طليقي المتآمر اسما-2

سارة كانت لسه ماسكة الموبايل، مستنية رد فعل أكبر.
لكن مريم رجعت تبص للرسومات المفتوحة قدامها على المكتب، وعدلت زاوية عينة قماش كحلي كانت بتحاول تقارنها بلون الخشب في مشروع فندق جديد.
قالت بهدوء: ــ لو عايز يتكلم بخصوص الولاد، يبعت على الإيميل.
سارة فضلت باصة لها ثانيتين، ثم ضحكت وهي تهز رأسها: ــ والله العظيم… لو شريف شافك دلوقتي هيجيله جلطة.
مريم ابتسمت النص ابتسامة اللي بقت تخصها لوحدها مؤخرًا.
مش ابتسامة انتصار متشفي. ولا مرارة.
بس هدوء إنسانة أخيرًا بقت مستقرة جوا نفسها.
لكن الليل… كان دائمًا أصعب.
بعد ما رجعت البيت، ونوّمت ليان بعد مفاوضات طويلة علشان تغسل سنانها، وساعدت ياسين يجهز مشروع العلوم بتاعه، وقعدت أخيرًا لوحدها في البلكونة الصغيرة، القاهرة كانت هادية بشكل نادر.
رفعت الكوباية السخنة لشفايفها.
وفجأة… افتكرت شريف.
مش شريف اللي وقف مذهول في القاعة. ولا شريف المتكبر اللي بعت الدعوة.
افتكرت أول سنة جواز.
لما كانوا لسه في شقة صغيرة في مدينة نصر قبل الأبراج والفلوس الضخمة. لما كان يضحك بسهولة. لما كان يطلب منها تذوق الصوص وهو بيطبخ مكرونة نص الليل. لما ناموا على مرتبة على الأرض أسبوعين لأنهم ماكانوش لسه اشتروا سرير.
الذكريات أحيانًا بتبقى خيانة صغيرة للعقل.
لأن القلب يفتكر الحلو حتى بعد الخراب.
غمضت عينيها.
وسألت نفسها السؤال اللي كانت بتهرب منه بقالها شهور:
هل شريف كان وحش طول عمره؟
ولا السلطة والغرور والفلوس… حوّلوه للحاجة دي؟
رن الموبايل.
رسالة.
رقم مجهول.
فتحتها بتلقائية… واتجمدت.
“أنا آسف.”
بس كده.
ولا اسم. ولا شرح.
لكنها عرفت فورًا إنه هو.
فضلت تبص للكلمة طويلًا.
زمان… كانت كلمة زي دي ممكن تهد جبل جواها.
أما دلوقتي؟
حست بحزن خفيف فقط.
حزن على اتنين ضيعوا بعض.
قفلت الشاشة بدون رد.
وفي الناحية التانية من القاهرة…
شريف كان قاعد لوحده في مكتبه القديم بالدور الأربعين.
المكتب نفسه اللي كتب فيه الرسالة المهينة.
بس المكان دلوقتي كان فاضي بطريقة مرعبة.
بعد ق*ضية نادين، أسهم الشركة نزلت بشكل عنيف. مجلس الإدارة أجبره ينسحب مؤقتًا. الصحافة نهشته. وكل أصحاب المصالح اللي كانوا بيضحكوا حواليه… اختفوا.
حتى نادين نفسها، أول ما خرجت بكفالة، حاولت ترمي كل حاجة عليه.
“شريف كان يعرف.” “شريف وافق.” “شريف مضى.”
والأسوأ؟ إن جزء منه كان يستحق الكارثة.
لأنه طول عمره افتكر إن الفلوس تخليه فوق العواقب.
بص للمكتب.
ثم وقعت عينه على صورة قديمة محطوطة مقلوبة من شهور.
مد إيده وقلبها.
هو ومريم.
في أول مكتب اشتروه لشركتهم العقارية الصغيرة زمان.
هي كانت قاعدة على المكتب نفسه، شعرها منكوش، وماسكة بيتزا، وتضحك للكاميرا بعفوية كاملة.
وهو كان باصلها… بنفس الطريقة اللي الراجل بيبص بيها للحاجة الوحيدة اللي مدياله سلام.
قلبه وجعه فجأة.
لأنه أدرك حاجة متأخرة جدًا.
مريم ماكنتش ضعيفة.
هي بس كانت بتحبه لدرجة إنها كانت مستعدة تختفي علشانه.
وده أخطر نوع حب ممكن ياخده إنسان كأمر مضمون.
رن عليه المحامي.
ــ أستاذ شريف، لازم نحضر جلسة بكرة.
رد بفتور: ــ حاضر.
ثم قفل.
وفضل باصص للصورة.
وسأل نفسه لأول مرة بصدق:
“إمتى بقيت الراجل اللي كانت بتخاف منه؟”
…
بعد شهرين…
مريم كانت في افتتاح مشروع الفندق الجديد في الجونة.
الصحافة موجودة. مستثمرين. ديزاينرز. أجانب. إضاءة هادية وموسيقى جاز خفيفة.
لكن المرة دي… هي مش زوجة رجل مهم.
هي صاحبة الشغل.
وكان واضح.
كل الناس بتسلم عليها باحترام حقيقي. مش مجاملة. مش علشان اسم جوزها.
هي.
مريم عز الدين.
كانت لابسة بدلة بيضا واسعة بسيطة، وشعرها نازل على كتفها بموجات هادية.
وقفت تبص للفندق بعد الافتتاح، وعينيها لمعت بفخر صغير.
سمعت صوت مألوف وراها: ــ الدرج اللي عند البار… فكرتك.
اتجمدت للحظة.
ثم لفت ببطء.
شريف.
لابس بدلة كحلي غامقة. أرفع شوية. مرهق أكتر. وفيه خصلات رمادي بدأت تظهر في شعره.
لكن لأول مرة من سنين… ماكانش فيه غرور في وقفته.
بس تعب.
قالت بهدوء: ــ إنت إيه اللي جابك؟
ابتسم ابتسامة ضعيفة: ــ صاحب الفندق دعاني… وبعدها عرفت إن التصميم بتاعك.
سكتت.
فقال: ــ جميل.
ــ شكرًا.
وقف بينهم صمت غريب.
مش عدائي.
لكن محمّل بتاريخ كامل.
شريف بص حواليه. ثم قال: ــ عملتي كل ده لوحدك؟
مريم رفعت حاجبها: ــ كنت فاكر إني مقدرش؟
تنهد بخفة: ــ لا… كنت فاكر إني السبب في نجاحك.
الكلمة كانت صادقة بشكل أوجعها.
لأنها كانت أول مرة تسمعه يعترف بالحقيقة.
قال وهو يبص للفندق: ــ أنا أخدت وقت طويل علشان أفهم إنك ماكنتيش محتاجاني تنجحي… إنتِ بس كنتِ مختاراني.
قلبها انقبض للحظة.
ليس حبًا.
بل حدادًا على النسخة القديمة منهم.
قالت بهدوء: ــ وإنت كنت محتاج حد يحبك قبل ما تبقى شريف المنشاوي.
رفع عينيه لها.
ولأول مرة… بدا صغيرًا.
ــ وأنا ضيعت الشخص الوحيد اللي عمل ده.
الهوا كان دافي حوالينهم، وصوت البحر بعيد.
ثم قال فجأة: ــ الولاد عاملين إيه؟
ابتسمت تلقائيًا: ــ ياسين بقى مهووس بالفلك. وليان قررت إنها هتبقى “مهندسة بتصمم قصور أميرات”.
ضحك لأول مرة بصدق.
والضحكة كسرت قلبها قليلًا.
لأنها افتكرت الراجل القديم اللي اختفى وسط الغرور.
قال بهدوء: ــ وحشتيني.
الصراحة المباشرة خلتها تسكت.
لكنه كمل بسرعة: ــ عارف إن متأخر… وعارف إن غالبًا مفيش فرصة أصلح أي حاجة. بس دي الحقيقة.
مريم بصت له طويلًا.
زمان… كانت الجملة دي حلمها.
أما الآن؟
حست بحاجة مختلفة.
سلام.
قالت بلطف: ــ أنا مسامحاك يا شريف.
شهق النفس جواه كأنه ماكانش متوقعها.
لكنها أكملت: ــ بس المسامحة مش معناها إني أرجع.
الحقيقة نزلت بينهم هادية… ونهائية.
هز رأسه ببطء.
واضح إنه كان يعرف.
قال: ــ أيوه… فهمت.
ثم ابتسم ابتسامة متعبة: ــ على الأقل بقيتِ تبصيلي من غير خوف.
دموع خفيفة لمعت في عينيها.
ــ لأنك أخيرًا بقيت تبصلي كإنسانة.
في تلك الليلة…
رجعت مريم الفندق متأخرة.
دخلت أوضتها بهدوء، لكنها لقت ياسين صاحي، قاعد على السرير بالفانلة وشعره منكوش.
ــ ماما؟
ابتسمت: ــ إيه يا قلب ماما؟ لسه صاحي؟
قال بتردد: ــ شوفت بابا تحت.
قلبها دق مرة.
ــ آه… كان في الافتتاح.
سكت ثانية. ثم سأل السؤال اللي كانت عارفة إنه هيجي يومًا ما:
ــ إنتِ وبابا… ممكن تحبوا بعض تاني؟
الأطفال دايمًا يسألوا الحقيقة بشكل مباشر يوجع.
قربت منه، وجلست جنبه على السرير.
ثم مررت إيدها في شعره: ــ الحب مش دايمًا بيكفي علشان الناس تكمل يا حبيبي.
ــ يعني إيه؟
ابتسمت بحزن خفيف: ــ يعني أحيانًا اتنين يحبوا بعض… بس يوجعوا بعض أكتر.
فكر قليلًا.
ثم قال: ــ بس بابا كان بيضحك النهارده.
دمعتها نزلت بدون ما تقصد.
همست: ــ أتمنى يفضل يضحك.
ياسين حضنها فجأة.
ــ أنا بحبك يا ماما.
ضمته بقوة.
وفي اللحظة دي… فهمت إن النجاة الحقيقية ماكانتش إنها تنتصر على شريف.
النجاة الحقيقية كانت إنها ماخسرتش نفسها للأبد.
…
مرت سنة كاملة بعد ليلة الفرح الشهيرة.
الناس نسيت الفضايح تدريجيًا. نادين اتحاكمت. الشركة اتعافت جزئيًا. وشريف بدأ من جديد، لكن بشكل أهدى.
بقى يشوف الولاد بانتظام. ماعادش يستخدم الفلوس ك*س*لاح. ولأول مرة… بدأ يسمع فعلًا.
أما مريم…
فكانت واقفة في افتتاح مكتبها الجديد الأكبر، وسط فريقها، والضحك حوالينها، وهي شايفة اسمها متكتب على الحائط المعدني:
“Mariam Ezz Interiors”
اسمها.
مش لقب حد.
مش ظل رجل.
هي.
سارة قربت منها وهمست: ــ فخورة بيكي أوي.
مريم ابتسمت.
ثم لمحت انعكاسها في الزجاج.
وافتكرت الست اللي وقفت في المطبخ ماسكة الدعوة بإيد مرتعشة.
لو النسخة القديمة دي شافتها دلوقتي… يمكن ماكنتش هتصدق إنها نجت.
وفي آخر اليوم، لما رجعت البيت، لقت ظرف صغير تحت الباب.
اتجمد قلبها لحظة.
عاجي اللون.
بنفس الحواف الذهبية القديمة.
لكن لما فتحته…
ماكانش فيه إهانة.
بس ورقة صغيرة بخط شريف.
“الست الحقيقية فعلًا… هي اللي قدرت تعيش بعدي، وتفضل جميلة من جواها.”
وقفت مريم في منتصف الصالة، تقرأ الجملة مرة… واتنين.
ثم ابتسمت بهدوء.
ومزقت الورقة.
مش كرهًا.
لكن لأن قيمتها ماعادتش محتاجة اعترافه.
بعدها راحت ناحية أوضة الولاد.
ليان كانت نايمة حاضنة دبدوبها المفضل. وياسين فاتح كتاب فضاء على صدره.
غطتهم كويس. طفت النور. ووقفت لحظة تبصلهم.
ثم بصت لنفسها في انعكاس باب الأوضة.
وشافت أخيرًا المرأة اللي اختفت سنين.
ورجعت.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *