شريط حمل حكـايـات أسمـا ×1

تجاهل رجل الأعمال الشهير زوجته لأشهر طويلة… حتى وجد اختبار حمل إيجابي فوق أوراق الطلاق، فانهار عالمه بالكامل.

تركتُ أقوى رجل في القاهرة في ليلة رأس السنة دون أن انطق بكلمه واحده وتركت اختبار الحمل الإيجابي فوقها مباشرة.ثم غادرت.حاملة في أحشائي طفلًا لم يكن يعلم بوجوده.كنت أظن أنني سأرحل بصمت. لكنني كنت مخطئة.

في الخارج، كانت أضواء القاهرة تتلألأ تحت سماء شتوية باردة.

أما داخل قصر الشاذلي في التجمع الخامس، فكانت الموسيقى تعلو والضحكات تملأ المكان.

ضيوف مهمون.

رجال أعمال.

سياسيون

شخصيات نافذة.

كؤوس فاخرة.

وأحاديث لا تنتهي.

لكنني كنت أعرف الحقيقة.

حفل كريم الشاذلي السنوي لم يكن يومًا للاحتفال.

كان مجرد اجتماع مصالح متنكر في هيئة مناسبة اجتماعية.

على مدار ست سنوات، شاهدت رجالًا يدخلون إلى مكتبه ووجوههم متوترة.بعضهم يخرج مرتاحًا.والبعض الآخر يخرج شاحبًا وكأنه رأى شبحًا.الجميع كان يحترمه.

الجميع كان يخشاه.إلا أنا.أنا فقط كنت متعبة.اسمي سلمى الشاذلي.وفي تلك الليلة…توقفت عن كونى الزوجة المنسية لرجل يملك كل شيء.وقفت داخل غرفة نومنا.أحدق في الجانب الآخر من السرير.مرتب.بارد.فارغ.تمامًا مثل زواجنا.تذكرت كريم القديم.الرجل الذي كان يحتضنني قبل النوم.

الذي يتصل بي في منتصف يومه فقط ليسمع صوتي.

الذي كان ينظر إليّ وكأنني أهم شخص في العالم.

لكن ذلك الرجل اختفى منذ سنوات.

وبقي شخص آخر مكانه.

رجل يتذكر اجتماعاته وينسى عيد زواجه.

يتذكر صفقاته وينسى أعياد ميلادي.

يتذكر الجميع…

إلا أنا.

ثلاث حقائب كانت تقف بجوار الباب.

ست سنوات كاملة من حياتي اختصرتها في بضعة أمتعة.

اهتز هاتفي.

كانت سيارة الأجرة ستصل بعد أربعين دقيقة.

وعند شروق الشمس…

سأكون في الإسكندرية عند صديقتي المقربة ياسمين.

لطالما طلبت مني الرحيل.

وكانت تقول:

“إنتِ مش مراته يا سلمى… إنتِ مجرد قطعة ديكور نسي وجودها.”

وكنت دائمًا أدافع عنه.

كريم مشغول.

كريم مرهق.

كريم يحب بطريقته الخاصة.

لكن الأعذار لها نهاية.

والحب الحقيقي لا يجعلك تشعرين أنك غير مرئية داخل بيتك…وقعت عيناي على اختبار الحمل.

 

خطان ورديان واضحان.

 

أربعة اختبارات.

 

وأربع نتائج متطابقة.

 

حقيقة واحدة كانت كفيلة بتغيير كل شيء.

 

لسنوات حلمت بلحظة إخباره.

 

تخيلت فرحته.

 

وصدمته.

 

وضحكته.

 

تخيلت أن يعود كريم القديم للحياة ولو للحظة.

 

لكن بدلًا من ذلك…

 

كنت أقف وحدي في ليلة رأس السنة أتساءل إن كان سيلاحظ غيابي أصلًا.

 

وضعت اختبار الحمل فوق أوراقه.

 

رسالة صامتة.

 

ووداع أخير.

 

ليعرف الحقيقة بنفسه.

 

ربما عندها فقط يفهم ما خسره.

 

حملت حقائبي ونزلت السلم.

 

كانت الموسيقى تعلو.

 

والضحكات تتردد.

 

وشجرة الزينة الضخمة تتلألأ في منتصف القاعة.

 

شجرة استغرقت أسبوعين كاملين في تزيينها وحدي.

 

شجرة لم يلاحظها كريم أصلًا.

 

تمامًا كما لم يلاحظني.

 

كان الباب الرئيسي على بعد خطوات.

 

وحريتي على بعد دقائق.

 

لكن فجأة…

 

أوقفني صوت متوتر.

 

“مدام سلمى؟”

 

استدرت.

 

كان أحد رجال الأمن يقف قرب المدخل.

 

وجهه شاحب بشكل غريب.

 

وينظر إلى الطابق العلوي.

 

ثم حدث الأمر.

 

انفجر صوت غاضب هز القصر بأكمله.

 

عرفته فورًا.

 

كريم.

 

توقفت الموسيقى.

 

وانقطعت الأحاديث.

 

وساد الصمت في كل مكان.

 

بعدها بثوانٍ…

 

دوّت خطوات ثقيلة فوق الدرج الرخامي.

 

سريعة.

 

غاضبة.

 

ويائسة.

 

رفعت رأسي.

 

فوجدت كريم…..لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد

 

@أبرز المعجبين

الفصل الأول

تجمد المكان كله.

الضيوف التفتوا نحو الدرج.

الهواتف انخفضت ببطء.

وحتى الموسيقى التي كانت تملأ القصر اختفت تمامًا.

أما سلمى…

فشعرت بقلبها يتوقف للحظة.

كان كريم الشاذلي يهبط الدرج الرخامي بسرعة لم يره أحد يتحرك بها من قبل.

رجل الأعمال الذي اعتاد أن يتحكم في أعصابه أمام الوزراء ورجال البنوك وكبار المستثمرين…

كان يبدو وكأنه على وشك الانهيار.

قميصه الأبيض غير مرتب.

ربطة عنقه مفكوكة.

وعيناه الحمراوان تبحثان بجنون بين الحاضرين.

ثم وقعت عيناه عليها.

سلمى.

عند الباب.

وبجانبها الحقائب.

فتوقف فجأة.

كأن العالم كله اختفى ولم يبقَ سواها.

لم يتكلم أحد.

حتى رجال الأمن تبادلوا النظرات بتوتر.

أما كريم…

فبدأ يقترب.

خطوة.

ثم أخرى.

ثم أخرى.

وعندما وصل إليها…

نظر إلى الحقائب.

ثم إلى وجهها.

ثم عاد ينظر إلى الحقائب.

وقال بصوت مبحوح:

“إنتِ رايحة فين؟”

كانت هذه أول جملة شخصية يوجهها لها منذ أسابيع.

شعرت بمرارة تلسع قلبها.

ابتسمت ابتسامة صغيرة باردة.

وقالت:

“أعتقد إن الإجابة واضحة.”

ضغط كريم على فكيه.

ثم قال:

“مين سمحلك تمشي؟”

ضحك بعض الحاضرين بتوتر.

فالجميع يعرف طريقة كريم في إدارة الأمور.

يعطي أوامر.

ولا يتلقى اعتراضات.

لكن سلمى لم تعد تلك المرأة التي كانت تخاف من غضبه.

رفعت رأسها وقالت بهدوء:

“أنا مش موظفة عندك يا كريم.”

ارتجف شيء داخل عينيه.

وكأن الجملة أصابته مباشرة.

لكن قبل أن يرد…

اقترب أحد أعضاء مجلس الإدارة هامسًا:

“أستاذ كريم… الضيوف…”

التفت إليه كريم بنظرة جعلت الرجل يتراجع فورًا.

ثم عاد إلى سلمى.

وقال:

“اطلعي فوق.”

“لا.”

“سلمى.”

“لا.”

ساد الصمت.

وظهر الذهول على الوجوه.

فلم يسبق لأحد أن رفض أوامر كريم الشاذلي أمام هذا العدد من الناس.

لكنها فعلتها.

لأنها لم تعد تملك شيئًا تخسره.

اقترب أكثر.

حتى أصبح صوته منخفضًا لا يسمعه غيرها.

وقال:

“إنتِ حامل؟”

تجمدت.

لأول مرة منذ نزوله.

ظهر الألم الحقيقي في صوته.

ليس الغضب.

ليس التهديد.

بل الصدمة.

نظرت إليه طويلًا.

ثم قالت:

“أخيرًا لاحظت.”

كأن الكلمات كانت سكينًا.

أغمض كريم عينيه للحظة.

ثم مرر يده في شعره بعنف.

كانت تلك الحركة وحدها كافية لتجعل كل من يعرفه يدرك أن الرجل ينهار من الداخل.

قال بصوت خافت:

“من إمتى؟”

ضحكت سلمى بمرارة.

“من سبع أسابيع.”

سبع أسابيع.

كررها عقله ببطء.

سبع أسابيع كاملة.

سبع أسابيع كانت تنام وحدها.

تتناول طعامها وحدها.

تذهب للطبيب وحدها.

وتحمل الخبر وحدها.

بينما هو كان مشغولًا باجتماعاته وصفقاته.

شعر بشيء يخنقه.

ثم قال:

“وليه ما قولتيليش؟”

هنا انفجرت أخيرًا.

ولأول مرة منذ سنوات.

“أقولك إمتى؟!”

ارتفع صوتها في القاعة.

والكل يسمع الآن.

“بين أي اجتماع والتاني؟!”

صمت كريم.

أما هي فأكملت.

“أقولك وإنت مسافر دبي؟”

“ولا لندن؟”

“ولا وإنت قافل باب مكتبك بالشهر؟”

“ولا لما نسيت عيد جوازنا؟”

“ولا لما نسيت عيد ميلادي؟”

“ولا لما رجعت البيت الساعة ثلاثة الفجر وسألتني إذا كنت دفعت فاتورة الكهرباء بدل ما تسألني إذا كنت بخير؟!”

كل كلمة كانت صفعة.

وكل شخص في القاعة شعر بها.

لأن الجميع يعرف أن سلمى لم تكن يومًا امرأة ترفع صوتها.

لكنها الليلة وصلت لنهايتها.

أما كريم…

فكان يسمع للمرة الأولى حجم الخراب الذي صنعه بيديه.

ابتلع ريقه بصعوبة.

وقال:

“أنا كنت بشتغل علشاننا.”

ضحكت.

ضحكة مؤلمة.

“علشاننا؟”

ثم أشارت حولها.

إلى الثريات العملاقة.

والرخام.

والضيوف.

والقصر.

وقالت:

“كل ده كان ليك إنت.”

ثم وضعت يدها على بطنها.

وأكملت:

“لكن أنا؟”

“أنا كنت لوحدي.”

شعر كريم بشيء ينكسر داخله.

لأنه أدرك أنها لا تكذب.

أبدًا.

وفجأة…

ظهر صوت جديد.

“كريم!”

استدار الجميع.

كانت نادية الشاذلي.

والدته.

تنزل الدرج بسرعة.

وترتدي فستانًا أسود فاخرًا.

اقتربت وهي تنظر لسلمى ببرود.

ثم قالت:

“إيه اللي بيحصل هنا؟”

لم ترد سلمى.

لكن كريم قال مباشرة:

“سلمى حامل.”

تجمدت نادية.

لثانية واحدة فقط.

ثم اختفت الصدمة سريعًا.

وهو ما لم يلاحظه أحد…

إلا سلمى.

كانت هناك لحظة غريبة جدًا.

لحظة لم تبدُ فيها نادية سعيدة.

بل متوترة.

خائفة.

وكأن خبر الحمل مشكلة وليست بشرى.

ضيقت سلمى عينيها.

لكنها لم تقل شيئًا.

أما نادية فقالت بسرعة:

“الحمد لله… خبر جميل.”

لكن نبرة صوتها لم تكن جميلة.

كانت مصطنعة.

مرتبكة.

وكأنها تمثل.

لاحظ كريم ذلك أيضًا.

فنظر إليها باستغراب.

لكنها أكملت فورًا:

“أكيد سوء تفاهم بسيط.”

ثم أمسكت ذراع سلمى.

وأضافت:

“اطلعوا فوق واتكلموا بعيد عن الناس.”

نزعت سلمى يدها فورًا.

وقالت:

“مفيش حاجة نتكلم فيها.”

ثم أمسكت حقيبتها.

واستدارت نحو الباب.

وهنا…

حدث شيء لم يتوقعه أحد.

كريم الشاذلي…

الرجل الذي لم يطلب شيئًا من أحد طوال حياته…

أمسك يد زوجته.

وقال بصوت مكسور:

“ماتمشيش.”

شهقت عدة سيدات.

وتبادل الرجال النظرات.

هل هذا حقًا كريم الشاذلي؟

لكن المفاجأة الأكبر كانت في وجه سلمى.

لأنها لم تسمع تلك النبرة منه منذ سنوات.

نبرة الرجل الذي أحبته.

الرجل الذي اختفى.

للحظة…

ارتجف قلبها.

لكنها تذكرت ليالي الوحدة.

وتذكرت دموعها.

وتذكرت كم مرة انتظرته ولم يأتِ.

فسحبت يدها بهدوء.

وقالت:

“متأخر يا كريم.”

ثم خرجت.

وخرج معها الهواء من رئتيه.

وقف يشاهد الباب يُغلق.

ولأول مرة منذ أن بنى إمبراطوريته…

شعر بالعجز.

عجز حقيقي.

أما في الخارج…

فكانت سلمى تركب سيارة الأجرة.

وتمنع نفسها من البكاء.

بينما في الداخل…

كان كريم لا يزال واقفًا مكانه.

لا يتحرك.

حتى اقترب منه مدير مكتبه.

وقال بحذر:

“أستاذ كريم… المستثمرين مستنيين.”

نظر إليه كريم ببطء.

ثم قال جملة صدمت الجميع:

“إلغوا الحفلة.”

“إيه؟”

“إلغوا كل حاجة.”

“لكن…”

“قلت إلغوها.”

خلال دقائق…

بدأ الضيوف بالمغادرة.

وبقي القصر فارغًا.

تمامًا كما أصبح قلب صاحبه.

لكن بعد منتصف الليل بساعة…

كان كريم جالسًا وحده داخل غرفة النوم.

ينظر إلى اختبار الحمل.

للمرة المئة.

ثم فتح الدرج.

وأخرج ملفًا قديمًا.

ملفًا لم يفتحه منذ سنوات.

ملفًا يحمل اسم:

“مشروع الأمل للخصوبة.”

تجمدت عيناه.

وتذكر شيئًا دفنه في الماضي.

شيئًا لم يخبر به سلمى أبدًا.

شيئًا كانت والدته تعرفه.

وطبيبه يعرفه.

أما زوجته…

فلم تعرف الحقيقة أبدًا.

الحقيقة التي جعلت وجه نادية يشحب لحظة سماع خبر الحمل.

الحقيقة التي جعلت كريم ينهض فجأة من مكانه.

وهمس لنفسه بصدمة:

“مستحيل…”

ثم أمسك هاتفه.

واتصل بطبيبه القديم.

لكن عندما رد الرجل…

قال كريم جملة واحدة فقط:

“عايز أعرف إذا كان اللي حصل قبل ست سنين ممكن يكون كذبة.”

وبعد ثوانٍ من الصمت…

جاءه الرد الذي جعل الدم يختفي من وجهه بالكامل…

يتبع…الفصل الثاني

ساد الصمت على الطرف الآخر من الخط.

ثوانٍ طويلة مرت وكأنها ساعات.

وكريم الشاذلي يقف في منتصف غرفة نومه، قابضًا على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.

ثم جاء صوت الطبيب أخيرًا.

مترددًا.

مرتبكًا.

وخائفًا.

“أستاذ كريم… إحنا اتفقنا زمان إن الموضوع ده انتهى.”

تجمد كريم.

وأعاد السؤال ببطء:

“هل النتيجة كانت صحيحة فعلًا؟”

لم يجب الطبيب فورًا.

وهنا بدأ قلب كريم ينبض بعنف.

لأنه يعرف هذا الرجل جيدًا.

يعرف متى يقول الحقيقة.

ويعرف متى يهرب منها.

قال الطبيب أخيرًا:

“في حاجات حصلت وقتها أنا ما كنتش موافق عليها.”

شعر كريم بأن الأرض تميد تحت قدميه.

“يعني إيه؟”

تنهد الرجل بصوت مرتجف.

ثم قال:

“تعالى العيادة الصبح.”

وأغلق الخط.

في نفس الوقت…

كانت سلمى تنظر من نافذة السيارة.

أضواء القاهرة تتراجع خلفها شيئًا فشيئًا.

والسائق يشغل أغاني هادئة بالكاد تسمع.

أما هي…

فكانت تضع يدها فوق بطنها.

وتحاول استيعاب ما حدث.

لم تكن تتوقع أن يركض كريم خلفها.

ولم تكن تتوقع أن ترى الصدمة في عينيه.

ولا الانكسار.

ولا ذلك الخوف الغريب.

طوال الطريق…

ظلت صورة وجهه تطاردها.

لكنها كانت ترفض الاستسلام.

لأنها تعلم أن المشاعر وحدها لا تبني حياة.

ولا تصلح سنوات من الإهمال.

أغلقت عينيها.

وهمست:

“أنا آسفة… بس لازم أمشي.”

وكأنها تخاطب طفلها.

أو قلبها.

أو الرجل الذي تركته خلفها.

هي نفسها لم تكن تعرف.

في السادسة صباحًا…

دخل كريم عيادة الدكتور فؤاد.

كانت العيادة شبه خالية.

والطبيب ينتظره داخل مكتبه.

بدا أكبر سنًا مما يتذكره.

وأكثر تعبًا.

جلس كريم أمامه مباشرة.

وقال دون مقدمات:

“احكي.”

ابتلع الطبيب ريقه.

ثم فتح درج مكتبه.

وأخرج ملفًا قديمًا.

ملفًا أصفر اللون.

عليه اسم كريم الشاذلي.

شعر كريم بقشعريرة.

فهذا الملف كان سبب انهيار جزء كبير من حياته.

قبل ست سنوات…

بعد عامين من الزواج…

كان هو وسلمى يحاولان الإنجاب دون نجاح.

فأجريا عشرات الفحوصات.

حتى جاءت النتيجة.

النتيجة التي غيرت كل شيء.

عقم.

عدم قدرة على الإنجاب.

على الأقل هذا ما أخبروه به.

تذكر يومها جيدًا.

تذكر كيف عاد إلى المنزل محطمًا.

وكيف أخفى الأمر عن الجميع.

حتى عن سلمى.

وتذكر شيئًا آخر.

والدته.

نادية الشاذلي.

كانت أول من عرف.

وأول من حضر معه إلى الطبيب.

وأول من أصرت على الاحتفاظ بالملف.

رفع رأسه ببطء.

وقال:

“كمّل.”

تنهد الطبيب.

ثم قال:

“بعد أسبوع من ظهور النتائج… اتعملت إعادة تحليل.”

اتسعت عينا كريم.

“إعادة تحليل؟”

هز الطبيب رأسه.

“أيوه.”

“ومين طلبها؟”

“والدتك.”

تجمد كريم.

لكن الصدمة الحقيقية لم تأتِ بعد.

فتح الطبيب الملف.

وسحب ورقة أخرى.

ثم دفعها أمام كريم.

وقال:

“دي النتيجة الثانية.”

نظر كريم إلى الورقة.

في البداية لم يستوعب شيئًا.

ثم قرأ السطر الأخير.

مرة.

مرتين.

ثلاث مرات.

حتى بدأ الحبر يهتز أمام عينيه.

لأن النتيجة كانت واضحة جدًا.

خصوبة طبيعية.

لا يوجد عقم.

لا يوجد مانع طبي.

لا يوجد شيء.

رفع رأسه ببطء شديد.

وشعر أن العالم كله توقف.

“إيه ده؟”

أجاب الطبيب بصوت منخفض:

“الحقيقة.”

“ليه ما عرفتش؟”

أغلق الطبيب عينيه.

ثم قال:

“لأن الملف اختفى.”

“اختفى؟”

“والدتك أخذته بنفسها.”

تجمد الهواء داخل الغرفة.

ولأول مرة في حياته…

شعر كريم بالخوف من معرفة بقية الحقيقة.

قال بصوت أجش:

“إنت بتقول إن أمي خبت النتيجة؟”

لم يجب الطبيب.

لكن صمته كان كافيًا.

في قصر الشاذلي…

كانت نادية تجلس في غرفة الجلوس.

تشرب قهوتها كعادتها.

لكن يديها لم تكونا ثابتتين.

منذ مغادرة سلمى وهي تشعر أن شيئًا سيئًا يقترب.

شيء كانت تهرب منه منذ سنوات.

وفجأة…

سمعت صوت الباب الرئيسي يُفتح بعنف.

رفعت رأسها.

فوجدت كريم يدخل.

وجهه شاحب.

وعيناه مليئتان بشيء لم تره فيه من قبل.

الغضب.

ليس غضب رجل أعمال.

بل غضب ابن اكتشف خيانة.

نهضت فورًا.

وقالت:

“كريم؟”

لم يرد.

اقترب منها.

ووضع الملف فوق الطاولة.

ثم قال بهدوء مرعب:

“عايز أفهم.”

نظرت إلى الملف.

وفقدت لونها فورًا.

عرفت.

انتهى الأمر.

بعد ست سنوات…

خرج السر أخيرًا إلى النور.

قال كريم:

“ليه؟”

لم تجب.

فصرخ لأول مرة:

“ليه؟!”

ارتجفت نادية.

وقالت بصوت ضعيف:

“كنت بحميك.”

ضحك.

ضحكة باردة أرعبتها.

“تحميني من إيه؟”

انهمرت الدموع من عينيها.

وقالت:

“منها.”

تجمد.

“من سلمى؟”

هزت رأسها.

“هي ما كانتش مناسبة لعيلتنا.”

شعر كريم بالغثيان.

“عشان كده خبيتي التحاليل؟”

“كنت خايفة تسيطر عليك.”

“دي مراتي!”

“وأنا أمك!”

دوّى صوته داخل القصر:

“وأنتِ دمرتي حياتي!”

سقطت نادية على الأريكة وهي تبكي.

لكن كريم لم يعد يرى دموعها.

كل ما كان يراه…

سنوات ضاعت.

سنوات عاش فيها مقتنعًا أنه لا يستطيع الإنجاب.

سنوات رأى فيها الحزن داخل عيني سلمى دون أن يفهم سببه.

سنوات كان يبتعد عنها أكثر فأكثر.

لأنه كان يشعر بالفشل.

بالنقص.

بالعجز.

بينما الحقيقة كانت مدفونة داخل درج.

بسبب قرار من والدته.

ثم جاءه السؤال الأخطر.

إذا لم يكن عقيمًا…

وإذا كانت سلمى حاملًا الآن…

فهذا يعني أن الطفل ابنه.

ابنه حقًا.

أغمض عينيه.

وشعر بقلبه ينقبض.

لأنه فجأة أدرك حجم الكارثة.

سلمى لم ترحل لأنها لم تعد تحبه.

بل لأنها تعبت من انتظاره.

وتعبت من الدفاع عنه.

وتعبت من الشعور بأنها غير مرئية.

فتح عينيه.

وسأل أمه:

“هي عرفت؟”

ترددت.

ثم قالت:

“لا.”

“متأكدة؟”

“أقسم لك.”

أخذ نفسًا طويلًا.

ثم استدار نحو الباب.

صرخت خلفه:

“رايح فين؟”

توقف للحظة.

ثم قال:

“أصلح اللي اتكسر.”

لكن نادية أغلقت عينيها بألم.

لأنها كانت تعرف شيئًا آخر.

شيئًا لم يخبره الطبيب.

ولم يعرفه كريم بعد.

شيئًا أخطر بكثير من التحاليل.

سرًا دفنته منذ ست سنوات.

سرًا إذا اكتشفه ابنها…

فلن يسامحها أبدًا.

وفي نفس اللحظة…

كانت سلمى تصل إلى شقة ياسمين في الإسكندرية.

لكن ما إن فتحت صديقتها الباب…

حتى تجمدت ملامحها فجأة.

ونظرت خلف سلمى مباشرة.

ثم همست بصدمة:

“سلمى… هو إزاي لحق يوصل؟”

استدارت سلمى بسرعة.

وشحب وجهها بالكامل.

لأن سيارة سوداء مألوفة كانت متوقفة أمام العمارة.

وبجوارها…

وقف كريم الشاذلي.

ينظر إليها.

وكأنه قطع المسافة بين القاهرة والإسكندرية كلها…

فقط ليقول شيئًا واحدًا.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *