ابنتي حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثالث
استمر بكاء ريم على الهاتف.
بكاء لم أسمعه منها منذ كانت طفلة صغيرة.
لكن هذه المرة لم يكن بسبب لعبة ضاعت.
ولا بسبب مشكلة في المدرسة.
كان بسبب الحياة.
بسبب قراراتها.
وبسبب الرجل الذي اختارت أن تضعه فوق كل الناس.
حتى فوق أبيها.
قالت وهي تبكي:
“بابا… إحنا مش لاقيين نروح فين.”
أغمضت عيني للحظة.
ونظرت إلى صورة أمها الموضوعة فوق الكومود.
ثم سألت بهدوء:
“ومازن فين؟”
ساد صمت قصير.
ثم قالت:
“واقف جنبي.”
“طب اديني أكلمه.”
سمعت همسات.
ثم جاءني صوته.
لكن هذه المرة لم يكن واثقًا كما كان.
ولا متعاليًا.
ولا ساخرًا.
قال بصوت منخفض:
“مساء الخير يا حاج.”
ابتسمت بمرارة.
من أسبوع فقط كان يطردني من بيتي.
أما الآن…
فعادت كلمة “يا حاج”.
قلت:
“خير؟”
تنحنح.
ثم قال:
“أكيد في سوء تفاهم.”
ضحكت.
ضحكة قصيرة.
وأجبته:
“السوء الحقيقي إنك افتكرت البيت بتاعك.”
لم يرد.
فأكملت:
“لما قلتلي كان بيتك… فاكر؟”
ازداد صمته.
قلت:
“طلع فعلًا كان بيتي.”
ثم أغلقت الهاتف.
وبقيت جالسًا.
أنظر إلى الشاشة.
وأحاول إقناع نفسي ألا أتصل مجددًا.
لكن المشكلة أن ريم ابنتي.
مهما فعلت.
ومهما أخطأت.
ستظل قطعة من قلبي.
بعد نصف ساعة…
ارتديت ملابسي.
ونزلت.
وجدتهما جالسين داخل سيارة أجرة قديمة أمام أحد المقاهي.
كانت ريم تبكي.
أما مازن فكان شاردًا.
عندما رآني نزل من السيارة فورًا.
كأنه وجد طوق النجاة.
لكنني تجاهلته.
واتجهت مباشرة نحو ريم.
كانت عيناها متورمتين من البكاء.
جلست بجوارها.
وقلت:
“جعانة؟”
هزت رأسها بالنفي.
ثم ارتمت في حضني فجأة.
كما كانت تفعل وهي صغيرة.
وبكت.
بكت بطريقة مزقت قلبي.
وقالت:
“أنا آسفة يا بابا.”
ولأول مرة منذ كل ما حدث…
شعرت أن الاعتذار حقيقي.
ليس من أجل البيت.
ولا من أجل المال.
بل لأنها بدأت ترى الحقيقة.
أما مازن…
فبقي واقفًا بعيدًا.
يراقبنا بصمت.
ثم اقترب أخيرًا.
وقال:
“أنا غلطت.”
رفعت رأسي إليه.
فأكمل:
“وأعترف بده.”
لكنني لم أرد.
لأن بعض الجروح لا تلتئم بكلمة واحدة.
ولا باعتذار واحد.
ثم سألت:
“معاكم فلوس؟”
نظرت ريم إلى الأرض.
أما مازن فقال:
“قليلة.”
ضحكت مرة أخرى.
لأنني كنت أعرف الحقيقة.
مازن لم يعمل يومًا واحدًا منذ زواجه.
كان يقضي وقته بين الأصدقاء والمباريات والأحلام الكبيرة.
وكانت ريم هي التي تصرف من مدخراتها.
ثم من أموالي.
ثم من البيت نفسه.
قلت:
“تعالوا.”
نظر الاثنان إليّ بدهشة.
ثم أخذتهما إلى شقة صغيرة كنت قد اشتريتها قبل سنوات.
شقة متواضعة.
لكنها نظيفة ومؤثثة.
فتحت الباب.
ودخلنا.
ثم وضعت المفتاح فوق الطاولة.
وقلت:
“اقعدوا هنا مؤقتًا.”
بدأت الدموع تملأ عيني ريم من جديد.
أما مازن فبدا مذهولًا.
ثم قال:
“بعد اللي عملناه… لسه بتساعدنا؟”
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت:
“أنا بساعد بنتي.”
فهم الرسالة فورًا.
وسكت.
مرت الأيام التالية ثقيلة.
لكن شيئًا بدأ يتغير.
مازن لأول مرة بدأ يبحث عن عمل.
ولأول مرة في حياته يخرج صباحًا ويعود مساءً.
ولأول مرة يعرف معنى أن يدفع إيجارًا وفواتير من تعبه.
أما ريم…
فكانت تزورني كل يوم تقريبًا.
تحضر الطعام.
وتجلس معي.
وتتحدث كثيرًا.
كأنها تحاول تعويض سنوات كاملة.
وفي إحدى الأمسيات…
كنا نجلس نشرب الشاي.
عندما قالت فجأة:
“ماما كانت هتزعل مني أوي صح؟”
نظرت إلى صورتها المعلقة على الحائط.
ثم ابتسمت.
وقلت:
“كانت هتزعل.”
انخفض رأس ريم.
وأضافت:
“وأنت كمان زعلت.”
أومأت بهدوء.
ثم قلت:
“بس الزعل بيعدي.”
رفعت عينيها نحوي.
فسألتها:
“عارفة اللي ما بيعديش إيه؟”
هزت رأسها.
فقلت:
“لما الواحد يخسر أهله بإيده.”
وانفجرت بالبكاء مرة أخرى.
لكن هذه المرة…
لم يكن بكاء خوف.
ولا بكاء خسارة.
كان بكاء ندم.
الندم الذي يأتي عندما يفهم الإنسان متأخرًا قيمة الأشخاص الذين كانوا دائمًا بجواره.
وبعد شهرين كاملين…
حدث شيء لم أتوقعه.
طرق مازن باب شقتي.
ولما فتحت…
وجدته واقفًا ببدلة عمل بسيطة.
وفي يده ظرف.
ناوله لي.
فتحت الظرف.
وكان بداخله أول راتب حصل عليه في حياته.
وقال:
“مش جاي أديهولك.”
ثم ابتسم بخجل.
وأضاف:
“جاي أرجع جزء صغير من اللي أخدته منك.”
نظرت إليه طويلًا.
ولأول مرة…
رأيت رجلًا مختلفًا.
ليس الشاب المتكبر الذي طردني من بيتي.
بل رجلًا بدأ يتعلم.
ويكبر.
ويفهم.
وربما…
فقط ربما…
كانت الصدمة التي قلبت حياتهم جميعًا هي الشيء الوحيد الذي أنقذهم في النهاية.
الفصل الأخير… بعد عام كامل
مر عام.
عام كامل منذ الليلة التي خرجت فيها من بيتي بحقيبة صغيرة.
عام منذ وقفت ابنتي أمامي وقالت:
“يا إما تخدم جوزي… يا إما تسيب البيت.”
الغريب أنني لم أعد أشعر بالغضب عندما أتذكرها.
الوجع اختفى.
والغضب هدأ.
وبقي درس واحد فقط.
أن الحب لا يعني أن تسمح للناس بإهانتك.
حتى لو كانوا أقرب الناس إليك.
في صباح أحد الأيام…
كنت أجلس في شرفة شقتي أحتسي القهوة.
وأتأمل صورة زوجتي كعادتي.
عندما رن هاتفي.
كانت ريم.
لكن صوتها هذه المرة كان مختلفًا.
مليئًا بالحماس.
قالت:
“بابا… لازم تيجي حالًا.”
ضحكت.
“خير؟”
“بس تعالى.”
بعد ساعة كنت أمام منزل جديد.
منزل صغير وجميل.
وفي الحديقة كانت ريم ومازن واقفين.
وبجوارهما لافتة كبيرة مكتوب عليها:
“مبروك البيت الجديد.”
توقفت في مكاني.
ونظرت إليهما باستغراب.
اقتربت ريم.
وأمسكت يدي.
وقالت:
“فاكر لما قلتلي إن الإنسان لازم يبني حياته بتعبه؟”
أومأت.
فابتسمت.
وقالت:
“إحنا عملنا كده.”
علمت بعدها أن مازن استمر في العمل.
ثم حصل على وظيفة أفضل.
ثم فتح مشروعًا صغيرًا مع أحد أصدقائه.
وريم عادت للعمل أيضًا.
وظلا يدخران المال شهرًا بعد شهر.
حتى استطاعا شراء منزل متواضع من تعبهما.
لا من مال أبيها.
ولا من ميراث.
ولا من أحد.
ثم سحبتني ريم نحو الباب.
وقالت:
“لسه في حاجة تانية.”
دخلت.
فوجدت غرفة صغيرة مجهزة بالكامل.
وفي منتصفها كرسي خشبي مريح.
نفس لون كرسي زوجتي القديم.
لكن أجمل.
وأحدث.
وعلى الحائط صورة كبيرة لي ولزوجتي.
أما فوق الكرسي فكانت لوحة صغيرة.
اقتربت منها.
وقرأت ما كُتب عليها.
“مكان سعيد منصور… صاحب البيت الحقيقي وصاحب الفضل بعد ربنا.”
شعرت بشيء يخنقني.
ولم أستطع الكلام.
أما ريم فكانت تبكي.
وقالت:
“أنا عارفة إن الاعتذار مش هيغير اللي حصل.”
“بس نفسي كل يوم من عمري الجاي تعرف إني ندمت.”
نظرت إليها.
ثم إلى مازن.
ثم إلى الصورة المعلقة على الحائط.
وشعرت وكأن زوجتي تبتسم من مكان بعيد.
اقترب مازن هو الآخر.
وقال:
“أنا ظلمتك.”
“وكنت فاكر إن الرجولة صوت عالي وأوامر.”
“بس طلعت الرجولة حاجة تانية خالص.”
ربتُّ على كتفه.
وقلت:
“المهم إنك فهمت.”
جلسنا معًا.
وأكلنا.
وضحكنا.
وتحدثنا لساعات.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة…
شعرت أنني لست وحيدًا.
وفي أثناء جلوسنا…
وضعت ريم يدها على بطنها.
فانتبهت للحركة.
ثم ابتسمت بخجل.
وقالت:
“في مفاجأة كمان.”
عقدت حاجبي.
أما مازن فضحك.
وقال:
“حضرتك هتبقى جد.”
ساد الصمت لثانية.
ثم انفجرت ضاحكًا.
وبكت ريم.
وضحك مازن.
واختلطت المشاعر كلها في لحظة واحدة.
وفي تلك الليلة…
عدت إلى شقتي.
وجلست أمام صورة زوجتي.
وأخبرتها بكل شيء.
أخبرتها أن ابنتنا أخطأت.
ثم تعلمت.
وسقطت.
ثم نهضت.
وأخبرتها أن البيت الحقيقي لم يكن من الطوب والحجر أبدًا.
البيت الحقيقي…
هو الناس الذين يعودون إليك بعد أن يكتشفوا قيمتك.
وضعت الصورة بين يدي.
وابتسمت.
لأن النهاية لم تكن كما توقعت.
لم أكسب بيتًا.
ولم أخسر ابنة.
بل كسبت احترامًا لم يعد أحد يستطيع أخذه مني.
تمت.
❤️ حكـايـات أسما السيد .
❤️ حكـايـات أسما السيد ❤️
