جوزي عاوز يبيع ×3

روماني

**الجزء الخامس: انقشاع القناع**

حبست نادية أنفاسها، وتسمرت في مكانها بوسط الغرفة والملابس تتساقط من يدها. التفتت بنظرة سريعة نحو ماجد الذي كان ما زال جالسًا على الأرض يندب حظه، ثم ضغطت على الهاتف بقوة وقالت بصوت خفيض:

* “حاجة إيه اللي ماجد ميعرفهاش يا متر؟ أرجوك قولي في إيه؟”

جاء صوت الأستاذ عبد الحميد عميقاً ورزيناً عبر الهاتف:

* “أنا بعت المساعد بتاعي يعمل فحص شامل لملف القرض والرهن في الفرع الرئيسي للبنك. الصدمة يا نادية إن الرهن اللي ماجد عمله على الشقة من سنتين.. رهن باطل قانوناً ولا قيمة له!”

عقدت نادية حاجبية بذهول وقالت: “باطل؟ باطل إزاي وهو جاي ومعاه محامي البنك وبيهددني بالحجز؟”

رد المحامي بشرح دقيق:

* “ماجد لما راح يرهن الشقة للبنك عشان ياخد القرض، قدم لهم عقد ملكية ابتدائي وصحيفة ونفاذ قديمة، والبنك للأسف وقع في خطأ إداري جسيم وقبل الرهن من غير ما يطلب ‘شهادة قيد رهن رسمية مشهرة’. والأخطر من كده، إن الشقة دي من الأساس.. الأرض اللي مبنية عليها العمارة كلها، كان عليها قرار نزع ملكية للمنفعة العامة وتعديل خط تنظيم من المحافظة قبل الرهن بسنة كاملة! يعني البنك رهن عين ‘غير قابلة للترهن قانوناً’، ومحامي البنك اللي جه مع ماجد الصبح كان جاي يمارس ضغط ودي ويهدد عشان يلموا أي فلوس من الإيجار قبل ما إدارتهم القانونية تكتشف الكارثة ويتحول الموظفين للنيابة!”

سكتت نادية لثوانٍ، تحاول استيعاب الكلمات. شعرت فجأة بأن الطاولة لم تنقلب على ماجد وحده، بل انقشعت الغمامة عن عينها تماماً. تابعت قائلة:

* “طب وده معناه إيه بالنسبة للشقة ولعقد الإيجار بتاعي؟”

قال المحامي بنبرة انتصار:

* “معناه إن شقتك سليمة مية في المية، والشركة الأجنبية مش هتمشي، والبنك ملوش أي سلطة يحجز على الشقة أو يلمس مليم من الإيجار! الرهن كأنه لم يكن، والبنك ملوش غير إنه يرفع على ماجد قض*ية تبديد أموال شخصية وقرض شخصي ملوش علاقة بيكي. إحنا موقفنا القانوني في الشقة القديمة بقى زي الحديد.”

تنفسَت نادية الصعداء، وشعرت بحمل ثقيل ينزاح عن صدرها، لكن المحامي أكمل بنبرة أكثر جدية:

* “بس استني يا نادية.. الموضوع مخلصش هنا. قرار المحافظة بتعديل خط التنظيم ونزع الملكية ده، بيشمل كمان جزء كبير من الأرض اللي مبني عليها ‘البيت الجديد’ اللي أنتوا قاعدين فيه دلوقتي! يعني المحلات اللي تحت اللي ماجد طمعان يبيعها عشان يسدد ديونه للمقاول.. دي محلات وهمية وهتتهد لتوسعة الطريق خلال شهور!”

تصلبت نادية، ونظرت إلى ماجد الذي كان ينظر إليها بترقب وخوف، يحاول التقاط أي كلمة من مكالمتها. شكرت المحامي وأغلقت الهاتف، ثم التفتت نحو زوجها.

لم تعد تشعر بالخوف أو التشتت، بل امتلأت بقوة باردة. اقتربت من ماجد، وقفت أمامه وقالت بنبرة هادئة ومخيفة:

* “عرفت البنك كان جاي الصبح يعمل إيه يا ماجد؟ كان جاي يسرقني معاك.. الرهن بتاعك باطل، والشقة بتاعتي ومحدش يقدر يلمسها، والشركة الأجنبية قاعدة ومفيش مليم هيطلع منها.”

لمعت عينا ماجد بأمل زائف ووقف بسرعة: “بجد يا نادية؟ يعني الشقة في أمان؟ الحمد لله.. طب مش هتقدري بقى تسحبي جزء من الإيجار وتدفعيه للمقاول عشان نرفع الحجز عن البيت ده؟ عشان عيالنا يا نادية!”

ضحكت نادية ضحكة عالية، ضحكة هزت جدران الصالة، ثم نظرت إليه باحتقار وقالت:

* “أدفع للمقاول؟ عشان أنقذ البيت ده؟ البيت ده اللي المحلات اللي تحت فيه هتتهد ومسجلة نزع ملكية للمنفعة العامة؟ البيت اللي أنت دمرت حياتنا عشان تشتريه وتدفع فيه ورثي وسلفتي؟”

شحب وجه ماجد تماماً وتراجع خطوة للخلف: “أنتِ.. أنتِ بتقولي إيه؟ هد إيه؟ ومحلات إيه؟”

في تلك اللحظة، وقبل أن ينطق بأي كلمة أخرى، سمعا صوت ضوضاء شديدة في الأسفل، وصوت كلاب الحراسة تنبح بعنف، يليه صوت طرقات عنيفة على البوابة الحديدية الخارجية للعقار، وصراخ حارس الأمن يستغيث بالشرطة!

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

## الجزء السادس: حافة الهاوية (الجزء قبل الأخير)

اندفعت نادية نحو النافذة المطلة على البوابة الرئيسية، وتبعها ماجد بخطوات متعثرة وقلب يكاد يتوقف من الرعب. أسفل العقار، تداخلت أضواء زرقاء وحمراء تعكس حضور سيارات الشرطة، ومجموعة من الرجال يرتدون ملابس مدنية وآخرون بزي رسمي، وبصحبتهم مهندسون يحملون خرائط وأجهزة رفع مساحي.

تراجع ماجد للخلف وهو يضرب كفيه ببعضهما ويتمتم بصرخات مكتومة:

* “مش ممكن.. مش ممكن يهدوا المحلات دلوقتي! أنا لسه مبعتهاش، ومحدش أنذرني!”

التفتت إليه نادية وقالت بجفاف وقسوة:

* “الإنذارات أكيد كانت بتوصل على المحلات والشركة القديمة بتاعتك وأنت بتطنش وتخبي، فاكر إنك بذكائك الفهلوي هتهرب من الحكومة زي ما هربت من البنك والمقاول!”

نزلت نادية مسرعة إلى مدخل العقار، وبقي ماجد في الأعلى يرتجف خلف الستائر لا يقوى على المواجهة. وعند البوابة، كان مهندس التنظيم بالمحافظة يتحدث مع قوة الشرطة المرافقة لإزالة التعديات وإخلاء الأجزاء البارزة من العقار لتوسعة المحور الجديد.

تقدمت نادية وعرّفتهم بنفسها، فأطلعها المهندس على قرار الإزالة النهائي الصادر منذ عدة أشهر، والذي يقضي بهدم الواجهة الأمامية بالكامل بما فيها المحلات الأربعة التي أسسها ماجد، لعدم قانونية البناء ودخوله في خط التنظيم العام للدولة.

علمت نادية في تلك اللحظة أن القناع قد سقط تماماً، وأن كل ما بناه ماجد من أوهام قد تهاوى تحت مطارق القانون والنظام. صعدت إلى الشقة مرة أخرى، فوجدت ماجد جالساً في زاوية الصالة، وقد انهار تماماً، والدموع تجري على لحيته، ولم يعد فيه كبرياء الرجل الذي طالبها بـ “السمسرة” يوماً.

نظر إليها وقال بصوت متهدج:

* “نادية.. أنا انتهيت. المحلات لو اتهدت، المقاول هيسجنني بالشيكات، والبنك هيلاحقني بالقرض، والبيت ده نفسه قيمته هتنزل للنص ومش هعرف أبيعه عشان أسدد لك الـ 250 ألف جنيه. أنا ماليش غيرك.. ساعديني نبيع الشقة القديمة للشركة الأجنبية هما كانوا عاوزين يشتروها، وننقذ رقبتي من السجن.”

نظرت إليه نادية الطفلة، الزوجة المطيعة التي كانت مستعدة للتضحية بكل شيء من أجل بيتها، فلم تجدها. وجدت بدلاً منها امرأة صلبة، تعلمت الدرس جلياً بالدموع والقهر. اقتربت منه وقالت بنبرة حاسمة قطعت آخر حبال رجائه:

* “الشقة القديمة مش هتباع يا ماجد، ولا هتشوف من إيجارها مليم واحد. والـ 250 ألف جنيه بتوعي، أنا مش هستنى لما تبيع البيت ده عشان تديهملي.. الأستاذ عبد الحميد هيرفع بكرا دعوى حجر وتحفظ على نصيبك في البيت الجديد ده بناءً على تحويلات ورثي، عشان أضمن حق ولادي في جدران تحميهم قبل ما الديانة ييجوا ياخدوا السقف اللي فوق راسنا.”

وقف ماجد مذهولاً، وصرخ بأعلى صوته:

* “أنتِ بتدمريني؟ أنتِ مراتي! هترفضى تقفي جنبي في سجني وموتي؟”

ردت نادية وهي تحمل حقيبتها وتفتح باب الشقة لتغادر مع أطفالها إلى شقتها القديمة المحصنة بالقانون:

* “أنا وقفت جنبك لما اديتك ورثي سلفة، وأنت استغليتني وأخدت مني سمسرة وبعتلي وهم. أنت اللي دمرت نفسك يا ماجد.. واليوم اللي هتدخل فيه السجن، هيكون اليوم اللي هرفع فيه قض*ية خلع عشان أطهر اسم ولادي من نصاب.”

خرجت نادية وصمتت الباب خلفها بقوة، تاركة ماجد وحيداً في مواجهة أصوات الفؤوس والمعدات التي بدأت تقترب من جدران بيته الجديد لتسحق المحلات.. ولم يكن يعلم ماجد أن المفاجأة الكبرى والأخيرة لم تأتِ بعد، وأن الصباح يحمل له نكسة قانونية ستنهي مستقبله بالكامل وتجعل رجوعه خطوة للخلف مستحيلاً!

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

## الجزء السابع والأخير: حصاد الأوهام (والحكمة)

لم تكن ليلة سقوط المحلات مجرد ليلة عادية في حياة ماجد، بل كانت البداية لزلزال أعنف لم يحسب له حساباً. ومع أول خيوط الشمس، وبينما كان يقف وسط حطام واجهة بيته الجديد، وصلت سيارة تابعة لنيابة الأموال العامة.

لم يكن الأمر متعلقاً بالمقاول أو البنك هذه المرة؛ بل إن التحقيقات التي جرت في فرع البنك الرئيسي حول “الرهن الباطل” كشفت عن تواطؤ ماجد مع موظف مرتشٍ داخل البنك لتمرير الأوراق وتزوير شهادة القيد العقاري المقيدة للشقة القديمة. انقلبت القض*ية من نزاع مدني إلى “جناية تزوير في أوراق رسمية والرشوة والاستيلاء على أموال عامة”.

سِيق ماجد مكلبش اليدين أمام جيرانه وأبنائه الذين كانوا ينظرون إليه بذهول، وصدر قرار بحبسه احتياطياً على ذمة التحقيق، لتبدأ رحلة سقوطه خلف القضبان، حيث واجه أحكاماً رادعة جزاءً لما اقترفته يداه من جشع وخيانة.

وفي الجانب الآخر، كانت نادية تجلس في شقتها القديمة، الشقة التي أصبحت الآن ملاذها الآمن ومصدر رزقها الوحيد. استقبلت الأستاذ عبد الحميد الذي أحضر لها الأوراق النهائية:

* “مبروك يا نادية.. المحكمة حكمت لكِ بالخلع رسمياً، وتم الحجز التحفظي على النسبة المتبقية من البيت الجديد لصالحك سداداً للـ 250 ألف جنيه قبل أن تلتهمه ديون المقاولين. والشركة الأجنبية جددت عقد الإيجار لمدة خمس سنوات وبزيادة سنوية.”

تنهدت نادية، ولم تكن تنهيدة فرح، بل تنهيدة راحة وخروج من نفق مظلم. نظرت إلى عقد الشقة وإلى أولادها وهم يلعبون في الصالة، وشعرت بأنها استردت كرامتها وحياتها.

### الحكمة من واقع القصة

خرجت “نادية” من هذه التجربة القاسية بحقائق صاغتها الأيام بدموعها وشقائها، وهي دروس لكل امرأة ولكل أسرة:

* **الأصول أصول والضمانات لا تعيب الحب:** الثقة العمياء في المعاملات المادية – حتى بين الزوجين – قد تكون مدخلاً للضياع. توثيق الحقوق (عقود، إيصالات أمانة، شهادات تصرفات عقارية) ليس دليلاً على الشك، بل هو سياج يحمي المودة ويمنع الشيطان من الإفساد بين القلوب.

* **من استحلّ الصغير استباح الكبير:** الرجل الذي يقف أمام زوجته ليطالبها بـ “سمسرة” وعمولة في بيت عمرهما، هو رجل نزع ثوب المروءة وقدم المادة على العشرة. ومن يسترخص كرامة زوجته في القليل، لن يتورع عن بيعها واختلاق الحيل لسرقتها في الكثير.

* **المال الحرام والخدعة يذهبان من حيث أتيا:** جشع ماجد وسعيه وراء كسب سريع مبني على الخداع والتزوير قاده في النهاية إلى خسارة كل شيء: خسر الشقة، خسر البيت الجديد، خسر تجارته، والأهم أنه خسر عائلته وحريته.

* **قوة المرأة تبدأ من استقلالها المادي:** لو لم تحافظ نادية على ورثها وتستثمر في الشقة بذكائها، لكانت اليوم مشردة مع أطفالها في الشوارع تحت رحمة ديون زوجها. الأمان المالي للمرأة هو درعها الحصين في مواجهة تقلبات الزمن وغدر البشر.

**تمت بحمد الله**

#الكاتب_رومانى_مكرم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *