سفره ملوكي حكـايـات أسمـا ×3
قعدت على الكرسي وأنا ماسكة الصور بين إيديا.
الدنيا كلها كانت هادية بشكل غريب.
لدرجة إني كنت سامعة صوت عقارب الساعة في الصالة.
يمكن أي ست مكانى كانت هتجري تواجه جوزها.
أو تعمل خناقة.
أو تكسر الدنيا فوق دماغه.
لكن الحقيقة إن الصدمة الكبيرة أوي أحيانًا بتخليك أهدى من اللازم.
بصيت لكل صورة تاني.
وابتديت ألاحظ تفاصيل صغيرة.
في صورة كان لابس القميص اللي اشتريتهوله في عيد جوازنا.
في صورة تانية كان راكب العربية اللي أنا بدفع قسطها.
وفي صورة تالتة كان قاعد في مطعم أنا اللي دفعت حسابه لما قال وقتها إن ظروفه صعبة.
ضحكت.
ضحكة صغيرة موجوعة.
لأن الراجل اللي كان بيشتكي من ضيق الفلوس قدامي كان بيصرف ببذخ ورا ضهري.
ولما قلبت آخر صورة لقيت حاجة أهم من الصور نفسها.
إيصال حجز.
حجز شاليه في الساحل.
باسم أحمد.
ومعاه اسم الست.
والتاريخ كان من شهرين.
الشهر اللي قال فيه إنه مسافر مأمورية شغل.
ساعتها بس الصورة اكتملت.
ماكانش مجرد إهمال.
ولا مجرد استغلال.
ولا مجرد ضعف شخصية قدام أمه.
أحمد كان عايش حياة كاملة بعيد عني.
وأنا مجرد ماكينة تمويل.
قفلت الظرف كله.
وحطيته في درج مكتبي.
وفي اللحظة دي سمعت باب الشقة بيتفتح.
أحمد رجع.
دخل وهو بيصفّر.
وشكله مبسوط.
ولما شافني قاعده ابتسم وقال:
“إيه يا ستي؟ قاعدة في الضلمة ليه؟”
بصيتله.
نفس الوش.
نفس الملامح.
لكن لأول مرة ماحسيتش بأي حاجة ناحيته.
لا حب.
لا غضب.
لا حتى كره.
مجرد شخص غريب.
قال وهو بيقلع الجاكيت:
“أنا جعان جدًا.”
وبدأ يفتح التلاجة.
ابتسمت لنفسي.
لأن الراجل اللي واقف قدامي ماكانش يعرف إن حياته كلها بدأت تقع بالفعل.
مرت الأيام اللي بعدها بشكل طبيعي جدًا.
أو على الأقل ده اللي أحمد كان فاكره.
كنت بصحى.
أودي مريم الحضانة.
أروح الشغل.
أرجع البيت.
وأتعامل عادي.
لدرجة إنه بدأ يفتكر إن الموضوع عدى.
لكن في الحقيقة كنت بجمع كل حاجة.
كل كشف حساب.
كل تحويل بنكي.
كل فاتورة.
كل صورة.
كل تسجيل.
وكل مستند يثبت مين اللي كان شايل البيت ده كله فوق كتفه.
بعد أسبوعين بالضبط اتصل بيا المحامي.
وقال:
“الملف جاهز.”
سألته:
“كله؟”
قال:
“كله.”
وفي نفس اليوم قابلته.
وقعد قدامي يحط الملفات فوق المكتب.
ملف خاص بالممتلكات.
ملف خاص بالتحويلات المالية.
ملف خاص بخيانة أحمد.
وملف كامل عن الشقة.
وبعدين قال:
“في معلومة مهمة جدًا.”
بصيتله.
قال:
“الشركة اللي أحمد مسجل نفسه فيها شريك.”
هززت راسي.
“مالها؟”
ابتسم.
وقال:
“إنتي المالكة الفعلية ليها.”
سكت ثواني حتى أستوعب.
قال:
“رأس المال بالكامل خارج من حساباتك. وعندنا كل الإثباتات.”
حسيت إن أحمد لو عرف المعلومة دي هيغمى عليه.
لأنه كان طول الوقت بيتعامل على إنه رجل الأعمال الناجح.
بينما الحقيقة إنه كان بيعيش على مجهودي أنا.
رجعت البيت يومها.
ولقيت مفاجأة جديدة.
الحاجة نادية وريهام والست الغريبة اللي في الصور قاعدين في الصالة.
في بيتي.
على الكنبة اللي أنا اشتريتها.
وبيشربوا القهوة من الطقم اللي أنا جايباه.
وقبل ما أتكلم حتى.
قامت الست ومدت إيدها.
وقالت بابتسامة واسعة:
“أخيرًا اتقابلنا.”
بصيت لإيدها.
وما سلمتش.
سألت بهدوء:
“مين حضرتك؟”
بصت ناحية أحمد.
وأحمد بلع ريقه.
أما الحاجة نادية فقالت بمنتهى الوقاحة:
“دي هبة.”
سكتت ثانيتين.
وبعدين كملت:
“والحمد لله أحمد ناوي يتجوزها.”
الصالة كلها سكتت.
حتى ريهام بطلت تتنفس تقريبًا.
لأن الحاجة نادية كانت فاكرة إني هنهار.
أو أصرخ.
أو أعيط.
لكن اللي حصل كان العكس تمامًا.
ابتسمت.
ابتسامة هادية جدًا.
وقلت:
“مبروك.”
أحمد رفع رأسه فجأة.
وهبة نفسها اتلخبطت.
أما الحاجة نادية فاتكلمت بسرعة:
“إنتي مش زعلانة؟”
ضحكت.
وقلت:
“ليه أزعل؟”
وبعدين بصيت لأحمد مباشرة.
وقلت:
“بالعكس.”
“بالعكس إيه؟”
“وفرت عليا خطوة كنت ناوية أعملها بنفسي.”
وشه شحب.
وأول مرة الخوف الحقيقي يظهر في عينيه.
لأن نبرة صوتي كانت مختلفة.
وكان واضح جدًا إن في حاجة كبيرة جاية.
حاجة أكبر من خيانة.
وأكبر من طلاق.
وأكبر حتى من الفلوس.
لأن أحمد لسه ماكانش يعرف إن في صباح اليوم التالي…
هيصحى على خبر هيقلب حياته كلها رأسًا على عقب.
خبر هيخليه يتمنى لو كانت أزمة العيش الناشف هي أكبر مشاكله.
يتبع…في صباح اليوم التالي صحيت بدري جدًا.
حضرت مريم للحضانة.
ولبست بدلة شغل بسيطة.
وشربت قهوتي بهدوء.
بينما أحمد كان قاعد قدامي على السفرة.
واضح إنه ما نامش كويس.
كل شوية يبصلي.
وكأنه مستني انفجار.
خناقة.
دموع.
أي رد فعل طبيعي من ست عرفت إن جوزها بيخونها.
لكن الهدوء اللي كنت فيه كان مرعب بالنسبة له.
قال وهو بيقلب في الفنجان:
“إنتي كويسة؟”
رفعت عيني ليه.
وابتسمت.
“جداً.”
ما ردش.
لأن الإجابة خوّفته أكتر.
خرجت من البيت.
ووصلت الشركة.
وفي تمام الساعة العاشرة صباحًا بدأت أول خطوة.
اجتماع مجلس الإدارة.
الشركة اللي أحمد كان بيفتخر قدام الناس إنه شريك فيها.
الشركة اللي كان بيقول للكل إنه بناها بعرقه.
الحقيقة إنه عمره ما دخل فيها جنيه واحد.
كان مجرد اسم.
واجهة.
أما التمويل والتوسعات والعقود فكلها كانت خارجة من حساباتي.
دخلت قاعة الاجتماعات.
والمحامي جنبي.
والمحاسب القانوني موجود.
وبعد ساعة واحدة فقط تم التصويت على تعديل الصلاحيات.
وتجميد توقيع أحمد على كل الحسابات الخاصة بالشركة لحين مراجعة الوضع المالي.
قرار قانوني تمامًا.
موثق.
ولا يقدر يعترض عليه.
الساعة كانت واحدة ظهرًا لما رن تليفوني.
أحمد.
رديت.
لقيته بيصرخ.
“إيه اللي حصل؟!”
قلت بهدوء:
“خير؟”
“خير إيه؟! الشركة منعتني أدخل على الحسابات!”
“آه.”
“آه؟!”
“آه.”
سكت ثواني.
ثم قال بعصبية:
“إنتي عملتي إيه؟”
قلت:
“مجرد تصحيح وضع.”
قفلت المكالمة.
ورجعت لشغلي.
بعد أقل من ساعة وصلني إشعار من البنك.
محاولة فاشلة لسحب مبلغ كبير من البطاقة.
عرفت فورًا إنه أحمد.
كان بيحاول يسحب فلوس كالعادة.
لكن الحسابات المشتركة اللي كان بيعتمد عليها اتقفلت.
الصلاحيات اتغيرت.
واللعبة كلها بدأت تتحرك من تحت رجليه.
الساعة خمسة مساءً رجعت البيت.
وأول ما فتحت الباب لقيت أحمد واقف في الصالة.
وشه أحمر.
وعينيه كلها غضب.
الحاجة نادية قاعدة جنبه.
وريهام.
وهبة.
كلهم مستنييني.
كأنها محكمة عائلية.
دخلت بهدوء.
حطيت شنطتي.
وقعدت.
أحمد ضرب بيده على الترابيزة.
“إنتي بتخربي بيتي!”
ضحكت.
لأول مرة قدامهم كلهم.
ضحكة حقيقية.
قلت:
“بيتك؟”
سكت.
كملت:
“أنهي بيت فيهم؟”
وشه اتشد.
قلت:
“البيت اللي باسمي؟”
وسكتت ثواني.
“ولا الشركة اللي من فلوسي؟”
الصمت نزل على المكان.
الحاجة نادية بصت لأحمد بسرعة.
كأنها أول مرة تسمع الكلام ده.
أما هبة فوشها بدأ يتغير.
واضح إنها كانت متخيلة قصة مختلفة تمامًا.
أحمد حاول يتماسك.
وقال:
“إنتي مراتي.”
قلت:
“قريبًا هبقى طليقتك.”
الصدمة ظهرت على وشوشهم كلهم.
حتى هبة نفسها.
أحمد قام واقف.
“إنتي بتهدديني؟”
فتحت شنطتي.
وطلعت ظرف الصور.
ورميته قدامه.
الصور اتناثرت على الترابيزة.
في ثواني.
لون وشه اختفى.
وهبة بصت للصور.
ثم بصت له.
ثم للصور تاني.
كأنها هي نفسها ما كانتش تعرف إن فيه حد متابعهم.
أما الحاجة نادية ففضلت ساكتة لأول مرة من يوم ما عرفتها.
قلت بهدوء:
“الخيانة موثقة.”
وسحبت ملف تاني.
“والاستيلاء على الدهب موثق.”
وسحبت ملف تالت.
“وإهمال طفلة عمرها 3 سنين موثق.”
بعدها وقفت.
وبصيت لكل واحد فيهم.
واحد واحد.
وقلت:
“من النهارده عندكم أسبوع.”
أحمد قال:
“أسبوع ليه؟”
قلت:
“عشان تسيبوا الشقة.”
الحاجة نادية شهقت.
“إيه؟!”
“الشقة ملكي.”
“إحنا أهل!”
“وأنا صاحبة البيت.”
أحمد قرب خطوة.
“مش هطلع.”
ابتسمت.
وسحبت ورقة من الملف.
وأديتهاله.
بص فيها.
وبدأ يقرأ.
وببطء شديد…
اللون اختفى من وشه.
لأن الورقة كانت إنذار رسمي بالإخلاء.
صادر من محامي.
ومدعوم بكل المستندات القانونية.
ولأول مرة في حياته.
اكتشف إن كل الأبواب اللي كان مستند عليها بدأت تتقفل.
أما أنا فلفيت واتجهت ناحية أوضة مريم.
قبل ما أدخل وقفت.
وبدون ما أبص ورايا قلت جملة واحدة:
“لما بنتي كانت بتاكل عيش ناشف في البلكونة… كنتوا فاكرين إنكم انتصرتوا.”
سكتت لحظة.
ثم كملت:
“الحقيقة إن ده كان اليوم اللي خسرتوا فيه كل حاجة.”
وأقفلت باب الأوضة.
بينما خلفي…
كان صوت الخوف الحقيقي بيبدأ لأول مرة في البيت.
يتبع…