اتوبيس عام حكـايـات أسمـا ×3

الفصل التالي

 

لم ينطق أحد بكلمة لعدة دقائق.

 

كانت الرسالة الصغيرة الموضوعة فوق الطاولة أثقل من كل الملفات التي جمعوها.

 

قالت سلمى بصوت خافت:

 

“يعني بابا كان عارف إنه ممكن يموت؟”

 

لم يجب أحد.

 

لأن الإجابة كانت واضحة ومؤلمة في الوقت نفسه.

 

أخذ حسام الورقة مرة أخرى.

 

وقرأ السطر الأخير مرات عديدة.

 

“ابحثوا عن الرجل صاحب السيارة السوداء… هو الوحيد الذي رأى كل شيء.”

 

قال خالد فجأة:

 

“أنا فاكر حاجة.”

 

التفت الجميع إليه.

 

فأكمل:

 

“بعد الجنازة بأيام… محمود كان سايب مفكرة صغيرة في مكتبه.”

 

“وبعدين؟”

 

“كان فيها رقم لوحة عربية.”

 

قفز حسام من مكانه.

 

“إيه؟”

 

هز خالد رأسه.

 

وقال:

 

“افتكرت دلوقتي بس.”

 

ثم أسرع إلى غرفة أخرى.

 

وبعد دقائق عاد بدفتر قديم أصفر اللون.

 

بدأ يقلب صفحاته المرتعشة.

 

حتى توقف عند صفحة معينة.

 

وأشار إليها.

 

كانت هناك أرقام مكتوبة بقلم أزرق باهت.

 

ورقم لوحة سيارة.

 

وتحتها عبارة قصيرة بخط محمود:

 

“لو حصلي حاجة… دوروا على العربية دي.”

 

شعر حسام بأن قلبه يقفز داخل صدره.

 

لأنهم أخيرًا امتلكوا خيطًا حقيقيًا.

 

وفي اليوم التالي بدأت رحلة البحث.

 

استعان حسام بأحد أصدقائه العاملين في مجال التوثيق القانوني.

 

واستغرق الأمر عدة أيام.

 

لكن النتيجة جاءت أخيرًا.

 

السيارة كانت مسجلة باسم رجل يدعى عادل الشربيني.

 

سائق شاحنات سابق.

 

يعيش في محافظة الإسماعيلية.

 

ويبلغ من العمر الآن ثلاثة وسبعين عامًا.

 

قال حسام:

 

“لازم نسافر فورًا.”

 

—

 

في صباح اليوم التالي انطلقت السيارة نحو الإسماعيلية.

 

كان الطريق طويلًا.

 

لكن التوتر جعل الساعات تمر ببطء شديد.

 

أميرة كانت تنظر من النافذة طوال الوقت.

 

بينما كانت سلمى تمسك صورة والدها القديمة.

 

أما حسام فكان يراجع كل المعلومات التي جمعوها.

 

وعندما وصلوا أخيرًا إلى العنوان…

 

تفاجؤوا بشيء لم يتوقعوه.

 

المنزل كان موجودًا.

 

لكن صاحبه لم يعد هناك.

 

قال أحد الجيران:

 

“عم عادل باع البيت من سنة.”

 

شعر الجميع بالإحباط.

 

لكن الرجل أكمل:

 

“بس لسه عايش.”

 

تعلق الأمل في قلوبهم من جديد.

 

وسأله حسام بسرعة:

 

“فين؟”

 

أشار الرجل إلى قرية صغيرة قريبة.

 

وقال:

 

“عنده مزرعة هناك.”

 

بعد ساعة أخرى من البحث…

 

وصلوا.

 

كان المكان بسيطًا جدًا.

 

منزل صغير.

 

وأشجار مانجو.

 

وساحة ترابية واسعة.

 

وفي منتصفها جلس رجل عجوز يطعم الدجاج.

 

نظر إليهم باستغراب عندما اقتربوا.

 

ثم تجمد فجأة.

 

لأن عينيه وقعتا على صورة محمود الموجودة في يد سلمى.

 

سقط وعاء الطعام من يده.

 

وقال بصوت مرتعش:

 

“محمود؟”

 

شعرت أميرة بقشعريرة قوية.

 

وقالت:

 

“حضرتك تعرفه؟”

 

ظل الرجل صامتًا للحظات.

 

ثم جلس ببطء على المقعد الخشبي.

 

وقال:

 

“عرفته آخر يوم في حياته.”

 

—

 

بعد ساعة كاملة.

 

كان الجميع يجلس داخل المنزل الصغير.

 

والعجوز أمامهم.

 

يمسك كوب الشاي بيد مرتجفة.

 

قال حسام:

 

“إحنا جينا علشان نعرف الحقيقة.”

 

أغلق الرجل عينيه.

 

ثم قال:

 

“أنا كنت شاهد.”

 

ساد الصمت.

 

وأضاف:

 

“وشاهدت كل حاجة.”

 

توقفت أنفاس الجميع.

 

أما سلمى فشعرت أن قلبها يدق بعنف داخل صدرها.

 

قال الرجل:

 

“في الليلة دي كنت سايق عربيتي على الطريق الدائري.”

 

“وبعدين؟”

 

“شفت عربية سودا كبيرة بتطارد عربية محمود.”

 

تجمدت أميرة.

 

وقال حسام بسرعة:

 

“متأكد؟”

 

“أقسم بالله.”

 

ثم أكمل:

 

“في الأول افتكرتها خناقة طريق عادية.”

 

لكن ما حدث بعدها لم يكن عاديًا.

 

قال العجوز:

 

“العربية السودا قربت منه أكتر من مرة.”

 

“وبعدين؟”

 

“وفي لحظة…”

 

توقف.

 

وانخفض صوته.

 

“… خبطوه.”

 

شعرت أميرة أن الدنيا تدور حولها.

 

أما سلمى فانهارت دموعها فورًا.

 

قال حسام بصوت مخنوق:

 

“يعني الحادث كان متعمد؟”

 

هز الرجل رأسه ببطء.

 

وقال:

 

“أيوه.”

 

ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.

 

لكن العجوز لم يكن قد انتهى بعد.

 

قال:

 

“في حاجة عمري ما قلتها لحد.”

 

رفع الجميع رؤوسهم.

 

فأكمل:

 

“أنا شفت اللي كان سايق العربية السودا.”

 

وقف حسام فجأة.

 

وقال:

 

“مين؟”

 

أخذ الرجل نفسًا عميقًا.

 

ونظر إلى صورة محمود.

 

ثم قال الكلمات التي غيرت كل شيء:

 

“ماكانش واحد غريب.”

 

تجمد الجميع.

 

وأكمل العجوز:

 

“كان شخص محمود يعرفه كويس جدًا.”

 

شعرت أميرة أن قلبها سيتوقف.

 

أما خالد فبدأ وجهه يشحب ببطء.

 

لأن هناك اسمًا واحدًا فقط بدأ يتشكل داخل عقله.

 

اسم لم يجرؤ أحد على نطقه حتى الآن.

 

لكن العجوز نظر مباشرة إلى خالد.

 

وقال:

 

“وأظن إنك إنت كمان تعرفه.”

 

وفي تلك اللحظة…

 

أدرك خالد أن السر الذي هرب منه عشرين عامًا كاملة…

 

وصل أخيرًا إلى بابه.

 

يتبع…

الفصل التالي

 

ساد صمت ثقيل داخل المنزل الصغير.

 

حتى صوت الريح القادمة من الحقول بدا أعلى من المعتاد.

 

كان الجميع ينظر إلى عادل الشربيني.

 

ينتظر الاسم.

 

ينتظر الحقيقة التي طاردتهم طوال هذه السنوات.

 

أما خالد…

 

فكان وجهه شاحبًا بصورة لم يرها أحد من قبل.

 

قال حسام بصوت حاد:

 

“مين كان سايق العربية؟”

 

أخذ عادل نفسًا طويلًا.

 

ثم قال:

 

“قبل ما أقول الاسم… لازم تعرفوا حاجة.”

 

ضرب حسام الطاولة بيده.

 

“قول الحقيقة مباشرة.”

 

لكن الرجل العجوز هز رأسه.

 

وقال:

 

“الحقيقة أعقد مما أنتم متخيلين.”

 

ثم نظر إلى خالد.

 

وأضاف:

 

“لأن الراجل اللي شفته ماكانش القاتل.”

 

تجمد الجميع.

 

قالت أميرة:

 

“إزاي؟”

 

أجاب:

 

“لأنه كان بيحاول يمنع اللي حصل.”

 

ساد الصمت مجددًا.

 

ثم أخرج الرجل من درج قديم صورة باهتة.

 

احتفظ بها طوال عشرين عامًا.

 

وضعها أمامهم.

 

وحين نظروا إليها…

 

شهقت أميرة.

 

كان الرجل الموجود بالصورة هو سامح رشدي.

 

المحامي.

 

صديق محمود.

 

والرجل الذي ساعدهم في الوصول إلى الملف.

 

قال حسام بصدمة:

 

“مستحيل.”

 

هز عادل رأسه.

 

وقال:

 

“أنا شفته بعيني.”

 

شعر الجميع وكأن الأرض تهتز تحتهم.

 

لكن عادل أكمل:

 

“العربية السودا كانت فيها اتنين.”

 

رفع حسام رأسه بسرعة.

 

“اتنين؟”

 

“أيوه.”

 

وأشار إلى الصورة.

 

“سامح كان راكب جنب السواق.”

 

“والسواق؟”

 

أجاب الرجل ببطء شديد:

 

“وجهه ماشفتهوش بوضوح.”

 

تبادل الجميع النظرات.

 

لأن هذا يغير كل شيء.

 

سامح لم يكن مجرد شاهد.

 

بل كان موجودًا في الليلة نفسها.

 

وفي المكان نفسه.

 

قال خالد فجأة:

 

“وده السبب.”

 

التفتوا إليه.

 

فأكمل:

 

“عشان كده احتفظ بالملف كل السنين دي.”

 

قال حسام:

 

“إيه اللي بتقوله؟”

 

نظر خالد إلى الأرض.

 

ثم قال:

 

“في يوم وفاة محمود… سامح كلمني.”

 

ساد الصمت.

 

وأضاف:

 

“وقال لي أخفي كل الأوراق.”

 

اتسعت عينا أميرة.

 

“إنت عمرك ما قلت الكلام ده.”

 

قال خالد بصوت مكسور:

 

“لأني كنت خايف.”

 

ثم أضاف:

 

“وخايف لحد النهارده.”

 

—

 

عادوا إلى القاهرة في مساء اليوم نفسه.

 

لكن الرحلة كانت مختلفة.

 

كل واحد منهم كان يفكر في شيء واحد.

 

سامح رشدي.

 

الرجل الذي وثقوا فيه.

 

الرجل الذي قادهم بنفسه إلى الأدلة.

 

هل كان يساعدهم فعلًا؟

 

أم كان يوجههم بعيدًا عن الحقيقة طوال الوقت؟

 

في صباح اليوم التالي…

 

ذهب حسام وحده إلى مكتب سامح.

 

لكن المكتب كان مغلقًا.

 

اتصل به.

 

الهاتف مغلق.

 

ذهب إلى منزله.

 

لم يرد أحد.

 

ثم اكتشف المفاجأة.

 

سامح اختفى.

 

منذ الليلة السابقة.

 

بلا أي أثر.

 

وبدأت الشكوك تتحول إلى خوف.

 

لأن الرجل الوحيد الذي يمتلك إجابات كثيرة…

 

اختفى في اللحظة التي اقتربوا فيها من الحقيقة.

 

—

 

بعد يومين.

 

وأثناء مراجعة محتويات الملف الأسود مرة أخرى…

 

عثرت سلمى على شيء لم ينتبه إليه أحد.

 

كان ظرفًا صغيرًا عالقًا بين الصفحات الأخيرة.

 

لم يكن مكتوبًا عليه شيء.

 

فتحته بحذر.

 

وفي داخله مفتاح معدني صغير.

 

ومع المفتاح ورقة.

 

ورقة بخط محمود.

 

لكن هذه المرة لم تكن رسالة.

 

بل عنوان فقط.

 

عنوان لمخزن قديم مهجور في المنطقة الصناعية بالعاشر من رمضان.

 

وتحت العنوان أربع كلمات فقط:

 

“الحقيقة الكاملة موجودة هنا.”

 

توقف قلب حسام للحظة.

 

أما أميرة فشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.

 

لأنها بدأت تدرك أن محمود كان يخطط لكل شيء.

 

وكأنه كان يعلم أن أحدًا سيأتي يومًا ليكمل الطريق من بعده.

 

وفي صباح اليوم التالي…

 

انطلقوا جميعًا نحو العنوان.

 

كان المخزن مهجورًا بالفعل.

 

الأبواب مغطاة بالصدأ.

 

والنوافذ مكسورة.

 

لكن المفتاح الذي وجدته سلمى…

 

فتح الباب بسهولة.

 

دخلوا ببطء.

 

وكان الظلام يملأ المكان.

 

أضاء حسام المصباح.

 

وتقدم عدة خطوات.

 

ثم توقف فجأة.

 

لأن هناك شيئًا في نهاية المخزن.

 

شيئًا مغطى بقماش رمادي كبير.

 

اقتربوا أكثر.

 

وسحب القماش.

 

فانكشفت سيارة قديمة.

 

سيارة سوداء.

 

شعر الجميع بأن الدم تجمد في عروقهم.

 

لأن رقم اللوحة…

 

كان مطابقًا تمامًا للرقم الذي كتبه محمود في دفتره قبل وفاته.

 

أما الصدمة الأكبر…

 

فكانت عندما فتح حسام باب السيارة.

 

فوجد في المقعد الخلفي حقيبة جلدية مغلقة.

 

وبداخل الحقيبة…

 

جهاز تسجيل قديم.

 

وأربع أشرطة صوتية.

 

وفوقها ورقة واحدة كتب عليها محمود بخط يده:

 

“إذا استمعت إلى هذه التسجيلات…

فلقد وصلت أخيرًا إلى الحقيقة التي حاولوا دفنها.”

 

نظر الجميع إلى بعضهم.

 

وكانوا يدركون أن ما سيستمعون إليه بعد دقائق…

 

قد يدمر حياة أشخاص كثيرين.

 

وقد يكشف اسم الرجل الحقيقي المسؤول عن كل ما حدث.

 

لكنهم لم يكونوا يعلمون أن أحدًا آخر كان يراقبهم من خارج المخزن في تلك اللحظة.

 

شخص ظل يتابع تحركاتهم منذ أسابيع.

 

وشاهدهم الآن وهم يعثرون على آخر أسرار محمود.

 

وعندما ابتعد بسيارته عن المكان…

 

أخرج هاتفه.

 

وأجرى مكالمة قصيرة.

 

ثم قال جملة واحدة:

 

“لقوا التسجيلات.”

 

يتبع…

الفصل التالي

 

أغلق الرجل الهاتف.

 

وانطلقت سيارته مبتعدة وسط الطريق الترابي.

 

أما داخل المخزن…

 

فلم يكن أحد يعلم أن خبر العثور على التسجيلات وصل بالفعل إلى شخص آخر.

 

شخص انتظر عشرين عامًا كاملة حتى يتأكد أن تلك الأشرطة ما زالت موجودة.

 

—

 

جلس الأربعة داخل المخزن.

 

أميرة.

 

سلمى.

 

حسام.

 

وخالد.

 

وكان جهاز التسجيل القديم موضوعًا فوق صندوق خشبي مهترئ.

 

ارتجفت يد سلمى وهي تمسك أول شريط.

 

وقالت:

 

“ده صوت بابا…”

 

لم يرد أحد.

 

لأن الجميع كان يشعر بالرهبة نفسها.

 

أدخل حسام الشريط الأول.

 

وضغط زر التشغيل.

 

صدر صوت تشويش قديم.

 

ثم…

 

ظهر صوت محمود.

 

واضحًا بصورة أدهشت الجميع.

 

“إذا كنت تسمعني الآن…

 

فهذا يعني أن الأمور سارت أسوأ مما توقعت.”

 

انهمرت دموع أميرة فورًا.

 

أما سلمى فوضعت يدها على فمها.

 

لأنها تسمع صوت والدها لأول مرة في حياتها.

 

واصل محمود حديثه:

 

“اسمي محمود عبدالسلام.

 

وقد سجلت هذه الرسائل لأنني لم أعد أثق أنني سأتمكن من قول الحقيقة بنفسي.”

 

ساد الصمت داخل المخزن.

 

ثم أكمل:

 

“خلال الأشهر الماضية اكتشفت شبكة فساد كبيرة.”

 

بدأ يسرد أسماء شركات.

 

وعقودًا مزورة.

 

وحسابات سرية.

 

وأرقام تحويلات مالية.

 

وكان كل شيء موثقًا بدقة.

 

لكن المفاجأة لم تكن هنا.

 

بل في نهاية الشريط.

 

حين قال:

 

“وأخطر ما اكتشفته…

 

أن الشخص الذي يدير كل شيء لا يظهر في أي ورقة.”

 

توقف التسجيل.

 

وانتهى الشريط الأول.

 

—

 

بعد دقائق…

 

بدأوا الاستماع إلى الشريط الثاني.

 

وكان أكثر خطورة.

 

فيه تسجيلات لمكالمات هاتفية.

 

واجتماعات سرية.

 

وأصوات رجال يتحدثون عن رشاوى وصفقات غير قانونية.

 

لكن اسمًا واحدًا تكرر مرارًا.

 

رفعت المنصوري.

 

الرجل الذي ظنوا أنه رأس الشبكة.

 

قال حسام:

 

“إذن هو المسؤول.”

 

لكن خالد هز رأسه.

 

وقال:

 

“استنى.”

 

وأشار إلى الشريط الثالث.

 

—

 

بدأ التسجيل الثالث.

 

وفي الدقيقة السابعة تقريبًا…

 

حدث شيء لم يكن أحد مستعدًا له.

 

قال محمود داخل التسجيل:

 

“رفعت المنصوري مجرد واجهة.”

 

شعر الجميع بصدمة.

 

ثم أكمل:

 

“الشخص الحقيقي أكبر منه.”

 

تسارعت أنفاس أميرة.

 

أما حسام فاقترب من الجهاز أكثر.

 

ثم جاء الاسم.

 

الاسم الذي قلب كل شيء.

 

“الرجل الحقيقي هو…”

 

وفجأة انقطع الصوت.

 

تحول التسجيل إلى تشويش حاد.

 

ثم صمت كامل.

 

قفز حسام من مكانه.

 

وقال:

 

“إيه ده؟”

 

بدأ يقلب الشريط.

 

ويعيده.

 

لكن الجزء الأهم كان تالفًا.

 

تمامًا.

 

وكأن أحدًا تعمد إتلاف تلك الثواني وحدها.

 

قالت سلمى:

 

“مستحيل.”

 

أما خالد فبدا وكأنه رأى شبحًا.

 

وقال بصوت مرتجف:

 

“حد وصل للتسجيل قبلنا.”

 

—

 

لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الشريط الرابع.

 

لأن محمود لم يتحدث فيه عن الفساد.

 

ولا عن الأموال.

 

ولا عن الشركات.

 

بل تحدث عن عائلته.

 

قال بصوت هادئ:

 

“لو وصلتوا للشريط ده…

 

فده معناه إنكم قربتم جدًا.”

 

سكت لحظة.

 

ثم قال:

 

“أميرة…

 

أنا آسف.”

 

انفجرت أميرة بالبكاء.

 

وأكمل محمود:

 

“كنت محتاج أحكي لك كل حاجة.

 

لكن كل مرة كنت بخاف عليكِ أكتر.”

 

ثم تابع:

 

“وسلمى…

 

لو كبرتي وسمعتي كلامي…

 

فأنا فخور بيكي حتى لو ما شفتكيش.”

 

كانت دموع سلمى تنهمر بلا توقف.

 

أما حسام فشعر بغصة في حلقه.

 

لكن محمود لم ينتهِ.

 

بل قال الجملة التي ستغير كل شيء:

 

“في حالة موتي…

 

ابحثوا عن الخزنة رقم 317.”

 

رفع الجميع رؤوسهم فجأة.

 

وقال حسام:

 

“خزنة؟”

 

واصل محمود:

 

“البنك القديم في وسط القاهرة.

 

كل الأدلة الأصلية موجودة هناك.”

 

ثم أضاف:

 

“وإذا كانت الخزنة ما زالت موجودة…

 

فستعرفون الاسم الذي حُذف من الشريط الثالث.”

 

وانتهى التسجيل.

 

—

 

ساد صمت طويل.

 

ثم قال خالد:

 

“إحنا لازم نروح البنك.”

 

لكن في تلك اللحظة بالذات…

 

رن هاتف حسام.

 

نظر إلى الشاشة.

 

ورأى رقمًا مجهولًا.

 

أجاب بحذر.

 

فجاءه صوت رجل عجوز.

 

صوت يعرفه جيدًا.

 

صوت سامح رشدي.

 

المحامي المختفي.

 

قال سامح بسرعة:

 

“اسمعني كويس وما تقاطعنيش.”

 

تجمد حسام.

 

أما البقية فحدقوا فيه.

 

وأكمل سامح:

 

“في ناس جاية عندكم دلوقتي.”

 

“إيه؟”

 

“اخرجوا من المخزن فورًا.”

 

“ليه؟”

 

جاء الرد مخيفًا:

 

“لأن الشخص اللي حذفه محمود من الشريط الثالث…

 

عرف إنكم وصلتوا للخزنة.”

 

ثم انقطع الخط.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

وصل إلى آذانهم صوت سيارات تتوقف خارج المخزن.

 

سيارات متعددة.

 

وأبواب تُفتح.

 

وخطوات رجال تقترب بسرعة من المدخل.

 

أطفأ حسام جهاز التسجيل فورًا.

 

ونظر إلى أميرة وسلمى.

 

ثم قال:

 

“يلا… لازم نتحرك حالًا.”

 

لكنهم كانوا قد تأخروا ثانية واحدة فقط.

 

لأن باب المخزن الخارجي بدأ يُفتح ببطء…

 

ومن خلفه ظهر أول رجل يرتدي بدلة سوداء.

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *