فستان زفاف مترجم حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الرابع
شعرت وكأن قلبي توقف لثوانٍ.
قبضت على الهاتف بقوة.
“مش رانيا؟”
جاء صوت كريم هادئًا:
“للأسف لا.”
“يبقى مين؟”
صمت قليلًا.
ثم قال:
“الموضوع مينفعش يتقال في التليفون.”
كرهت تلك الجملة.
منذ أيام وكل شخص يقابلني يقول إنه يعرف حقيقة جديدة.
وكل حقيقة أسوأ من التي قبلها.
قلت بحدة:
“أنا تعبت من الألغاز.”
تنهد كريم.
ثم قال:
“أنا فاهم. لكن لو عايزة الحقيقة كاملة… قابليني النهاردة.”
بعد ساعتين كنت أجلس أمامه في مكتبه.
لأول مرة أراه خارج محل الفساتين.
المكتب كان أنيقًا وبسيطًا.
وأمامه ملف سميك.
لمست بطني بلا وعي.
فلاحظ ذلك.
وقال بلطف:
“إنتِ كويسة؟”
أومأت.
رغم أنني لم أكن كذلك.
أبدًا.
فتح الملف.
وأخرج عدة أوراق.
ثم دفعها نحوي.
“اقري.”
نظرت إلى أول ورقة.
وبدأت الكلمات تتراقص أمام عيني.
كانت نسخة من عقد مبدئي.
عقد خاص ببيع منزلي.
منزلي أنا.
الذي اشتريتُه قبل أن أعرف أحمد أصلًا.
رفعت رأسي بصدمة.
“إيه ده؟”
قال:
“الخطة اللي كانوا محضرينها.”
قلّبت الأوراق بسرعة.
وكل صفحة كانت أسوأ من التي قبلها.
توكيلات.
مسودات عقود.
محادثات مطبوعة.
مواعيد اجتماعات.
كل شيء مرتب وكأنهم يديرون مشروعًا تجاريًا.
وليس حياة إنسانة.
ثم وصلت إلى آخر صفحة.
وهناك…
توقفت أنفاسي.
لأن الاسم المكتوب كان اسم أمي.
حدقت في الورقة.
مرة.
ومرتين.
وثلاثًا.
لكن الاسم لم يتغير.
أمي.
أمي أنا.
همست:
“لا.”
كريم لم يتكلم.
فصرخت:
“لا!”
بدأت دموعي تنزل دون إرادة.
“مستحيل.”
أمي كانت أول من فرح بحملي.
أول من حضر معي تجهيزات الفرح.
أول من اختار معي قائمة المدعوين.
كانت تقضي ساعات وهي تحلم بحفيدها القادم.
كيف؟
كيف يمكن أن تكون جزءًا من هذا؟
قال كريم بهدوء:
“أنا عارف إن الموضوع صعب.”
لكنني لم أكن أسمعه.
كل ذكرياتي معها كانت تمر أمامي.
طفولتي.
مدرستي.
أيام مرضي.
كل شيء.
ثم فجأة تذكرت.
تذكرت عشرات المواقف التي تجاهلتها.
كل مرة كانت تسألني عن تفاصيل أملاكي.
كل مرة كانت تقول:
“بعد الجواز لازم أحمد يبقى ليه كلمة في كل حاجة.”
كل مرة كانت تضغط عليّ لأوقع أوراقًا دون أن أقرأها جيدًا.
كنت أظنها أمًا حريصة.
لكن الآن…
لم أعد أعرف ماذا أظن.
عدت إلى المنزل في حالة صدمة.
ولم أنم تلك الليلة.
وفي الثالثة فجرًا تقريبًا…
اتخذت قراري.
لن أواجه أحدًا.
ليس الآن.
بل سأجعلهم يعتقدون أنني لا أعرف شيئًا.
سأتركهم يكشفون أنفسهم بأنفسهم.
مرت الأيام التالية ببطء.
وأحمد أصبح أكثر لطفًا من أي وقت مضى.
يحضر الهدايا.
يرسل الورود.
يتصل عشر مرات يوميًا.
حتى أن أمي بدأت تمدحه باستمرار.
وكأنها تتعمد ذلك.
لكن هذه المرة…
كنت أرى كل شيء بوضوح.
كل كلمة.
كل نظرة.
كل إشارة.
قبل الفرح بعشرة أيام فقط…
اجتمعت العائلة كلها في منزل أمي.
عشاء عائلي كبير.
ضحكات.
وصور.
وأحاديث عن الزفاف.
وأثناء العشاء…
قالت أمي فجأة:
“سارة يا بنتي.”
نظرت إليها.
ابتسمت.
ثم قالت:
“في ورق بسيط محتاج توقيعك.”
تجمدت أصابعي حول الكوب.
ها قد بدأ الأمر.
أخرجت ملفًا من حقيبتها.
ووضعته أمامي.
ثم قالت بابتسامة واسعة:
“مجرد إجراءات عادية بعد الجواز.”
فتحت الملف.
ورأيت الأوراق نفسها تقريبًا التي عرضها عليّ كريم.
لكن هذه النسخة كانت جاهزة للتوقيع.
رفعت عيني ببطء.
ونظرت إلى أمي.
ثم إلى أحمد.
ثم إلى رانيا.
الثلاثة كانوا يراقبونني.
ينتظرون.
ويظنون أنني لا أعرف شيئًا.
ابتسمت بهدوء.
وأمسكت القلم.
وفجأة…
ارتسمت الراحة على وجوههم جميعًا.
لكنهم لم يكونوا يعلمون أن القلم الذي أحمله لم يكن لتوقيع العقد.
بل لتنفيذ خطة أخرى تمامًا.
خطة بدأت أجهز لها منذ أسبوع.
وخطة ستقلب حياتهم جميعًا خلال أقل من أربعٍ وعشرين ساعة.
يتبع…
الفصل الخامس
في اللحظة التي أمسكت فيها القلم…
رأيت الفرحة الخفية في عيونهم.
أمي.
أحمد.
ورانيا.
الثلاثة تبادلوا نظرات سريعة ظنوا أنني لم ألاحظها.
لكنني لاحظت كل شيء.
ابتسمت.
ثم وضعت القلم على الورق.
وكتبت أول حرف.
وتوقفت.
رفعت رأسي فجأة.
وقلت:
“معلش يا جماعة… نسيت نظارتي في العربية.”
تنفس أحمد براحة.
وقال ضاحكًا:
“خضتيني.”
ضحكت معه وكأن شيئًا لم يكن.
ثم أغلقت الملف.
وقمت من مكاني.
“ثانيتين وراجعة.”
بمجرد أن خرجت من المنزل…
لم أتجه إلى السيارة.
بل ركبت سيارة أجرة كانت تنتظر على بعد أمتار.
وخلال عشر دقائق كنت أجلس في مكتب محاميي.
الأستاذ حسام.
الرجل الذي تولى كل أموري القانونية منذ سنوات.
وضعت الملف أمامه.
وقلت:
“عايزة أعرف كل كلمة مكتوبة هنا.”
بدأ يقرأ.
ومع كل صفحة كان وجهه يزداد قسوة.
حتى انتهى.
ثم خلع نظارته.
وقال جملة جعلت معدتي تنقبض:
“لو كنتِ وقعتي… كنتِ هتخسري تقريبًا كل حاجة.”
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
“كل حاجة؟”
أومأ.
“البيت.”
“الشقة الساحلية.”
“الاستثمارات.”
“الحساب المشترك.”
حتى بعض حقوق الطفل المستقبلية كانت فيها بنود ملتوية بشكل مخيف.
أغمضت عيني.
كنت على بعد توقيع واحد فقط من الكارثة.
قال حسام:
“بس عندي سؤال.”
“إيه؟”
“هم فاكرين إنك هتمضي النهاردة؟”
ابتسمت لأول مرة.
“أيوة.”
ابتسم هو الآخر.
ثم قال:
“حلو.”
“ليه؟”
أخرج ورقة جديدة من درج مكتبه.
ووضعها أمامي.
ثم قال:
“إحنا كمان هنخليهم يمضوا.”
في اليوم التالي…
استيقظت وكأن شيئًا لم يحدث.
وأكملت تجهيزات الفرح.
ورانيا كانت تلتصق بي طوال الوقت.
تساعدني في اختيار الزينة.
وتسأل عن صحتي.
وتتحدث عن الطفل القادم.
لدرجة أن أي شخص يراها سيظن أنها أختي.
وليس المرأة التي كانت تخطط لسرقتي.
أما أحمد…
فكان يلعب دوره بإتقان.
يقبل جبيني.
ويسأل إن كنت بحاجة لشيء.
ويتصرف كالعريس المثالي.
لكن اللعبة كانت انتهت.
ولم يبقَ إلا كشف الستار.
بعد ثلاثة أيام…
دعت أمي الجميع إلى عشاء عائلي جديد.
وقالت إنها تريد الاحتفال بقرب موعد الزفاف.
بالضبط كما توقعت.
كانوا يريدون المحاولة مرة أخرى.
وصلت إلى المنزل.
وأنا أحمل معي ملفًا أزرق كبيرًا.
لم ينتبه أحد إليه.
في البداية.
جلسنا.
وتناولنا الطعام.
وتبادلنا الأحاديث.
ثم قالت أمي أخيرًا:
“ها يا سارة… الورق جاهز؟”
ابتسمت.
“جاهز.”
لمعت عينا أحمد.
أما رانيا فحاولت إخفاء حماسها.
وضعت الملف على الطاولة.
وفتحته.
ثم أخرجت الأوراق.
قلت:
“بس قبل ما أمضي… حابة أقرأ البنود قدام الكل.”
تغيرت تعبيرات وجوههم للحظة.
ثم تدارك أحمد الأمر.
“طبعًا يا حبيبتي.”
بدأت أقرأ.
بهدوء.
وبصوت واضح.
ومع كل بند…
كانت ملامحهم تتوتر أكثر.
حتى وصلت إلى الصفحة الأخيرة.
ثم أغلقت الملف.
ونظرت إليهم.
وقلت:
“غريبة.”
ابتلعت أمي ريقها.
“إيه الغريب؟”
قلت:
“الغريب إن دي مش الأوراق اللي جبتها معايا.”
ساد الصمت.
ثم أخرجت الملف الحقيقي.
الذي كشف كل شيء.
كل الرسائل.
كل التسجيلات.
كل العقود السرية.
كل الأدلة.
وضعتها أمام الجميع.
دفعة واحدة.
وكأن قنبلة انفجرت فوق الطاولة.
قفز أحمد من مكانه.
“إيه الهبل ده؟!”
أما رانيا فاختفى اللون من وجهها.
وأمي أمسكت الكرسي كأنها على وشك السقوط.
نظرت إليهم واحدًا واحدًا.
ثم قلت بهدوء:
“كمّلوا الإنكار.”
لم يرد أحد.
فتحت التسجيل الصوتي.
وانطلق صوت أحمد داخل الغرفة:
“بعد الجواز هتبقى الفلوس كلها تحت إيدي.”
ثم صوت رانيا وهي تضحك.
ثم عشرات الرسائل.
ثم صور اللقاءات السرية.
ثم العقود.
ثم كل شيء.
كل شيء.
انكشف.
في دقائق معدودة.
ولأول مرة…
لم أكن أنا من يبكي.
بل كانوا هم.
لكن ما لم أكن أعرفه وقتها…
هو أن الصدمة الحقيقية لم تكن في خيانة أحمد.
ولا في خيانة رانيا.
ولا حتى في دور أمي.
الصدمة الحقيقية كانت في السر الذي أخفته أمي عني طوال ثلاثين سنة.
سر ظهر في تلك الليلة…
وغيّر كل ما كنت أعرفه عن حياتي بالكامل.
يتبع…
الفصل السادس
ساد صمت مرعب داخل الغرفة.
لم يعد أحد يصرخ.
لم يعد أحد يحاول الدفاع عن نفسه.
حتى أحمد الذي كان دائمًا يملك إجابة لكل شيء…
جلس صامتًا.
أما أمي…
فكانت تنظر إلى الأوراق وكأنها ترى شبحًا.
ثم فجأة…
بدأت تبكي.
ليس البكاء المعتاد.
بل انهيار كامل.
ارتجفت شفتاها.
وانحنى ظهرها.
وأخذت تردد:
“يا رب سامحني…”
نظرت إليها ببرود.
“سامحك على إيه؟”
لم تجب.
فكررت السؤال.
هذه المرة بصوت أعلى.
“سامحك على إيه يا أمي؟”
رفعت رأسها نحوي.
وكانت الدموع تغرق وجهها.
ثم قالت:
“أنا ما كنتش عايزة أوصل لكده.”
ضحكت بمرارة.
“بس وصلتي.”
سكتت للحظة.
ثم أضفت:
“خنتيني.”
ارتعشت.
وكأن الكلمة أصابتها في قلبها.
لكنها لم تنكر.
وهنا أدركت أن كل شيء كان حقيقيًا.
قالت أمي بصوت متقطع:
“في حاجة لازم تعرفيها.”
تنهدت بضيق.
“لو عندك كذبة جديدة قوليها.”
هزت رأسها بسرعة.
“دي مش كذبة.”
ثم نظرت إلى الموجودين.
“محتاجين نتكلم لوحدنا.”
لكنني رفضت.
“لا.”
نظرت إليها بثبات.
“النهاردة مفيش أسرار.”
بدأت ترتجف أكثر.
ثم قالت الجملة التي قلبت كل شيء:
“أنا مش أمك الحقيقية.”
اختفى الهواء من الغرفة.
شعرت أنني لم أسمع جيدًا.
أو ربما لم أفهم.
حدقت فيها.
ثانية.
وثانيتين.
وثلاث.
ثم قلت ببطء:
“إيه؟”
انهارت بالبكاء.
“أنا مش أمك.”
شعرت أن العالم يدور حولي.
المقاعد.
الجدران.
الناس.
كل شيء أصبح ضبابيًا.
“بتقولي إيه؟”
قالت وهي تبكي:
“أنا ربيتك… آه.”
“أنا سهرت عليكي وربيتك وحبيتك.”
“بس أنا مش اللي خلفتك.”
تراجعت للخلف خطوة.
ثم جلست.
لأن ساقي لم تعودا تحملانني.
كل حياتي.
كل ذكرياتي.
كل شيء بنيته عن نفسي.
بدأ ينهار.
“مين أمي؟”
خرج السؤال هامسًا.
لكنني كنت أرتجف بالكامل.
أغلقت عينيها.
ثم قالت:
“أختي.”
تجمدت.
“أختك؟”
أومأت.
“أيوة.”
ثم بدأت تحكي.
قبل ثلاثين سنة…
كانت لها أخت أصغر اسمها ليلى.
جميلة.
ومتفوقة.
وكانت مخطوبة لرجل ثري.
لكن قبل الزفاف بشهور…
تعرضت لحادث سيارة مروع.
مات خطيبها.
ودخلت هي المستشفى.
وهناك اكتشفوا أنها حامل.
كانت الصدمة كبيرة.
وعائلتهم وقتها خافت من كلام الناس.
وخافت من الفضيحة.
وخافت من كل شيء.
وعندما وُلدت أنا…
تم تسجيل اسمي باسم أختها.
أي باسم المرأة التي كنت أناديها “ماما” طوال حياتي.
أما أمي الحقيقية…
فتركت البلد بعدها بوقت قصير.
واختفت.
كنت أستمع.
لكن عقلي كان يرفض الاستيعاب.
“يعني أمي عايشة؟”
أومأت.
“أيوة.”
تسارعت أنفاسي.
“فين؟”
صمتت.
ثم قالت:
“في إيطاليا.”
اتسعت عيناي.
“طول السنين دي؟”
أومأت.
“كانت بتتابع أخبارك.”
“وكانت تبعت فلوس تساعدك.”
“وكانت تعرف نجاحاتك.”
“وكانت تشوف صورك.”
شعرت بمرارة لا توصف.
“بس عمرها ما كلمتني.”
بكت أكثر.
“كانت فاكرة إن ده الأفضل.”
وقبل أن أستوعب كل ذلك…
أخرجت أمي ظرفًا قديمًا من حقيبتها.
كان أصفر من الزمن.
ومغلقًا منذ سنوات.
ثم وضعته أمامي.
وقالت:
“ده وصلك من أمك الحقيقية من ست شهور.”
حدقت فيها بصدمة.
“وصل؟”
أومأت.
“وأنتِ خبيتيه؟”
لم تجب.
لكن صمتها كان كافيًا.
فتحت الظرف بيد مرتجفة.
وفي الداخل…
كانت هناك رسالة.
وصورة.
الصورة لامرأة تشبهني بشكل مخيف.
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
نفس الملامح.
حتى أنني شعرت وكأنني أنظر إلى نفسي بعد عشرين سنة.
أما الرسالة…
فبدأت بجملة واحدة جعلت الدموع تنفجر من عيني:
“إلى ابنتي التي لم أتوقف عن حبها يومًا واحدًا…”
رفعت رأسي ببطء.
ونظرت إلى المرأة التي ربتني.
المرأة التي أحببتها طوال حياتي.
والمرأة التي خانتني أيضًا.
ولأول مرة…
لم أعرف هل أكرهها.
أم أشفق عليها.
أم أسامحها.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا.
رحلتي لم تنتهِ بعد.
لأنني في صباح اليوم التالي…
سأحجز أول تذكرة سفر إلى إيطاليا.
لأقابل المرأة التي كتبت تلك الرسالة.
المرأة التي كانت أمي.
والتي لم أرها ولو مرة واحدة في حياتي.
يتبع…