قصتلي هدومي حكـايـات أسمـا ×4
الفصل السابع: الدفتر اللي فتح باب الجحيم
صوت العربيات وهي بتقف قدام بيت الحاج عوض كان كفيل يخلي قلبي ينزل في رجلي. كنت واقفة في نص الأوضة ماسكة الدفتر الجلد القديم بإيد، والصندوق الخشبي الصغير بإيد تانية، وحاسة إن كل اللي حواليا بيضيق. كريم وقف قدامي كأنه بيحاول يعمل بجسمه حائط بيني وبين الباب. الحاج عوض كان واقف جنب الشباك، إيده على الستارة، وعينيه بتبص بره برعب مكتوم. قال بصوت واطي: “عبد الحميد بنفسه.” ما سألتش إزاي عرفه. نبرة صوته كانت كفاية. الرجل ده كان عارف الماضي كله. عارف عبد الحميد من زمان. ويمكن كان مستنيه يرجع في يوم بالشكل ده.
سمعنا صوت باب عربية بيتقفل. بعده صوت رجل بيضحك ضحكة قصيرة. ثم صوت عبد الحميد وهو بيقول من بره: “افتح يا حاج عوض. أنا عارف إنهم عندك.” كريم شدني من دراعي بهدوء وقال: “في باب تاني؟” الحاج عوض هز راسه بسرعة وقال: “في باب للمخزن ورا، بس بيطلع على الجنينة الصغيرة، ومنها سور واطي على الشارع الجانبي.” كريم قال: “يلا.” لكن قبل ما نتحرك، خبط عبد الحميد على الباب. مش خبطة عادية. خبطة تهديد. “سارة يا بنت أختي، افتحي بدل ما أخلي الرجالة تكسر الباب.” اتجمدت. كلمة “بنت أختي” منه كانت مقرفة. كان بيقولها كأنه ليه حق عليا، كأنه مش نفس الراجل اللي كان بيحاول يسرقني، كأنه مش داخل عليا برجالة وتهديد.
الحاج عوض مد إيده وخد مني الصندوق. قال: “الدفتر معاكي؟” هزيت راسي. قال: “ما تسيبيهوش مهما حصل. لو الورق ده راح لعبد الحميد، مش هيبان حق ولا هيتكشف سر.” قلت له: “وحضرتك؟” ابتسم ابتسامة صغيرة حزينة وقال: “أنا عشت كتير يا بنتي. كفاية إني أوصل الأمانة لصاحبتها.” قلبي وجعني من طريقته. كريم قال بحدة: “محدش هيستشهد هنا. كلنا هنخرج.” الحاج عوض بصله للحظة، وكأنه أعجبته جرأته، ثم اتحرك ناحية الباب الخلفي.
مشينا بسرعة من الممر الضيق. البيت كان قديم ومليان ريحة خشب وتراب وذكريات ناس عاشت وماتت وشافت أكتر مما قالت. كل خطوة كنت بحس إن صوتها عالي، رغم إننا كنا بنمشي على أطراف صوابعنا. ورا سمعنا صوت عبد الحميد تاني: “آخر مرة هقولها بالذوق.” بعدها بثواني، اتخبط الباب بقوة. ثم تانية. ثم تالتة. الخشب بدأ يئن. جسمي كله كان بيرتعش، لكني كنت ماسكة الدفتر كأني ماسكة روحي.
وصلنا للمخزن الخلفي. الحاج عوض فتح باب خشبي صغير. طلعنا على جنينة ضيقة مهملة. زرع يابس، حبل غسيل قديم، وكرسي مكسور مرمي في الركن. السور فعلاً كان واطي، لكنه بالنسبة لي في اللحظة دي كان جبل. كريم طلع الأول، وبعدين مد إيده يساعدني. وأنا بحاول أطلع، سمعت صوت تكسير الباب الرئيسي. عبد الحميد دخل البيت.
“دوروا عليهم!” صوته دوى في المكان.
كريم شدني بسرعة من فوق السور. نزلت على الناحية التانية بصعوبة، واتخبطت رجلي في الأرض، لكن ما وقفتش. الحاج عوض طلع بعدنا بصعوبة، وكان نفسه عالي. كريم ساعده، وبعد ثواني كنا في الشارع الجانبي. كان ضيق ومظلم. لمبة شارع بعيدة بتقطع النور على الأرض. جرينا ناحية عربية كريم، لكن قبل ما نوصل، ظهرت عربية سودا من آخر الشارع. وقفت بالعرض. اتفتح بابها ونزل منها راجلين.
كريم وقف فجأة وقال: “ارجعي.” لفينا نرجع من الطريق التاني، لكن صوت خطوات جاي من ورا أكد إنهم قفلوا علينا. قلبي كان هيخرج من صدري. عبد الحميد ما جاش يتكلم. جاي يصطاد.
الحاج عوض همس: “يمين. الحارة الصغيرة.” دخلنا حارة ضيقة بين بيتين. كانت ريحتها رطوبة، والأرض فيها مياه قديمة. كريم ماسك إيدي، وأنا ماسكة الدفتر تحت جاكتي. سمعت واحد من الرجالة يصرخ: “هناك!” وبدأ الجري وراينا.
مش عارفة جرينا قد إيه. الوقت فقد معناه. كل اللي كنت شايفاه هو ضهر كريم قدامي، وصوت نفس الحاج عوض وهو بيتقطع، وخوف واحد بيزقني لقدام. في آخر الحارة كان فيه باب حديد قديم مفتوح نص فتحة. دخلنا منه لقينا نفسنا في مخزن مهجور مليان كراتين قديمة. كريم قفل الباب وراينا بهدوء، لكن ما كانش فيه قفل. وقف مستني يسمع. الرجالة عدوا من بره. واحد قال: “راحوا الناحية التانية.” والتاني شتم وجري وراه.
فضلنا ساكتين في الظلام. الحاج عوض قعد على صندوق خشب وهو بيحاول ياخد نفسه. قربت منه وقلت: “حضرتك كويس؟” هز راسه وهو بيحاول يبتسم. “أنا كويس. بس السن له حكم.” كريم بص من فتحة صغيرة في الباب وقال: “لازم نتحرك قبل ما يرجعوا.” الحاج عوض قال: “في آخر المخزن باب يطلع على شارع رئيسي. من هناك تقدروا تاخدوا تاكسي أو أي حاجة. عربيتك غالباً بقوا مستنيين عندها.”
فعلاً عربيتنا ما ينفعش نرجعلها. كريم طلع موبايله، لكن الشبكة كانت ضعيفة. حاول يتصل بأستاذ مروان المحامي، لكن المكالمة ما كملتش. أنا فجأة افتكرت حاجة. قلت: “مها.” كريم بصلي: “مين؟” قلت: “سكرتيرتي. أثق فيها. ومعاها نسخة من جدول اجتماعاتي، وتقدر تبعت أمن الشركة أو تبعت حد.” حاولت أتصل بيها. مرة. اتنين. التالتة ردت بصوت نايم ومخضوض: “أستاذة سارة؟ في حاجة؟” قلت بسرعة: “مها، اسمعيني كويس. أنا في خطر. ابعتي لوكيشن الرقم ده لأستاذ مروان وقوليله عبد الحميد لحقني. وابعتي للسواق بتاع الشركة يجي بأسرع وقت بس من غير ما يتصل بيا.” مها اتخضت: “حضرتك فين؟” قلت: “مش عارفة بالظبط، هابعتلك لوكيشن حالاً. ولو الخط قطع، تصرفي.”
بعتلها اللوكيشن، وقبل ما أتنفس، سمعنا صوت عربيات تاني. كريم قال: “لازم نمشي.” خرجنا من الباب الخلفي للمخزن على شارع أوسع شوية. الدنيا كانت بدأت تميل للغروب. مشينا بسرعة من غير ما نلفت النظر. أنا كنت حاسة إن كل وش معدي ممكن يكون تبع عبد الحميد. كل عربية بتهدي قلبي يقف. كل موبايل بيرن حواليا أحس إنها النهاية.
بعد عشر دقايق مشي، وقف قدامنا ميكروباص قديم. السواق فتح الشباك وقال: “أستاذة سارة؟” اتوترت. كريم وقف قدامي. السواق رفع إيده بسرعة وقال: “أنا تبع الشركة. الأستاذة مها بعتتني. اسمي عماد.” اتنفسنا أخيرًا. ركبنا بسرعة. وقبل ما العربية تتحرك، الحاج عوض مسك إيدي وقال: “اسمعي يا بنتي. الدفتر مش كفاية. الدفتر بيفتح الباب بس. الإثبات الحقيقي في مكان تاني.” قلت له وأنا لسه بلهث: “فين؟” قال: “في مدافن العيلة.” تجمدت. “مدافن؟” هز راسه. “أمك خبت نسخة من الورق الأصلي هناك. كانت بتقول إن الميتين أأمن من الحيين.” كريم بصله بدهشة: “إزاي يعني؟” الحاج عوض قال: “في مقبرة والدها. تحت البلاطة اللي عليها اسم ياسين.” حسيت إن جسمي كله اتقشعر. ياسين. الأخ المختفي. الوريث المجهول. السر اللي بيطلع طبقة ورا طبقة.
عماد السواق اتحرك بسرعة. الحاج عوض قال لنا إن عبد الحميد كان طول عمره مهووس بالأرض دي. مش عشان الأرض نفسها بس، لكن عشان مكانها. الأرض كانت على طريق جديد اتفتح حوالين المنطقة، وفجأة بقت تساوي أضعاف أضعاف قيمتها. شركات تطوير عقاري بتحوم حواليها. مستثمرين مستعدين يدفعوا ملايين. وخالي عبد الحميد عرف إن لو الورق القديم ظهر، هيبان إن له نصيب صغير جدًا، ويمكن ملوش حق في أغلبها. عشان كده كان محتاج ياخد الورق ويزور الباقي قبل ما حد يلحقه.
سألته: “بس خالي اتصل بحماتي ليه؟” الحاج عوض بصلي من خلال مراية العربية وقال: “لأنه عرف نقطة ضعفك.” قلت: “هشام؟” قال: “وجوزك وأمه. الناس اللي جوه بيتك. هو محتاج حد يكسر ثقتك من جوا، يشغلك، يدوخك، يخليكي تتصرفي بعصبية، وبعدها يطلعك قدام الناس إنك مش متزنة.” كريم قال: “والتوقيع المزور؟” الحاج عوض هز راسه: “ده غالبًا جزء من الخطة. لو قدروا يثبتوا إن سارة وقعت وهي في حالة نفسية مضطربة أو اتراجعت بعد توقيع، يفتحوا باب نزاع قانوني طويل. وفي النص يبيعوا ويكسبوا وقت.”
كنت ساكتة. كل كلمة كانت بتكشف إن اللي حصل في أوضتي ما كانش مجرد غل حماتي. يمكن كانت فرحانة وهي بتقطع هدومي، لكن في حد كان بيزقها. في حد كان بيغذي كرهها. في حد قال لها إن كسر سارة دلوقتي هيخليها ترجع وتخضع. حماتي كانت أداة. هشام كان ضعيف وطماع. وعبد الحميد كان العقل اللي بيحرك الخيوط.
وصلنا لمبنى الشركة من الباب الخلفي. أستاذ مروان كان مستنينا هناك، ومعاه فردين أمن. أول ما شافني قال: “إنتِ كويسة؟” هزيت راسي، لكن الحقيقة إني ما كنتش كويسة. كنت على رجلي بس. وده كان كفاية مؤقتًا. دخلنا قاعة اجتماعات صغيرة في الدور الأرضي. قفلوا الباب. حطيت الدفتر والملفات على الطاولة. أستاذ مروان بدأ يصور كل ورقة فورًا بالموبايل وبجهاز سكان صغير كان معاه. قال: “أي أصل لازم يتصور ويتحفظ في أكتر من مكان. من اللحظة دي مفيش ورقة تبات في مكان واحد.”
كريم وقف بعيد شوية. كنت حاسة إنه عايز يتكلم ومش عارف. بعد ما خلصنا أول جزء من التصوير، بصيتله وقلت: “لسه ما جاوبتنيش. إنت ظهرت في حياتي دلوقتي ليه؟” سكت الكل. كريم تنهد وقال: “لأني اتأخرت زمان، ومش عايز أتأخر تاني.” قلت بحدة: “الرومانسية دي مش وقتها.” قال: “مش رومانسية. ذنب.” ثم حكى.
قال إن يوم اختفائه من حياتي قبل عشر سنين ما كانش هروب عادي. كان والده مديون لعبد الحميد. خالي كان وقتها شغال في صفقات مشبوهة وبيسلف ناس بطرق ملتوية. لما عرف إن كريم خاطبني، ضغط عليه. قال له إن قربه مني هيبوظ خطط تخص أرض أمي. كريم وقتها ما كانش فاهم. كان صغير وخايف على أبوه. عبد الحميد هدده بفضيحة مالية وسجن لوالده لو ما سابنيش وسافر. فسافر. قال إنه حاول يرجع بعد سنة، لكن عرف إني اتجوزت. فسكت. وعاش بالذنب. ومن شهور، لما بدأ يسمع اسمي يتردد في صفقة استحواذ مشبوهة، فهم إن عبد الحميد رجع يدور حواليا، فقرر يدخل وسطهم يعرف الخطة.
كنت بسمعه وقلبي مش عارف يحس بإيه. جزء مني كان عايز يصدقه. جزء تاني كان عايز يصرخ فيه إنه جبان. إن الخوف ما يديهوش حق يكسر قلبي زمان ويرجع دلوقتي بدور المنقذ. قلت له: “يعني أنت سبتني عشان خفت.” قال: “أيوه.” إجابته الصريحة وجعتني أكتر من أي تبرير. “وكنت فاكر إن ظهورك دلوقتي هيصلح؟” قال: “لا. بس يمكن يمنع كارثة.” ما رديتش.
أستاذ مروان تدخل: “المهم دلوقتي نتحرك قانونيًا بسرعة. أولًا محضر بالتخريب اللي حصل في الشقة. ثانيًا بلاغ رسمي بمحاولة تهديد واستيلاء على مستندات. ثالثًا إنذار بعدم التعامل على أي أصول تخصك أو تخص تركة والدتك إلا من خلالنا. ورابعًا لازم نروح المدافن قبلهم.” الحاج عوض قال: “عبد الحميد ما يعرفش موضوع البلاطة غالبًا. لو كان يعرف كان راح من زمان.” مروان رد: “ما نعتمدش على غالبًا.”
في نفس اللحظة، دخلت مها وهي مرعوبة وشعرها مش مترتب من الجري. أول ما شافتني حضنتني. “كنت هموت من الخوف.” لأول مرة من بداية اليوم حسيت إن فيه حد خايف عليا بصدق من غير مصلحة. قلت لها: “أنا آسفة إني صحيتك على مصيبة.” قالت: “مصيبة إيه بس؟ المهم إنك بخير.” بعدين بصت للهدوم اللي لسه عليها تراب من الهروب وسألت: “هما عملوا فيكي إيه؟” قلت: “لسه بيحاولوا.”
رن تليفوني. هشام. الشاشة نورت باسمه. الكل بصلي. تركته يرن. رن تاني. وتالت. بعدها وصلت رسالة صوتية. شغلتها على السماعة. صوته كان غاضب ومتوتر: “سارة، إنتِ بتلعبي لعبة أكبر منك. أمي تعبانة بسببك، وأنا مش هسكت على اللي عملتيه. خالك قاللي إنك ماسكة ورق مش من حقك. رجعي البيت واتكلمي زي الناس بدل الفضايح.” سكت التسجيل لحظة، ثم سمعت صوت حماتي بعيد بتقول: “قولها لو مرجعتش هنبهدلها سمعتها في الشغل.” ثم رجع صوت هشام: “آخر فرصة. بلاش تخليني أقسى.”
أستاذ مروان ابتسم ابتسامة باردة وقال: “جميل جدًا. تهديد مسجل.” أنا ما ابتسمتش. لأن صوت هشام ما وجعنيش زي ما كنت متخيلة. الغريب إني حسيت بفراغ. كأن الشخص ده بقى غريب تمامًا. واحد كان عايش معايا، بياكل من تعبي، بينام في بيت دفعت تمنه، ولما الدنيا اتكشفت، اختار اللي يهددني بدل ما يراجع نفسه.
قلت لمروان: “اعمل كل الإجراءات.” ثم بصيت للحاج عوض: “وهنروح المدافن.” كريم قال: “دلوقتي؟” قلت: “قبل ما الليل يطول أكتر.” مروان قال: “مش لوحدكم. نطلع بعربيتين ومعانا أمن. ونبلغ حد موثوق في القسم من غير تفاصيل كتير.” هزيت راسي.
قبل ما نتحرك، دخلت الحمام في الشركة أغسل وشي. وقفت قدام المراية. نفس الوش اللي كان من ساعات واقف وسط هدوم متقطعة. بس النظرة اتغيرت أكتر. بقيت حاسة إن اللي اتقطع ما كانش هدومي. اللي اتقطع كان الخيط الأخير بيني وبين الخوف. فتحت شنطتي وطلعت صورة صغيرة لأمي كنت دايمًا حاطاها في المحفظة. بصيتلها وقلت بصوت واطي: “أنا ماشية وراكي يا ماما. بس يا ريت تكوني سايبالي طريق أرجع منه.”
طلعنا بعد نص ساعة. عربيتين. أنا مع مروان ومها، وكريم مع الحاج عوض في العربية التانية. الطريق للمدافن كان طويل ومظلم. الشوارع بدأت تفضى. وكل ما نقرب، قلبي يضرب أقوى. المدافن كانت في أطراف المدينة القديمة. مكان واسع، ساكت، والهواء فيه ريحة تراب ورطوبة وحكايات منسية. نزلنا. الحارس العجوز هناك عرف الحاج عوض، وفتح لنا البوابة بعد تردد. قال: “زيارة في الوقت ده؟” الحاج عوض رد: “ضرورة يا عم جابر.” الراجل بص لنا بشك، لكنه سكت.
مشينا بين الممرات الضيقة. أسماء على رخام. تواريخ. صور باهتة. كنت ماشية كأني بدخل جوه ماضي عيلتي. الحاج عوض وقف قدام مقبرة قديمة عليها اسم جدي. دخلنا من الباب الحديد. جوه كان المكان هادي بشكل يخوف. الحاج عوض شاور على بلاطة جانبية متربة وقال: “هنا. تحت اسم ياسين.” مسحت التراب بإيدي. ظهر الاسم محفور بخط قديم: ياسين عبد الرحمن. تحت الاسم مفيش تاريخ وفاة. بس تاريخ ميلاد. اتجمدت. قلت: “مفيش تاريخ وفاة.” الحاج عوض قال: “علشان أمك عمرها ما صدقت إنه مات.”
مروان نزل على ركبته وبدأ يرفع البلاطة بحذر بمساعدة كريم. احتاجوا دقائق. كل ثانية كانت بتعدي كأنها ساعة. ولما البلاطة اترفعت، ظهر تجويف صغير ملفوف بقماش مشمع. إيدي اترعشت وأنا بمدها. مروان قال: “استني. أنا أطلعه.” طلعه وحطه قدامنا. القماش كان قديم لكنه محافظ على اللي جواه. فتحناه.
ملف معدني صغير. وجواه أوراق أصلية. عقود ملكية. شهادة ميلاد ياسين. تنازل قديم غير مكتمل. وخطاب بخط جدي. مروان بدأ يقرأ بسرعة. وشه اتغير. قال: “سارة… الورق ده يثبت إن عبد الحميد مالوش حق في الأرض تقريبًا.” قلبي وقف. “يعني إيه؟” قال: “جدك كان كاتب الجزء الأكبر باسم ياسين وأمك. وعبد الحميد كان له مبلغ تعويض فقط لأنه أخد نصيبه نقدًا زمان.” الحاج عوض قال: “أيوه. هو قبض حقه وبدده، وبعدين رجع يطالب بالأرض.”
كريم كان ماسك شهادة ميلاد ياسين. فجأة قال: “استنوا.” بصينا له. قال: “في ملحوظة مكتوبة على الضهر.” قرأ بصوت منخفض: “في حالة غياب ياسين أو وفاته، تؤول حقوقه إلى نسله الشرعي، وإن لم يوجد، إلى شقيقته فاطمة.” فاطمة كانت أمي. مروان قال: “يبقى لازم نعرف ياسين كان له نسل ولا لأ.” الحاج عوض قال: “هنا بقى الكارثة.” قلت: “إيه؟” قال: “ياسين ما اختفاش لوحده. كان متجوز عرفي من بنت بسيطة، وكان عنده طفل صغير. أمك عرفت بعد اختفائه، وحاولت تدور عليهم. لكن عبد الحميد سبقها.” حسيت بدوخة. “طفل؟ يعني فيه وريث فعلاً؟” هز راسه. “أيوه. ولو عايش، يبقى له حق كبير.”
قبل ما حد يتكلم، سمعنا صوت خطوات خارج المقبرة. كلنا سكتنا. مروان أطفأ كشاف الموبايل بسرعة. الخطوات قربت. صوت رجل قال: “هما دخلوا هنا.” صوت تاني رد: “اتصل بالبشمهندس.” عبد الحميد وصل.
مها كتمت شهقة بإيدها. كريم شدني ورا عمود حجري. مروان جمع الأوراق بسرعة وحطها في شنطة صغيرة. الحاج عوض همس: “في فتحة خلفية صغيرة.” اتحركنا في الظلام، لكن الباب الحديد الخارجي اتفتح بصوت صرير. نور كشافات دخل المقبرة. وصوت عبد الحميد جاء بارد ومخيف: “سارة. أنا عارف إنك هنا. كفاية جري.”
وقفت في مكاني. كريم همس: “ما ترديش.” لكني كنت تعبت من الجري. تعبت من الخوف. تعبت من إن الكل يطاردني كأني سارقة حاجة تخصهم. خرجت من خلف العمود ببطء. مروان حاول يمنعني، لكني رفعت إيدي له.
وقفت قدام عبد الحميد. كان واقف عند الباب، وراه رجاله. وشه مليان ثقة وغضب. قال: “أخيرًا عقلتي.” قلت: “العكس. أنا لأول مرة عقلت.” عينه نزلت على الشنطة في إيد مروان. ابتسم. “الورق ده مش هيفيدك.” قلت: “خايف منه ليه إذن؟” ضحك. “أنا مش خايف. أنا بحميكي من فضيحة.” قلت: “فضيحة مين؟ أمي؟ ياسين؟ ولا فضيحتك أنت؟”
اختفت ابتسامته.
قلت: “ياسين ما ماتش في حادثة. وياسين ما هربش. وأنت عارف.” قرب خطوة وقال بصوت منخفض: “خلي بالك من كلامك.” قلت: “أو إيه؟ هتقطع هدومي أنت كمان؟ هتبعت حماتي تهددني؟ هتزور توقيعي؟ هتسرق ورق أمي؟” رجاله بصوا لبعض. واضح إنهم ما كانوش عارفين كل التفاصيل. عبد الحميد حس بكده فصرخ: “اقفلي بقك!” وهنا كريم خرج ووقف جنبي. قال له: “الشرطة في الطريق.” عبد الحميد بصله باحتقار: “وأنت رجعت تلعب دور البطل؟ بعد ما زمان جريت زي الكلاب؟” كريم اتشد، لكني مسكت إيده. مش علشانه بس. علشان نفسي. ما كنتش عايزة حد يندفع ويبوظ كل حاجة.
عبد الحميد قال: “اسمعيني يا سارة. أنتِ مش قد اللعبة دي. الورق ده لو خرج، ناس كتير هتتأذي. وأولهم أنتِ.” قلت: “أنا اتأذيت كفاية وأنا ساكتة.” قال: “هشام مش هيسيبك.” ضحكت. “هشام؟ هشام ما عرفش يعيش ليلة من غير كارت ائتمان.” وشه اتشنج. “يبقى تختاري. ترجعي جوزك وبيتك، وتاخدي مبلغ محترم، ونقفل القصة. أو تفتحي باب هتندمي عليه.” قلت: “الباب اتفتح خلاص.”
في اللحظة دي سمعنا صوت سرينة بعيدة. عبد الحميد التفت بسرعة. رجاله اتوتروا. مروان رفع موبايله وقال: “كل الكلام متسجل صوت وصورة.” عبد الحميد بصله بغضب. ولثواني حسيت إنه ممكن يتهور. لكنه ابتسم فجأة وقال: “فاكرين إنكم كسبتوا؟” ثم نظر لي مباشرة. “اسألي الحاج عوض عن ابن ياسين. اسأليه ليه اختفى بجد. وساعتها هتعرفي إن أمك ما كانتش بريئة زي ما فاكرة.”
ثم تراجع. رجاله خرجوا معاه بسرعة قبل ما العربيات تقرب. وقفنا كلنا في صمت. كلامه الأخير دخل قلبي زي سكينة. بصيت للحاج عوض. كان وشه شاحب. قلت: “هو يقصد إيه؟” الحاج عوض لم يرد. قلت بصوت أعلى: “أمي مالها؟” أغمض عينيه وقال: “مش هنا يا سارة.” قلت: “لا. هنا. دلوقتي.” لكنه هز رأسه بتعب. “في حاجات لو اتقالت ناقصة تظلم الميت والحي. لازم الأول تلاقوا ابن ياسين.”
خرجنا من المدافن مع وصول أول عربية شرطة. مروان تعامل معهم. قدم بلاغ مختصر عن تهديد ومطاردة ومحاولة استيلاء على مستندات. احتفظ بالأوراق في حقيبة خاصة، وقرر يودي نسخة لمكان آمن فورًا. أنا كنت واقفة جنب عربية الشركة مش حاسة برجلي. كل كشف جديد كان بيفتح جرح أعمق. كنت فاكرة مشكلتي حماتي وهشام وهدومي. دلوقتي بقيت وسط أرض وميراث وأخ مختفي وطفل مجهول وأمي اللي يمكن كانت شايلة سر أخطر مما أقدر أستحمل.
رجعنا الشركة قرب الفجر. مها نامت على كرسي من التعب. كريم وقف يشرب قهوة سادة كأنه بيحاول يفضل صاحي بأي تمن. مروان كان بيكلم ناس في التليفون، يحجز خزنة بنكية، ينسق مع محامي قضايا ميراث، ويجهز بلاغ تزوير رسمي. أما أنا فقعدت وحدي في مكتبي. نفس المكتب اللي دخلته الصبح وأنا فاكرة إن ترقيتي هي أكبر حدث في حياتي. يا للسخرية. الترقية بقت تفصيلة صغيرة وسط حرب على اسمي واسم أمي.
فتحت الدفتر تاني. قلبت الصفحات بسرعة لحد ما وصلت لآخر جزء مكتوب بخط أمي. كان فيه صفحة ملزوقة من طرفها، كأنها اتضافت بعدين. فتحتها بحذر. مكتوب فيها: “لو وصلتي لياسين، لا تثقي في كلام عبد الحميد وحده، ولا في كلام عوض وحده، ولا حتى في كلامي وحدي. الحقيقة موزعة بيننا لأن كل واحد فينا خاف من جزء منها. أنا أخطأت، وأخويا أخطأ، وعبد الحميد خان، لكن الطفل لم يكن له ذنب.”
الطفل.
ابن ياسين.
قلبت الصفحة. وجدت اسمًا مكتوبًا بخط باهت.
“نديم.”
وتحت الاسم تاريخ ميلاد.
ثم جملة واحدة: “آخر مكان عرفته له كان دار رعاية في طنطا.”
رفعت رأسي ببطء. طنطا. مش بعيدة. لكن الزمن بعيد. لو نديم كان طفلًا وقتها، فهو الآن رجل في عمري تقريبًا. يمكن عايش. يمكن ميت. يمكن لا يعرف أصلًا إن له حق في أرض تساوي ملايين. يمكن حياته كلها اتسرقت زيه زينا.
وفي اللحظة دي رن هاتف المكتب. رقم داخلي من الاستقبال. رديت بصوت مرهق: “أيوه.” جاء صوت موظف الأمن: “أستاذة سارة، في واحد تحت مصرّ يقابل حضرتك. بيقول اسمه نديم ياسين.”
توقفت أنفاسي.
الدفتر وقع من إيدي.
والحقيقة التي كنا نبحث عنها طوال الليل…
كانت تقف الآن على باب الشركة.
يتبع…