وجع بسيط حكـايـات أسمـا ×1

خدت بنتي للدكتور بسبب وجع بسيط في بطنها، وجوزي أصر ييجي معانا رغم إنه عمره تقريبًا ما حضر أي كشف أو موعد طبي قبل كده.

طول الطريق كان متوتر بشكل غريب، وفضل يسأل بنتي أسئلة كتير جدًا وكأنه خايف تقول حاجة معينة.

الموضوع اللي مرعبني إن الدكتور نفسه فضل يبص لجوزي بطريقة غريبة طول الكشف، وبعد ما خرجنا اداني ورقة التعليمات الطبية. لما فتحتها في البيت لقيت جواها رسالة مكتوبة بخط إيده:

“خدي بنتك وروحي قسم الشرطة فورًا…

الطبيب لم يتوقف عن النظر إلى زوجي… ثم أرسلتني ملاحظته السرية مباشرة إلى قسم الشرطة

 

في المرة الأولى التي نظر فيها الدكتور أحمد السيوفي إلى زوجي، ظننت أنه يتصرف بوقاحة.

 

وفي المرة الثانية، اعتقدت أنه ربما تعرف عليه من قبل.

 

أما في المرة الثالثة… تلك النظرة الطويلة الصامتة التي وجهها إلى طارق المنصوري بينما كان يتظاهر بمراجعة ملف ابنتي الطبي، فقد جعلت الدم يتجمد في عروقي.

 

لأن الطبيب لا ينظر إلى والد طفلة بهذه الطريقة إلا إذا كان يعرف شيئًا.

 

أو يخشى شيئًا.

 

اسمي سلمى عبد الرحمن، وفي صباح ذلك اليوم اصطحبت ابنتي مريم، البالغة من العمر ثماني سنوات، إلى مستشفى السلام التخصصي للأطفال بالقاهرة بعد أن ظلت تشكو من ألم في بطنها منذ الصباح.

 

كان من المفترض أن يكون موعدًا طبيًا عاديًا.

 

أم وابنتها وطبيب وتشخيص بسيط.

 

لكن زوجي أصر على مرافقتنا.

 

وكانت تلك أول علامة غريبة.

 

طارق لم يكن يحضر المواعيد الطبية أبدًا.

 

لا طبيب الأسنان.

 

ولا الفحوصات المدرسية.

 

ولا حتى عندما ارتفعت حرارة مريم ثلاثة أيام متواصلة وكنت أسهر بجوارها طوال الليل.

 

كان لديه دائمًا عذر.

 

العمل.

 

الاجتماعات.

 

الزحام.

 

الإرهاق.

 

لكن في ذلك الصباح، وقبل أن ألتقط مفاتيح السيارة، وجدته يقف في الممر مرتديًا سترته.

 

قال:

 

“أنا هوصلكم.”

 

نظرت إليه بدهشة.

 

“مش لازم… أقدر أوديها بنفسي.”

 

أجاب بهدوء:

 

“قلت أنا هوصلكم.”

 

كان صوته هادئًا، لكن شيئًا خفيًا بداخله جعلني أصمت.

 

وقفت مريم بجوار الدرج وهي تضم لعبتها المحشوة إلى صدرها.

 

كان وجهها شاحبًا.

 

وعيناها تنتقلان بيني وبين أبيها.

 

أجبرْت نفسي على الابتسام.

 

“يلا بينا.”

 

في الطريق، تحدث طارق أكثر من المعتاد.

 

وكانت تلك ثاني علامة غريبة.

 

سأل مريم:

 

“أكلتي إيه الصبح؟”

 

“قلتي لحد في المدرسة إنك تعبانة؟”

 

“اشتكيتي للمدرسة من حاجة؟”

 

“ماقولتيش أي كلام غريب للمدرسة صح؟”

 

كانت تجيب بكلمات قصيرة.

 

“لا.”

 

“مش فاكرة.”

 

“ممكن.”

 

“بطني بس كانت بتوجعني.”

 

نظرت إليها في المرآة.

 

كانت تحدق خارج النافذة.

 

وأصابعها الصغيرة تشد أذن الدمية بقوة.

 

لاحظ طارق أنني أراقبها.

 

فابتسم.

 

لكنها لم تكن ابتسامة مريحة.

 

وقال:

 

“الأطفال بيبالغوا أحيانًا. والدكاترة متعودين على ده.”

 

لم أرد.

 

لأن الصمت أصبح وسيلتي للبقاء.

 

الصمت.

 

بيت هادئ.

 

كلمات محسوبة.

 

ابتسامة أمام الناس.

 

وزوج يبدو مثاليًا للجميع.

 

لمدة اثني عشر عامًا كان طارق المنصوري من الرجال الذين يثق بهم الناس فور رؤيتهم.

 

رجل أعمال ناجح.

 

محبوب بين الجيران.

 

حريص على حضور المناسبات الاجتماعية.

 

ويتحدث دائمًا عن العائلة والقيم والأخلاق.

 

كان الجميع يصفه بأنه رجل محترم.

 

أما أنا…

 

فكنت أعرف جانبًا آخر لا يراه أحد.

 

عندما دخلنا المستشفى وضع يده خلف عنقي.

 

أي شخص كان سيظنها حركة حنان.

 

أما أنا فشعرت بها كتحذير.

 

ابتسمت موظفة الاستقبال فور رؤيته.

 

“أهلاً أستاذ طارق.”

 

ابتسم لها بثقة.

 

“صباح الخير.”

 

في تلك اللحظة رأيت الدكتور أحمد السيوفي يمر في الممر.

 

ثم توقف عندما وقعت عيناه على طارق.

 

ليس توقفًا واضحًا.

 

لكن كافيًا لأن ألاحظه.

 

ظل ينظر إليه ثانية أطول من اللازم.

 

ثم أشاح بوجهه واختفى داخل إحدى غرف الكشف.

 

بعد دقائق نادت الممرضة اسم مريم.

 

وقف طارق فورًا.

 

“هأدخل معاها.”

 

ترددت الممرضة قليلًا.

 

“عادة بيدخل مرافق واحد بس…”

 

فقال ببرود:

 

“أنا أبوها.”

 

داخل غرفة الكشف جلست مريم فوق السرير الطبي.

 

وقفت بجوارها.

 

أما طارق فاختار الكرسي الأقرب إلى الباب.

 

دائمًا يفضل الجلوس بالقرب من المخارج.

 

دخل الطبيب بعد لحظات.

 

كان هادئًا ولطيفًا.

 

وعرّف نفسه لمريم أولًا.

 

ثم بدأ يطرح الأسئلة المعتادة.

 

لكن كل عدة دقائق كانت عيناه تنتقلان نحو طارق.

 

شيء في نظرته جعل قلبي ينبض بقوة.

 

وكان طارق يجيب بدلًا من مريم.

 

“هي كويسة.”

 

“بتتوتر بسرعة.”

 

“يمكن أكلت حاجة تعبتها.”

 

وأخيرًا قال الطبيب:

 

“أستاذ طارق… ممكن تستنى بره دقيقة وأنا أكمل جزء بسيط من الكشف؟”

 

اختفت الابتسامة من وجه زوجي.

 

“ليه؟”

 

“إجراء روتيني.”

 

“أنا أبوها.”

 

أجاب الطبيب بهدوء:

 

“وأنا مقدر ده… لكن أحيانًا الأطفال بيتكلموا براحة أكتر لوحدهم.”

 

ساد الصمت.

 

وشعرت بالتوتر يملأ الغرفة.

 

وأخيرًا نهض طارق.

 

لكن قبل أن يخرج نظر مباشرة إلى مريم.

 

فأنزلت رأسها فورًا.

 

وما إن أُغلق الباب حتى انتظر الطبيب بضع ثوانٍ.

 

ثم اقترب قليلًا وقال بلطف:

 

“يا مريم… إنتِ مش في مشكلة.”

 

امتلأت عيناها بالدموع فورًا.

 

وشعرت بأن شيئًا مظلمًا بدأ ينكشف أخيرًا…

 

يتبع…لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد

@أبرز المعجبين

أخذ الطبيب نفسًا بطيئًا وهو ينظر إلى مريم.

 

ثم قال بصوت منخفض:

 

“يا مريم… إنتِ مش في مشكلة. ومحدش هيزعل منك مهما قلتي.”

 

ارتجفت شفتاها.

 

ثم همست:

 

“بابا هيعرف؟”

 

تجمد الدم في عروق سلمى.

 

أما الطبيب فحافظ على هدوئه.

 

“دلوقتي إحنا بنتكلم لوحدنا. قوليلي بطلك بيوجعك من إمتى؟”

 

نظرت الطفلة إلى الأرض.

 

ثم قالت:

 

“مش بطني بس…”

 

شعرت سلمى أن قلبها سقط داخل صدرها.

 

اقترب الطبيب قليلًا.

 

“يعني إيه؟”

 

بدأت الدموع تنزل على خدي مريم.

 

وقالت بصوت بالكاد يُسمع:

 

“بابا بيقول ماقولش لحد.”

 

ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.

 

حتى أجهزة التكييف بدت وكأنها توقفت.

 

شعرت سلمى بالدوار.

 

“ماقوليش إيه يا حبيبتي؟”

 

لم ترفع مريم عينيها.

 

واكتفت بالبكاء.

 

أما الطبيب فمد يده وأعطاها منديلًا.

 

ثم سألها بلطف شديد:

 

“حد بيزعلك في البيت؟”

 

هزت رأسها ببطء.

 

“بابا لما يغضب.”

 

نظرت سلمى نحو الطبيب.

 

كان وجهه قد تغير تمامًا.

 

لم يعد وجه طبيب يفحص ألمًا في المعدة.

 

بل وجه رجل بدأ يربط أشياء كثيرة ببعضها.

 

سألها:

 

“وبيعمل إيه لما يغضب؟”

 

أجابت بعد تردد طويل:

 

“بيقفل عليا الأوضة ساعات.”

 

“وبيضربك؟”

 

سكتت.

 

ثم أومأت برأسها.

 

شعرت سلمى بأن الغرفة تدور حولها.

 

لأن هذه لم تكن أول مرة تسمع فيها شيئًا كهذا.

 

كانت ترى الكدمات أحيانًا.

 

وكان طارق دائمًا يجد تفسيرًا.

 

وقوع.

 

لعب.

 

شقاوة أطفال.

 

وكانت تصدقه.

 

أو ربما كانت تجبر نفسها على التصديق.

 

رفع الطبيب نظره إلى سلمى.

 

وقال بهدوء:

 

“أستاذة سلمى… محتاج أكلم حضرتك لوحدك بعد إذنك.”

 

بعد دقائق خرجت مريم مع الممرضة إلى غرفة الألعاب المجاورة.

 

وأغلق الطبيب الباب.

 

ثم فتح درج مكتبه.

 

وأخرج ملفًا قديمًا.

 

ملفًا سميكًا.

 

وضعه أمامها.

 

وقالت سلمى بارتباك:

 

“إيه ده؟”

 

أجاب الطبيب:

 

“السبب الحقيقي اللي خلاني أبص لجوزك بالشكل ده.”

 

فتح الملف.

 

فوجدت صورة رجل.

 

كان أصغر سنًا قليلًا.

 

لكنها تعرفه جيدًا.

 

طارق.

 

شهقت سلمى.

 

“إيه ده؟”

 

قال الطبيب:

 

“من سبع سنين كنت بشتغل في مستشفى تانية.”

 

وأخذ نفسًا عميقًا.

 

“وجت طفلة عمرها تسع سنين. عندها إصابات متعددة وكدمات قديمة وحديثة.”

 

ارتجفت يد سلمى.

 

“وبعدين؟”

 

أجاب:

 

“الطفلة قالت إن والدها هو السبب.”

 

صمت لحظة.

 

ثم أكمل:

 

“قبل ما القض..ية تكمل… اختفت الأسرة بالكامل.”

 

اتسعت عينا سلمى.

 

“إنت بتقول إيه؟”

 

فتح الطبيب صفحة أخرى.

 

صورة بلاغ رسمي.

 

واسم الأب المكتوب بوضوح:

 

طارق المنصوري.

 

شعرت سلمى بأن الهواء اختفى من الغرفة.

 

“مستحيل.”

 

قال الطبيب:

 

“أتمنى يكون مستحيل.”

 

ثم أشار إلى الأوراق.

 

“لكن دي سجلات حقيقية.”

 

أمسكت رأسها بين يديها.

 

“ليه ما اتحبسش؟”

 

أجاب:

 

“الطفلة تراجعت عن أقوالها بعدها بأيام.”

 

ثم أضاف:

 

“زي ما بيحصل كتير.”

 

في تلك اللحظة دوى طرق قوي على الباب.

 

ارتعدت سلمى.

 

ودخل طارق دون انتظار إذن.

 

كان وجهه شاحبًا.

 

وعيناه تتحركان بسرعة بينهما.

 

“في مشكلة؟”

 

ابتسم الطبيب بهدوء.

 

“لا. مجرد التهاب بسيط.”

 

لكن نظرات الرجلين قالت شيئًا مختلفًا تمامًا.

 

اقترب طارق من المكتب.

 

وقال:

 

“أخد مراتي وبنتي ونمشي؟”

 

رد الطبيب:

 

“طبعًا.”

 

ثم مد لسلمى ورقة التعليمات الطبية.

 

ورقة عادية جدًا.

 

أدوية.

 

نظام غذائي.

 

موعد مراجعة.

 

لا شيء غريب.

 

لكن عندما التقت عيناه بعينيها للحظة واحدة فقط…

 

فهمت أنه يقصد شيئًا آخر.

 

شيئًا لم يستطع قوله أمام طارق.

 

عادت الأسرة إلى المنزل.

 

طوال الطريق لم يتحدث أحد.

 

ومريم كانت تحتضن لعبتها بقوة.

 

أما طارق فظل يراقب المرآة.

 

وكأنه ينتظر شيئًا.

 

في المساء دخل للاستحمام.

 

وهنا فتحت سلمى الورقة الطبية.

 

وبين الصفحات وجدت قصاصة صغيرة مطوية.

 

ارتجفت أصابعها وهي تفتحها.

 

وكانت الجملة المكتوبة بخط الطبيب:

 

“خدي بنتك وروحي قسم الشرطة فورًا.

 

ولا ترجعي البيت.

 

هو بيراقبكم.

 

ولو انتظرتي للغد قد يكون فات الأوان.”

 

وفي أسفل الرسالة رقم هاتف.

 

ورقم محضر قديم.

 

وتحتهما كلمة واحدة فقط:

 

“أسرعي.”

 

وفي اللحظة نفسها…

 

سمعت سلمى صوت باب الحمام يُفتح.

 

ورأت ظل زوجها يقترب من الممر.

 

بينما كانت الرسالة ما تزال في يدها…

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *