جاكت جلد حكـايـات أسمـا ×2


فتحت الرسالة وإيدي بترتعش لدرجة إني كنت خايفة الورقة تقع مني.

 

خط كريم.

 

نفس الخط اللي كان بيكتب بيه ملاحظاته على الثلاجة.

 

نفس الخط اللي كان بيكتب بيه “بحبك يا أمي” في بطاقات عيد الأم.

 

قرأت أول سطر بصعوبة:

 

“ماما… لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى للأسف الوقت خلص قبل ما أقدر أوصل لك بنفسي.”

 

دموعي نزلت على الورقة.

 

كملت القراءة.

 

“أول حاجة لازم تعرفيها إني ما هربتش. والله ما هربت. أنا كنت ناوي أرجع البيت يومها عادي جدًا.”

 

وقفت أنفاسي.

 

طوال سنة كاملة كنت بسأل نفسي السؤال ده.

 

هل كريم هرب؟

 

هل زهق من حياته؟

 

هل سابنا بإرادته؟

 

والآن أخيرًا عرفت الإجابة.

 

لا.

 

ابني ما هربش.

 

كملت.

 

“فاكرة الراجل اللي كان بييجي يصلح أجهزة الكمبيوتر عند المدرسة؟”

 

حاولت أفتكر.

 

وبالفعل.

 

كان فيه شخص اسمه سامر.

 

كان متطوع أحيانًا في أنشطة المدرسة.

 

“في الأول افتكرته شخص طيب. كان بيساعد الطلاب وبيتكلم معانا كتير. لكن بعد فترة اكتشفت حاجة غريبة.”

 

شعرت ببرودة في أطرافي.

 

“في يوم بالصدفة شفته بيسلم شنطة لرجل تاني خلف المدرسة.”

 

كريم كان دائم الفضول.

 

أعرف ده جيدًا.

 

كان مستحيل يشوف حاجة غريبة ويسكت.

 

“صورتهم بالموبايل.”

 

هنا اتسعت عيناي.

 

كريم صورهم؟

 

كملت بسرعة.

 

“ولما عرفوا إني صورتهم بدأت المشاكل.”

 

سقطت دمعة جديدة على الورقة.

 

“في البداية حاولوا ياخدوا الموبايل. وبعدها بدأوا يراقبوني.”

 

بدأت الصورة تتضح.

 

شيئًا فشيئًا.

 

“يوم الثلاثاء اللي اختفيت فيه، كنت رايح للشرطة.”

 

شهقت.

 

الراجل العجوز في الكشك رفع رأسه ناحيتي.

 

أما أنا فلم أعد أرى شيئًا.

 

كنت غارقة داخل كلمات ابني.

 

“لكن قبل ما أوصل، شفت العربية السودا.”

 

العربية نفسها.

 

العربية التي تحدث عنها خالي.

 

والعربية التي ظهرت في الكاميرات.

 

“عرفت إنهم عرفوا إني رايح أبلغ.”

 

أغمضت عيني.

 

كريم كان في السادسة عشرة فقط.

 

طفل.

 

مجرد طفل.

 

ومع ذلك كان يواجه أشخاصًا خطرين بمفرده.

 

“هربت.”

 

كلمة واحدة.

 

لكنها حملت خوف سنة كاملة.

 

“فضلت أتنقل من مكان لمكان.”

 

كملت القراءة.

 

ثم وصلت إلى جملة جعلت قلبي يتوقف:

 

“بس فيه حاجة أخطر لسه ما تعرفيهاش.”

 

شعرت أن يدي تجمدت.

 

“الشخص اللي كان معاهم… شخص إحنا نعرفه.”

 

لا.

 

لا.

 

أرجوك يا كريم.

 

لا تقل هذا.

 

“والشخص ده كان بيدخل بيتنا.”

 

شهقت بقوة.

 

بدأت أقرأ السطور التالية بعينين دامعتين.

 

لكن فجأة…

 

توقفت الرسالة.

 

الصفحة انتهت.

 

قلبتها بسرعة.

 

بحثت عن بقية الكلام.

 

لا شيء.

 

كان هناك سطر أخير فقط.

 

“لو وصلت للرسالة دي… دوري على البنت اللي اسمها ليلى.”

 

وبعدها انتهت الرسالة.

 

انتهت.

 

وكأن كريم كان سيكملها لاحقًا.

 

لكنه لم يفعل.

 

ظللت جالسة دقائق طويلة غير قادرة على الحركة.

 

ثم رفعت رأسي نحو بائع الجرائد.

 

“البنت دي فين؟”

 

هز رأسه.

 

“معرفش.”

 

شعرت بالانهيار.

 

الخيط الوحيد الذي أملكه انتهى.

 

لكن قبل أن أغادر أمسك الرجل بيدي.

 

وقال:

 

“استني.”

 

التفت إليه.

 

“البنت دي كانت بتيجي معاه أحيانًا.”

 

حبست أنفاسي.

 

“وشكلها كانت بتحبه.”

 

…

 

ثلاثة أيام كاملة قضيتها أبحث عن ليلى.

 

راجعت الكاميرات.

 

راجعت صفحات الإنترنت.

 

راجعت البلاغات القديمة.

 

إلى أن حدثت المعجزة.

 

اتصل بي رقم غريب.

 

رددت.

 

سمعت صوت فتاة تبكي.

 

“حضرتك والدة كريم؟”

 

وقفت من مكاني.

 

“أيوة.”

 

صمتت ثواني.

 

ثم قالت:

 

“أنا ليلى.”

 

سقط الهاتف من يدي.

 

بعد دقائق عدت وأمسكته.

 

والدنيا كلها تدور حولي.

 

“أنتِ فين؟”

 

قالت بصوت مرتجف:

 

“لازم نتقابل.”

 

…

 

في مساء نفس اليوم.

 

جلست أمام فتاة نحيفة في مقهى صغير.

 

كانت تبدو أكبر من عمرها بسبب الخوف.

 

أول ما رأت صورة كريم انفجرت بالبكاء.

 

وأدركت أنها كانت تحبه فعلًا.

 

قالت وهي تمسح دموعها:

 

“كريم كان أشجع شخص عرفته.”

 

ثم بدأت الحكاية.

 

قبل اختفاء كريم بشهرين.

 

اكتشف بالصدفة شبكة تستغل أطفال الشوارع في نقل أشياء ممنوعة.

 

في البداية لم يفهم.

 

لكن بعد فترة اكتشف أنهم يستخدمون المراهقين لأن الشرطة لا تشك فيهم بسهولة.

 

ولأنه صور بعض العمليات.

 

أصبح خطرًا عليهم.

 

سألتها:

 

“مين الأشخاص دول؟”

 

هزت رأسها.

 

“معرفش كلهم.”

 

ثم سكتت.

 

“لكن أعرف واحد.”

 

شعرت بالتوتر.

 

“مين؟”

 

قالت الاسم.

 

وفي تلك اللحظة تمنيت لو أنها لم تفعل.

 

لأن الاسم كان يخص شخصًا أعرفه منذ سنوات.

 

شخصًا كنت أعتبره فردًا من العائلة.

 

صديقًا مقربًا لزوجي.

 

كان اسمه نادر.

 

الرجل الذي كان يجلس معنا على مائدة الطعام.

 

الرجل الذي حضر أعياد ميلاد كريم.

 

الرجل الذي كان يناديني دائمًا:

 

“أختي.”

 

شعرت بالغثيان.

 

لا.

 

مستحيل.

 

لكن ليلى أخرجت هاتفها.

 

وأرتني صورة.

 

كانت قديمة ومهزوزة.

 

لكن الوجه واضح.

 

نادر.

 

يقف بجوار الرجل صاحب الكاب الأسود.

 

شعرت أن العالم ينهار.

 

سألتها بصوت مخنوق:

 

“وكريم فين؟”

 

بكت أكثر.

 

ثم قالت:

 

“آخر مرة شفته كان حي.”

 

قفز قلبي.

 

حي.

 

إذن هناك أمل.

 

قالت:

 

“كان مختبئًا في مخزن قرب الميناء.”

 

ثم أكملت:

 

“وكان ناوي يسلم كل الأدلة للشرطة.”

 

سألتها بسرعة:

 

“وبعدين؟”

 

خفضت رأسها.

 

“في الليلة دي حصل إطلاق نار.”

 

توقفت أنفاسي.

 

“إطلاق نار؟”

 

هزت رأسها.

 

“لكن كريم هرب.”

 

شعرت أن روحي عادت للحياة.

 

هرب.

 

إذن لم يمت.

 

إذن ما زال هناك احتمال.

 

ثم قالت الجملة التي أعادت الرعب كله من جديد:

 

“بس من يومها اختفى مرة تانية.”

 

…

 

في طريق العودة للبيت كنت أفكر في شيء واحد.

 

إذا كان كريم حيًا وقتها…

 

فربما ما زال حيًا الآن.

 

لكن أين؟

 

ولماذا لم يتصل؟

 

ولماذا ترك الرسالة؟

 

وفي منتصف الليل تقريبًا.

 

رن هاتفي.

 

رقم مجهول.

 

رددت فورًا.

 

ثوانٍ من الصمت.

 

ثم سمعت صوتًا خافتًا.

 

صوتًا أعرفه أكثر من أي صوت في الدنيا.

 

صوتًا انتظرت سنة كاملة لأسمعه.

 

“ماما…”

 

تجمدت.

 

كل شيء تجمد.

 

الزمن.

 

الهواء.

 

قلبي.

 

كل شيء.

 

“كريم؟”

 

بكيت قبل أن أكمل الكلمة.

 

جاءني صوته ضعيفًا:

 

“ماما… اسمعيني كويس.”

 

صرخت:

 

“إنت فين؟”

 

لكن صوته خرج مرتجفًا:

 

“مافيش وقت.”

 

ثم سمعت صوت باب يُفتح في الخلفية.

 

وصوت خطوات.

 

وصوت رجل يصرخ بعيدًا.

 

وفي آخر ثانية قبل أن ينقطع الاتصال…

 

قال كريم جملة واحدة فقط:

 

“خليكي بعيدة عن نادر… لأنه عرف إنك بدأتي تدوري.”

 

ثم انقطع الخط.

 

وبقيت أنظر للهاتف في صمت.

 

لأنني أدركت أخيرًا أن الكابوس لم ينتهِ بعد.

 

بل بدأ للتو.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *