا كانت بتترعش.
بصيت لسيف ثواني طويلة من غير ما أتكلم.
كل حاجة جوايا كانت بتشدني ناحية الرفض.
مش علشان هو.
علشان الكرامة.
الكرامة اللي فضلت متمسكة بيها وأنا بنام في العربية أنا وبنتي، وأقول لها إننا في “رحلة تخييم”، بدل ما أقولها إن أمها بقت مش لاقية سقف يحميها.
قلت بهدوء:
“شكراً يا سيف… بس أنا مقدرش.”
رفع حاجبه باستغراب.
“ليه؟”
ابتسمت ابتسامة باهتة.
“لأن المعروف دين… وأنا مش قادرة أسدد ديون جديدة.”
بصلي ثواني، وبعدها قال بهدوء غريب:
“هو أنا قلتلك إن ده معروف؟”
سكت.
كمل كلامه وهو بيقلب الملف قدامه.
“ده حق.”
استغربت.
“حق؟”
طلع ورقة من الملف وحطها قدامي.
كان عليها اسمي بالكامل…
سارة عبد الرحمن.
وفي خانة الحالة الاجتماعية مكتوب:
أرملة اجتماعيًا… رغم عدم وجود شهادة وفاة.
بصيتله باستغراب.
قال:
“إحنا في المؤسسة بنعمل بحث اجتماعي قبل ما نقدم أي دعم دائم. الباحثة وصلت لكل تفاصيل حياتك.”
بلعت ريقي.
حسيت إني اتعرّيت قدامه.
عارف إني اتفصلت من شغلي.
وعارف إني اترفدت من الشقة.
وعارف إني كنت بنام في العربية.
وعارف حتى إن ملك بطلت تروح الحضانة.
قال وهو بيقفل الملف:
“لكن في حاجة الباحثة معرفتهاش.”
رفعت عيني.
“إيه هي؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة.
“إن سارة اللي قدامي… هي نفس البنت اللي وقفت جنبي من عشر سنين لما أبويا دخل العمليات.”
الكلام رجعني سنين لورا.
وقت ما كنا لسه في الجامعة.
أبو سيف عمل حادثة كبيرة.
وكل زمايله اختفوا.
حتى بعض قرايبه.
وأنا كنت كل يوم أروح المستشفى بعد المحاضرات.
أجيب لأمه أكل.
وأقعد معاها بالساعات.
ولا مرة طلبت منه حاجة.
ولا حتى قلتله إن معايا فلوس بالعافية.
افتكرت اليوم ده…
ولقيت دموعي بتنزل لوحدها.
قال بهدوء:
“وقتها وعدت نفسي… لو ربنا وسع رزقي، أول شخص أردهاله الجميل هيبقى إنتِ.”
هزيت راسي بسرعة.
“أنا معملتش ده علشان ترده.”
ابتسم.
“وأنا مش بعمل ده علشان أسدد دين.”
بص ناحية ملك.
كانت قاعدة على الكرسي الصغير، بتضم الدبدوب الأحمر لصدرها، وبتشرب الشوربة كأنها أول أكلة دافية من أيام.
قال بصوت واطي:
“أنا بعمله علشان بنت صغيرة مالهاش ذنب.”
…
بعد نص ساعة…
ركبت معانا عربية المؤسسة.
ملك كانت نامت على رجلي.
وراسها على كتفي.
وأول ما العربية وقفت قدام عمارة جديدة في مدينة نصر، افتكرت إن أكيد حصل غلط.
العمارة شيك.
والمدخل نضيف.
والأسانسير شغال.
قلت للسواق:
“إحنا أكيد غلط.”
ابتسم.
“لأ يا فندم… دي الشقة.”
طلعنا الدور الرابع.
فتح باب أبيض جديد.
أول ما دخلت…
وقفت مكاني.
صالة مفروشة.
سجاد جديد.
كنبة.
تليفزيون.
مطبخ كامل.
وفي أوضة أطفال.
على السرير ملاية عليها رسومات أميرات.
ودولاب صغير.
ولعبة حصان هزاز.
ملك صحيت أول ما دخلنا.
بصت حواليها بعينيها الواسعة.
وقالت بصوت مليان براءة:
“ماما… دي الجنة؟”
ساعتها مقدرتش أتمالك نفسي.
حضنتها وفضلت أعيط.
أول مرة من شهور أحس إن بنتي هتنام من غير ما ترتعش من البرد.
…
وفي نفس الوقت…
كان في مكان تاني.
في فيلا فخمة بالتجمع الخامس.
شاب أنيق نزل من عربيته الرياضية.
فتح موبايله وهو مبتسم.
لكن أول ما شاف رسالة البنك، ابتسامته اختفت.
الرسالة كانت بتقول:
“تم إيقاف جميع عمليات السحب من الحساب المشترك بناءً على طلب صاحبة الحساب.”
ضرب العربية بإيده بعصبية.
وتمتم:
“سارة… لسه فاكرة إنها تقدر تعاندني.”
طلع رقمها.
اتصل.
الهاتف مغلق.
ضحك بسخرية.
“هترجعي… زي ما قلتلك زمان.”
لكن اللي ماكانش يعرفه…
إن سارة في اللحظة دي كانت بتحط بنتها في سرير دافي لأول مرة من شهور.
وإن القدر بدأ يكتب صفحة جديدة…
مش هيكون فيها مكان لأي حد كسر قلبها.
الفصل الثالث
في الليلة دي…
أنا وملك نمنا لأول مرة من شهور من غير ما نصحى كل شوية من البرد.
صحيت قبل الفجر كعادتي.
فضلت ثواني مش فاهمة أنا فين.
السقف أبيض.
الحيطة لونها بيج.
ريحة المكان نضيفة.
وبعدين افتكرت.
الشقة.
حضنت ملك وهي لسه نايمة، وبوست راسها.
همست:
“الحمد لله.”
دخلت المطبخ.
لقيت التلاجة فيها لبن، وجبنة، وبيض، وخضار، وحتى علبة شوكولاتة صغيرة مكتوب عليها بخط جميل:
“أهلاً بيكم في بيتكم الجديد.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
بعد ساعة…
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت ست محترمة في أواخر الأربعينات.
ابتسمت وقالت:
“أنا الأستاذة منى، مسؤولة الدعم الأسري في المؤسسة.”
دخلت وهي شايلة شنط.
هدوم جديدة لملك.
شنطة حضانة.
بطاطين.
ولاب توب مستعمل بحالة ممتازة.
استغربت.
قالت:
“الأستاذ سيف طلب إننا نبدأ معاكِ خطة ترجعك لسوق العمل.”
بصيت لها باستغراب.
“يعني إيه؟”
قالت:
“إحنا مش بنوزع مساعدات وبس… إحنا بنساعد الناس تقف على رجليها.”
طلعت ملف.
وقالت:
“إنتِ كنتِ سكرتيرة في عيادة أسنان، صح؟”
هزيت راسي.
“في مركز طبي محتاج موظفة استقبال، والمرتب كويس، وساعات العمل مناسبة عشان تقدري ترجعي تاخدي ملك.”
قلبي دق بسرعة.
بعد شهور من الضياع…
باب أمل اتفتح.
…
في نفس الوقت…
كان عمرو، والد ملك، قاعد في كافيه فاخر.
قدامه أصحابه.
بيضحك.
وبيحكي بفخر عن العربية الجديدة اللي اشتراها.
واحدة من الموجودين سألته:
“هو صحيح عندك بنت؟”
رد ببرود وهو بيرشف قهوته:
“كان في غلطة وعدت.”
“بتشوفها؟”
ضحك وقال:
“أنا ماليش دعوة بيها.”
في اللحظة دي…
موبايله رن.
كان رقم محاميه.
رد وهو متضايق.
لكن وشه اتغير فجأة.
“إيه؟! الحساب اتحجز عليه ليه؟”
المحامي قال بهدوء:
“في دعوى نفقة واتقدمت من أسبوعين، والمحكمة أصدرت قرارًا مؤقتًا بالحجز على جزء من أموالك لحين الفصل في القض..ية.”
وقف مرة واحدة.
“إزاي؟ هي عرفت مكاني؟”
رد المحامي:
“واضح إن في حد ساعدها توصل لكل بياناتك.”
قفل المكالمة.
ولأول مرة من سنين…
حس بالخوف.
…
أما عند سيف…
فكان واقف في مكتبه يبص من الشباك.
دخل عليه مدير المؤسسة.
قال:
“كل الإجراءات تمت.”
سيف سأله:
“ملك ارتاحت؟”
ابتسم المدير.
“أول ما شافت أوضتها فضلت تلف فيها وتضحك.”
ابتسم سيف لأول مرة من أيام.
لكن المدير سكت شوية وقال:
“في مشكلة.”
لف سيف بسرعة.
“إيه هي؟”
قال:
“في حد بيسأل عن سارة في كل مكان.”
“مين؟”
فتح المدير ملفًا صغيرًا.
وفيه صورة.
أول ما سيف شاف الصورة…
عرفه فورًا.
عمرو.
الرجل اللي تخلى عن سارة وهي حامل.
لكن الغريب…
إن عمرو ماكانش بيدور عليها عشان يعتذر.
كان بيدور عليها…
عشان يمنعها تكمل القض..ية اللي ممكن تخسره ملايين الجنيهات، وتكشف سرًا أخفاه عن الجميع لسنوات.
سيف قفل الملف بهدوء.
وقال بصوت حاسم:
“من النهارده… سارة وملك تحت حمايتي.”
وفي مكان آخر…
كان عمرو يبتسم ابتسامة باردة وهو يقول:
“لو افتكرت إنها هتاخد مني جنيه واحد بسهولة…
تبقى لسه متعرفنيش.”
وهنا…
بدأت المعركة الحقيقية.
الفصل الرابع
اليوم اللي بعده…
صحيت على صوت ضحكة ملك.
كانت أول مرة من شهور أصحى على ضحكة بدل صوت بكا.
خرجت من الأوضة، لقيتها قاعدة على الأرض، لابسة الفستان الجديد اللي المؤسسة جابتهولها، وحاضنة الدبدوب الأحمر.
أول ما شافتني، جريت عليا وقالت:
“ماما… بصي! عندي سرير لوحدي!”
ضحكت رغم الدموع اللي في عيني.
حضنتها وقلت:
“ويارب يفضل ليكي العمر كله.”
رن جرس الباب.
كانت الأستاذة منى.
ومعاها ظرف أبيض.
قالت:
“الأستاذ سيف مستنيكي الساعة عشرة في المؤسسة.”
استغربت.
“ليه؟”
ابتسمت.
“روحي وهتعرفي.”
…
وصلت المؤسسة.
كان المبنى كبير، لكن بسيط.
استقبلتني السكرتيرة بابتسامة.
وقالت:
“الأستاذ سيف مستني حضرتك.”
دخلت المكتب.
سيف كان واقف قدام الشباك.
لف أول ما دخلت.
وقال:
“اتفضلي اقعدي.”
قعدت وأنا متوترة.
فتح الملف الأسود اللي شوفته أول مرة.
وقال:
“فاكرة لما قلتلك إن الملف ده هيغير حياتك؟”
هزيت راسي.
طلع ورقة.
وحطها قدامي.
كانت عقد تمليك.
باسمي.
شهقت.
“إيه ده؟”
قال بهدوء:
“الشقة اللي إنتِ فيها.”
بصيتله بعدم تصديق.
“يعني إيه؟”
قال:
“الشقة بقت باسمك.”
وقفت مرة واحدة.
“مستحيل… أنا مستحيل أقبل.”
ابتسم.
“استني لما أشرح.”
قعدت تاني.
قال:
“من خمس سنين المؤسسة اتبرعلها راجل كبير بعمارة كاملة.”
“وكان شرطه إن الشقق تروح لأسر تستحق بداية جديدة.”
فتح الملف.
“ولجنة المؤسسة اختارتك.”
قلت بسرعة:
“بس ده بسببك.”
هز راسه بالنفي.
“لأ… بسبب تقرير الباحثين.”
مدلي نسخة.
بدأت أقرأ.
كانت مكتوب فيها كل حاجة.
إني رفضت أمد إيدي للناس.
وإني كنت ببيع دهبي حتة حتة علشان أصرف على بنتي.
وإني رغم الظروف، كنت كل يوم أغسل هدوم ملك وأكويها قبل الحضانة علشان محدش يحس إنها محتاجة.
وإن جيراني شهدوا إني عمري ما اشتكيت.
قفلت الملف وأنا بعيط.
قلت:
“أنا معرفش أشكرك إزاي.”
قال بهدوء:
“متشكرنيش… اشكري نفسك.”
…
في نفس الوقت…
كان عمرو داخل مكتب محاميه بعصبية.
رزع الباب.
وقال:
“أنا عايز البنت تختفي.”
المحامي بصله بصدمة.
“إيه؟”
قال وهو يعض على أسنانه:
“مش قصدي تموت… قصدي تختفي من حياتي.”
“القض..ية دي لو كسبتها… هتخسرني كتير.”
المحامي قال بصرامة:
“دي بنتك.”
رد ببرود:
“أنا معنديش بنات.”
المحامي قفل الملف.
وقال:
“أنا آسف… القض..ية دي أنا هنسحب منها.”
عمرو صرخ فيه.
لكن المحامي قام وخرج.
وسابه لوحده.
…
بعد الضهر…
كنت راجعة أنا وملك من شراء شوية احتياجات بسيطة.
ملك كانت ماسكة إيدي وتغني.
وفجأة…
وقفت.
وقالت:
“ماما…”
بصيتلها.
كانت بتشاور على عربية سودا فخمة واقفة على الناحية التانية.
الزجاج نزل ببطء.
ولقيت عمرو.
بعد ثلاث سنين كاملة.
وشه اتغير.
لكن غروره لسه زي ما هو.
ابتسم ابتسامة مستفزة.
وقال:
“كبرتِ أوي يا سارة.”
حضنت ملك ورا ضهري.
وقلت ببرود:
“إيه اللي جابك؟”
قال وهو نازل من العربية:
“جاي أشوف بنتي.”
ضحكت لأول مرة من قلبي.
ضحكة كلها وجع.
وقلت:
“بنتك؟”
سكت.
كملت:
“فاكر يوم ما قلتلي: إنتِ اللي اخترتي الطريق ده… ماتتصليش بيا لما الدنيا تضيق بيكي؟”
وشه اتجمد.
قلت:
“الدنيا ضاقت… وما اتصلتش.”
“وجعت… وما طلبتكش.”
“جعت… وما مدتش إيدي ليك.”
“دلوقتي افتكرت إن عندك بنت؟”
بص حواليه بخجل من الناس اللي بدأت تقف تتفرج.
وقال بصوت واطي:
“أنا مستعد أصلح كل حاجة.”
رديت بمنتهى الهدوء:
“في حاجات الفلوس بتصلحها.”
“وفي حاجات… العمر كله ميصلحهاش.”
ومسكت إيد ملك.
ولفيت أمشي.
لكن قبل ما أبعد بخطوتين…
سمعت صوت عربيات بتقف.
ثلاث عربيات سوداء.
نزل منها رجال أمن.
وفتحوا باب العربية اللي في النص.
ونزل سيف المنصوري.
بص لعمرو.
وبعدين بصلي.
وقال بهدوء:
“في مشكلة يا سارة؟”
وقبل ما أرد…
عمرو عرف من نظرة سيف إن المرة دي…
سارة ما بقتش لوحدها.
يتبع

