85الف جنيه حكـايـات روماني ×2

الفصل الثالث: الأرض اللي اتباعت من وراها

بعد ثلاثة أيام.

كنت في الشغل لما جالي اتصال من جار قديم في طنطا.

الحاج محمود.

راجل محترم أعرفه من وأنا طفلة.

قال بصوت متردد:

“يا بنتي… في واحد جاي لبيت أبوكي من الصبح ومصمم يقابله.”

سألته:

“مين؟”

رد:

“محامي.”

استغربت.

“محامي؟”

قال:

“ومعاه ملف كبير… وبيقول إن الموضوع يخصك إنتِ.”

قفلت المكالمة وأنا مستغربة.

لكن بعد أقل من ساعة.

التليفون رن تاني.

المرة دي كان رقم غريب.

رديت.

“الأستاذة ليلى منير؟”

“أيوة.”

“أنا المستشار سامح البدري.”

“اتفضل.”

“أنا آسف لو هقولك حاجة ممكن تصدمك.”

قلبي بدأ يدق بسرعة.

“خير؟”

سكت ثواني.

ثم قال:

“حضرتك تعرفي إن جدك الله يرحمه كتب قطعة أرض باسمك قبل وفاته؟”

وقفت مكاني.

تماماً.

“إيه؟”

“أرض زراعية ومساحة بناء.”

“مستحيل.”

“للأسف لا.”

حسيت الدنيا بتلف.

جدي توفى وأنا عندي 17 سنة.

وكان قريب مني جداً.

لكن محدش عمره قال لي حاجة عن أرض.

ولا ورث.

ولا أي حاجة.

طلبت أقابله فوراً.

وبعد ساعات كنت قاعدة قدامه.

فتح الملف.

وأخرج صورة من وصية موثقة.

ومختومة.

وقانونية.

وفيها اسمي.

بوضوح.

ليلى منير عبدالعظيم.

المالكة الوحيدة للأرض.

بصيت للتاريخ.

الوصية مكتوبة قبل وفاة جدي بستة شهور.

وسألته:

“لو ده حقيقي… ليه أول مرة أعرف؟”

تنهد.

وقال:

“لأن فيه مشكلة.”

“إيه هي؟”

رد:

“الأرض اتباعت.”

شهقت.

“إزاي؟!”

رفع ملف تاني.

وقال:

“ودي المشكلة الأكبر.”

الأرض اتباعت من أربع سنين.

لرجل أعمال.

بمبلغ كبير جداً.

والمفاجأة؟

إن عقد البيع موقع باسم ولي الأمر.

أبويا.

سكت.

مش قادرة أستوعب.

قلت:

“بس أنا كنت عندي 26 سنة وقتها.”

قال:

“عشان كده أنا بدور ورا الموضوع.”

“يعني العقد باطل؟”

“لو ثبت إن التوقيع أو الإجراءات تمت بدون موافقتك… نعم.”

رجعت البيت وأنا في حالة صدمة.

كل يوم اكتشف خيانة جديدة.

كل يوم يطلع جرح أعمق من اللي قبله.

كنت فاكرة إن أزمة الـ85 ألف هي النهاية.

لكن واضح إنها كانت البداية بس.

بالليل.

اتصلت بأبويا.

أول ما رد.

قلت:

“عايزة أسألك سؤال واحد.”

سكت.

“إيه موضوع أرض جدي؟”

وفي اللحظة دي.

لأول مرة في حياتي.

سمعت صوت أبويا يرتعش.

قال:

“مين قالك؟”

عرفت من الجملة دي إن كل حاجة حقيقية.

قلت:

“يعني فعلاً كانت باسمي؟”

سكت.

“واتباعت؟”

سكت أكتر.

“واتقبض تمنها؟”

هنا أغلق المكالمة.

في وشي.

بعد عشر دقائق.

أمي اتصلت.

كانت منهارة.

بتعيط.

لكن دموعها المرة دي ماكانتش بتأثر فيا.

قالت:

“كان عندنا ظروف.”

ضحكت بمرارة.

“ظروف بـ85 ألف؟”

“لا يا ليلى…”

“ولا بـ412 ألف؟”

سكتت.

“ولا تمن أرض كاملة؟”

هنا انفجرت في البكاء.

لكن المرة دي.

أنا ما رققتش.

في اليوم التالي.

المستشار سامح جابلي نسخة من تقدير حديث للأرض.

ولما شفت الرقم.

حسيت إني مش قادرة أتنفس.

الأرض اللي اتباعت من أربع سنين بمبلغ بسيط نسبياً…

بقت دلوقتي تساوي أكثر من 12 مليون جنيه.

بسبب التوسع العمراني.

والطرق الجديدة.

والمشروعات اللي اتعملت حوالين المنطقة.

يعني ببساطة.

مش بس أخدوا حقي.

لكن ضيعوا ثروة كاملة.

كان ممكن تغير حياتي كلها.

في نفس الليلة.

وصلني خبر تاني.

الخبر ده قلب الموازين بالكامل.

رجل الأعمال اللي اشترى الأرض…

قرر يدخل على الخط بنفسه.

وكان معاه مفاجأة ماحدش توقعها.

مفاجأة هتخلي أبويا وأمي وشيري يكتشفوا إن الأيام الجاية أسوأ بكتير مما يتخيلوا.

يتبع في الفصل الرابع…

الفصل الرابع: رجل الأعمال الذي قلب الطاولة

في صباح اليوم التالي، كنت جالسة في مكتبي أحاول التركيز في العمل، لكن عقلي كان بعيدًا تمامًا.

85 ألف جنيه.

412 ألف جنيه.

وأرض قيمتها الحالية أكثر من 12 مليون.

كل رقم كان كأنه حجر جديد فوق صدري.

وفجأة رن هاتفي.

رقم غير مسجل.

رديت.

ـ “الأستاذة ليلى منير؟”

ـ “أيوة.”

ـ “أنا المهندس حسام الجبالي.”

الاسم كان مألوفًا.

ثانيتين فقط وافتكرت.

هو رجل الأعمال الذي اشترى الأرض.

اعتدلت في جلستي فورًا.

ـ “اتفضل.”

قال بهدوء:

ـ “أعتقد لازم نتقابل.”

بعد ساعات كنت جالسة في مكتبه.

رجل في أوائل الخمسينات.

ملامحه هادئة.

لكن عينيه حادتان بشكل مخيف.

وضع أمامي ملفًا سميكًا.

وقال:

ـ “قبل ما أقول أي حاجة… أنا ما كنتش أعرف إن الأرض باسمك.”

نظرت إليه.

فأكمل:

ـ “أنا اشتريت الأرض باعتبار إن كل الإجراءات سليمة.”

فتحت الملف.

وجدت نسخًا من العقود.

والتوكيلات.

وإيصالات التحويل.

وكل شيء تقريبًا.

ثم أشار إلى ورقة معينة.

وقال:

ـ “بصي هنا.”

نظرت.

وتجمدت.

التوقيع الموجود لم يكن توقيعي.

ولا يشبه توقيعي أصلًا.

قال المهندس حسام:

ـ “أنا عرضت الملف على خبير خطوط.”

رفعت رأسي نحوه.

ـ “و؟”

ـ “قال إن التوقيع مزور.”

شعرت ببرودة تسري في أطرافي.

رغم أني كنت أتوقع ذلك.

لكن سماعه بشكل رسمي كان شيئًا مختلفًا.

ثم قال جملة لم أتوقعها أبدًا:

ـ “أنا مش جاي أحاربك.”

استغربت.

ـ “يعني؟”

ـ “أنا جاي أساعدك.”

اتضح أن المهندس حسام نفسه كان في مشكلة.

لأن الأرض أصبحت الآن جزءًا من مشروع استثماري ضخم.

وأي حكم قضائي بإبطال البيع سيهدد استثمارات بملايين الجنيهات.

لذلك كان يريد كشف الحقيقة كاملة.

ومحاسبة المسؤول الحقيقي.

وليس الدخول في حرب طويلة معي.

قبل أن أغادر.

سلمني نسخة كاملة من الملف.

وقال:

ـ “في حاجة تانية لازم تعرفيها.”

سألته:

ـ “إيه هي؟”

قال:

ـ “جزء كبير من فلوس بيع الأرض ما راحش لوالدك.”

صمت.

ثم أكمل:

ـ “راح لحساب تاني.”

شعرت أن قلبي توقف.

ـ “حساب مين؟”

فتح ورقة.

وأدارها ناحيتي.

نظرت للاسم.

وشعرت وكأن أحدهم ضربني في وجهي.

الاسم كان:

شيرين منير.

أختي.

لم أصدق.

ظللت أحدق في الورقة عدة ثوانٍ.

ثم عدة دقائق.

ثم همست:

ـ “مستحيل.”

لكن الأرقام كانت واضحة.

تواريخ التحويلات واضحة.

وأرقام الحسابات واضحة.

جزء كبير من ثمن الأرض تم تحويله لحساب شيري.

قبل سنوات.

على دفعات.

وبمبالغ ضخمة.

فجأة بدأت أشياء كثيرة تتضح.

السيارة الجديدة التي ظهرت فجأة.

السفرات المتكررة.

المصروف الذي لم ينقطع رغم أنها لا تعمل.

الملابس والمشتريات.

كل شيء.

طوال هذه السنوات.

لم تكن شيري مجرد مدللة.

كانت تعرف.

تعرف أكثر مما كنت أتخيل.

في تلك الليلة.

عدت إلى شقتي.

وأغلقت الباب.

وجلست وحدي في الصالة.

أمام الملف.

أقلب الصفحات واحدة تلو الأخرى.

حتى وصلت إلى آخر مستند.

وهناك…

وجدت شيئًا أخطر من كل ما سبق.

كشف حساب قديم.

منذ أربع سنوات.

يحتوي على تحويل ضخم.

أكثر من مليون جنيه.

لكن المرسل إليه لم يكن شيري.

ولا أبي.

ولا أمي.

كان اسمًا آخر.

اسم رجل لا أعرفه.

ومكتوب بجواره ملاحظة قصيرة جدًا:

“تسوية نهائية.”

في اليوم التالي بدأت أبحث عن الاسم.

وسألت المحامي.

وسألت المهندس حسام.

وبعد ساعات من البحث…

عرفت الحقيقة.

الرجل لم يكن شريكًا.

ولم يكن مستثمرًا.

ولم يكن سمسارًا.

كان دائنًا.

شخصًا كان يطالب أبي بمبلغ ضخم منذ سنوات.

ودفع له من ثمن الأرض لتسوية ديونه.

أي أن والدي لم يبع الأرض فقط.

بل استخدم حقي لسداد مشاكله الشخصية.

دون أن يخبرني.

دون أن يستأذنني.

ودون أن يشعر بالذنب.

عندها فقط.

اتخذت القرار الذي كنت أؤجله.

رفعت الهاتف.

واتصلت بالمحامي.

وقلت:

ـ “ابدأ كل الإجراءات.”

سأل:

ـ “متأكدة؟”

أجبته:

ـ “لآخر خطوة.”

لكن ما لم أكن أعرفه…

أن أوراق الدعوى لم تكن قد وصلت بعد إلى المحكمة.

ومع ذلك.

كان هناك شخص داخل عائلتي قد عرف بكل شيء.

وفي نفس الليلة.

وقبل منتصف الليل بدقائق.

استيقظت على صوت طرقات عنيفة على باب شقتي.

طرقات مرعبة.

ومتواصلة.

وكأن من بالخارج فقد أعصابه تمامًا.

اقتربت بحذر من الباب.

ونظرت من العين السحرية.

ثم تجمدت في مكاني.

لأن الشخص الواقف بالخارج…

لم يكن أبي.

ولا أمي.

ولا شيري.

بل شخص لم أره منذ أكثر من عشر سنوات.

وشعرت فور رؤيته أن كارثة جديدة على وشك أن تبدأ.

يتبع في الفصل الخامس…

الفصل الخامس: الرجل الذي اختفى عشر سنوات

وقفت مكاني.

عيني على العين السحرية.

وقلبي بيدق بعنف.

الشخص الواقف بره كان…

خالي سامي.

أخو أمي.

آخر مرة شفته فيها كنت في الجامعة.

وبعدها اختفى من حياتنا بالكامل.

كانت أمي دايمًا ترفض تتكلم عنه.

ولو حد جاب سيرته كانت تغير الموضوع فورًا.

لدرجة إني مع الوقت بطلت أسأل.

الطرقات استمرت.

بعنف.

كأنه مستعجل.

فتحت الباب بحذر.

أول ما شافني قال:

“لازم أتكلم معاكي حالاً.”

صوته كان مرهق.

ووشه أكبر من عمره بعشر سنين.

دخل الشقة.

وقعد على أول كرسي قابله.

وبعدين قال جملة خلتني أتجمد:

“أنا السبب في إنك عرفتي الحقيقة متأخر.”

فضلت باصة له.

مش فاهمة.

قال:

“أمك وأبوكي مخبيين عنك حاجات أكتر بكتير من الأرض.”

حسيت بطني اتقبضت.

قلت:

“زي إيه؟”

سكت لحظة.

ثم قال:

“فاكرة جدك؟”

“طبعاً.”

“جدك قبل ما يموت بشهرين جمعنا كلنا.”

ابتدى يحكي.

وأنا حاسة إن كل كلمة بتفتح باب جديد من الصدمات.

طلع إن جدي وقتها كان عارف إن أبويا غارق في الديون.

وعارف إن خالي سامي نفسه كان بيطلب منه فلوس باستمرار.

وعارف إن العيلة كلها بتلف حوالين الفلوس.

عشان كده قرر يعمل حاجة مختلفة.

قرر يكتب أغلب أملاكه باسم الحفيدة الوحيدة اللي كانت متفوقة وبتدرس وبتشتغل.

أنا.

قال خالي:

“جدك كان شايف إنك الوحيدة اللي هتحافظي على التعب.”

سكت.

ثم أكمل:

“وده اللي خلا أمك تغضب جداً.”

اتسعت عيني.

“ماما؟”

هز رأسه.

“أيوة.”

“مستحيل.”

قال بحزن:

“للأسف دي الحقيقة.”

ثم فتح حقيبة جلد قديمة كان شايلها.

وأخرج ظرفًا أصفر.

قديمًا جدًا.

ومتآكل الأطراف.

ووضعه أمامي.

“ده مكتوب بخط جدك.”

فتحت الظرف.

وبدأت أقرأ.

كانت رسالة.

موجهة لي.

ومكتوبة قبل وفاته بأسابيع.

كل كلمة فيها كانت تجعل عيني تمتلئ بالدموع.

كان يتكلم عني.

عن طفولتي.

عن أحلامي.

عن تعبه في جمع أملاكه.

وعن خوفه من أن يضيع كل شيء بسبب طمع بعض أفراد العائلة.

وفي آخر الرسالة كتب:

“لو وصلتك الرسالة دي يومًا، اعرفي إنك أقوى مما تتخيلي. ولو حاول أي حد ياخد حقك، متسكتيش.”

انهرت.

لأول مرة منذ بداية كل هذه الأحداث.

بكيت.

ليس على الفلوس.

ولا على الأرض.

بل على فكرة أن جدي حاول يحميني…

وفشل الجميع في تنفيذ وصيته.

بعد أن هدأت قليلاً.

نظر إليّ خالي وقال:

“لسه فيه حاجة.”

أغلقت الرسالة.

وقلت:

“إيه تاني؟”

أخرج ورقة أخرى.

نسخة من كشف حساب قديم.

وقال:

“فاكرة المليون جنيه اللي راحوا للدائن؟”

“أيوة.”

“فيه مبلغ أكبر خرج بعده بأسبوع.”

“كام؟”

“مليون ونص.”

شعرت بصداع حاد.

“وراح لمين؟”

رد:

“أمك.”

تجمدت.

حرفيًا.

أمي.

التي كانت تدعي دائمًا أنها لا تعرف شيئًا.

وأن أبي هو من يتصرف.

وأنها مجرد ضحية للظروف.

كان لديها حساب خاص.

ودخل إليه مبلغ ضخم من ثمن الأرض.

قال خالي بهدوء:

“أنا سكت سنين.”

“ليه؟”

خفض رأسه.

وقال:

“لأن أختي كانت بتهدد تقطع علاقتها بيا لو اتكلمت.”

ثم رفع رأسه وأضاف:

“بس لما عرفت موضوع الـ85 ألف… فهمت إنهم عمرهم ما هيتغيروا.”

في اليوم التالي.

أرسل المحامي إنذارًا قانونيًا رسميًا.

إلى أبي.

وأمي.

وشيري.

وفي أقل من ساعتين.

اشتعلت العائلة كلها.

مكالمات.

رسائل.

تهديدات.

استعطاف.

بكاء.

غضب.

كل شيء.

إلا الاعتذار.

لكن أكثر شخص فاجأني كان أبي.

لأنه لم يتصل.

ولم يرسل رسالة.

ولم يتكلم.

اختفى تمامًا.

وبعد يومين.

عرفت السبب.

كان قد باع شقة الأسرة القديمة في طنطا.

وحاول سحب كل ما تبقى من أمواله من البنوك.

وكأنه يستعد للهروب.

لكن ما لم يكن يعرفه…

أن المحامي كان قد سبق بخطوة.

وكان قد اتخذ إجراءً قانونيًا عاجلًا.

إجراء سيمنع أي تصرف جديد في الأموال لحين انتهاء التحقيقات.

وعندما علم أبي بذلك…

فقد أعصابه لأول مرة.

ودخل في مواجهة مباشرة مع شخص لم يكن يتوقع أن يقف ضده أبدًا.

شخص من داخل البيت نفسه.

وشهادته وحدها كانت كفيلة بتدمير كل الأكاذيب التي عاشوا بها سنوات.

يتبع في الفصل السادس…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *