رجل يخشاه الجميع حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثاني: نقطة الضعف

أغلقت السيارة أبوابها بهدوء وانطلقت وسط شوارع القاهرة المضيئة.

جلست ريم في المقعد الخلفي وهي تشعر بتوتر غريب.

لم تكن معتادة على السيارات الفاخرة.

ولا على السائقين الذين يرتدون بدلات رسمية.

ولا على رجال مثل آدم السيوفي.

كان يجلس بجوارها بصمت.

ينظر من النافذة.

وكأنه يفكر في شيء بعيد جدًا.

قالت أخيرًا:

— أنا لسه مش فاهمة.

نظر إليها.

— إيه اللي مش فاهماه؟

— ليه ساعدتني؟

ابتسم ابتسامة خفيفة.

— لأنك طلبتي المساعدة.

ضحكت.

— لا بجد.

أنا ست غريبة بالنسبة لك.

كان ممكن تتجاهلني.

أجاب بهدوء:

— وكان ممكن أساعدك.

ساد الصمت للحظة.

ثم أضاف:

— الناس بقت تعتبر اللطف حاجة غريبة اليومين دول.

شعرت بالخجل قليلًا.

لأنه كان محقًا.

بعد دقائق وصلت السيارة أمام العمارة التي تسكن فيها.

كانت بناية متوسطة في حي هادئ.

لا تشبه الأماكن التي يعيش فيها أصحاب المليارات.

فتح السائق الباب.

لكن قبل أن تنزل قالت:

— شكرًا.

رفع آدم رأسه.

— على إيه؟

— على النهارده كله.

نظر إليها لثوانٍ.

ثم قال:

— ما تسمحيش لأي حد يخليكي تكرهي نفسك تاني.

تجمدت.

لأن تلك الكلمات أصابت أعمق جرح داخلها.

ذلك الجرح الذي تركه كريم.

كل السنين التي أقنعها فيها أنها أقل من غيرها.

أقل جمالًا.

أقل قيمة.

أقل استحقاقًا للحب.

ابتلعت دموعها.

وهزت رأسها بصمت.

ثم نزلت من السيارة.

لكنها لم تلاحظ السيارة الرمادية المتوقفة في آخر الشارع.

ولا الرجل الذي كان يلتقط المزيد من الصور.

في صباح اليوم التالي.

استيقظت ريم على رنين هاتفها.

فتحت عينيها بصعوبة.

ثم نظرت للشاشة.

كان رقم صديقتها المقربة سارة.

أجابت:

— صباح الخير.

لكن سارة كانت تصرخ تقريبًا.

— انتي فين؟

اعتدلت ريم في جلستها.

— في البيت.

ليه؟

— افتحي فيسبوك حالًا.

شعرت ريم بالقلق.

أغلقت المكالمة.

ودخلت إلى التطبيق.

وفي اللحظة التالية شعرت بأن الدم اختفى من وجهها.

كانت هناك صورة لها.

وصورة أخرى.

وثالثة.

ثم عشرات الصور.

هي وآدم داخل الحفل.

هي وآدم عند المدخل.

هي وآدم وهما يركبان السيارة.

وفوق الصور عنوان ضخم:

“هل أصبحت ريم الشافعي الواجهة الجديدة للملياردير الغامض آدم السيوفي؟”

شعرت بدوار.

وتسارع نبض قلبها.

كانت التعليقات تتزايد كل ثانية.

بعضها فضولي.

وبعضها ساخر.

وبعضها قاسٍ جدًا.

أغلقت الهاتف بسرعة.

لكن الأذى كان قد وصل بالفعل.

في نفس الوقت.

كان آدم يجلس داخل قاعة اجتماعات ضخمة في الطابق الأخير من مقر شركته.

أمام عشرين مديرًا تنفيذيًا.

يعرضون تقارير بالملايين.

فجأة دخل مساعده الخاص.

نادر.

وكان وجهه متجهمًا.

اقترب ووضع جهازًا لوحيًا أمامه.

نظر آدم للشاشة.

ثم قرأ الخبر.

وساد الصمت.

صمت مخيف.

حتى المدراء شعروا أن الجو تغير فجأة.

رفع آدم عينيه ببطء.

وقال:

— الاجتماع انتهى.

وقف الجميع فورًا.

وغادروا القاعة بسرعة.

بمجرد أن أغلق الباب.

نظر إلى نادر.

— مين؟

أجاب نادر:

— لسه بنحقق.

لكن الصور اتصورت باحتراف.

مش صدفة.

ضغط آدم على فكه.

ثم قال:

— شيل الخبر من كل المواقع خلال ساعة.

— حاضر.

— واعرف مين اللي نشره.

صمت للحظة.

ثم أضاف بصوت أبرد من الثلج:

— وأنا هتعامل مع الباقي بنفسي.

ارتجف نادر رغم أنه عمل معه عشر سنوات.

لأنه يعرف هذا الصوت.

ويعرف أن شخصًا ما ارتكب خطأً كبيرًا جدًا.

في المساء.

كانت ريم تغادر مقر الشركة التي تعمل بها كمحاسبة.

لكنها فوجئت بثلاث سيدات يقفن قرب الباب.

وينظرن إليها.

بمجرد أن مرت بجوارهن سمعت إحداهن تقول:

— هي دي.

قالت الثانية:

— والله طلعت محظوظة.

ضحكت الثالثة.

— أكيد مش محظوظة ببلاش.

توقفت ريم.

وشعرت بالإهانة تشتعل داخلها.

لكنها أكملت طريقها دون رد.

كانت معتادة على الأحكام الجاهزة.

معتادة على الناس الذين لا يعرفون شيئًا ويتصرفون وكأنهم يعرفون كل شيء.

لكن الألم بقي.

وصلت إلى منزلها.

فتحت الباب.

ودخلت.

ثم تجمدت مكانها.

لأن هناك باقة ورد ضخمة موضوعة أمام شقتها.

ومعها بطاقة صغيرة.

فتحتها بتردد.

وكان مكتوبًا عليها:

“لا تسمحي لهم أن يسرقوا سلامك.

— آدم”

ظلت تحدق في الكلمات.

طويلًا.

ثم جلست على الأرض فجأة.

لا تعرف لماذا امتلأت عيناها بالدموع.

ربما لأن أحدًا لم يحاول مواساتها بهذه الطريقة من قبل.

وربما لأن قلبها بدأ يتعلق برجل لا تعرف عنه شيئًا تقريبًا.

لكن في مكان آخر…

داخل مكتب فاخر بأحد الفنادق.

كان الرجل الذي سرّب الصور يجلس أمام شخص مجهول.

وقال بثقة:

— زي ما طلبت بالضبط.

الصور انتشرت.

والبنت بقت تحت الضغط.

ابتسم الرجل الجالس في الظل.

ثم قال:

— ممتاز.

اقترب الضوء قليلًا من وجهه.

وكشف ملامحه.

فتجمد الرجل الآخر من المفاجأة.

لأنه لم يكن أحدًا سوى…

والد آدم السيوفي نفسه.

الرجل الذي أعلن للجميع منذ عشر سنوات أن ابنه مات بالنسبة له.

ثم قال ببرود:

— دلوقتي نبدأ المرحلة التانية.

يتبع…

الفصل الثالث: الأب الذي عاد من الظلال

ظل الرجل الجالس خلف المكتب يقلب الصور ببطء.

صورة ريم وهي تضحك.

صورة أخرى وآدم ينظر إليها.

وصورة ثالثة وهما يغادران الفندق معًا.

ثم وضع الصور على الطاولة.

وقال ببرود:

— ابني ارتكب نفس الخطأ مرة قبل كده.

سأل الرجل المقابل:

— تقصد السيدة يارا؟

تصلبت ملامح الرجل.

— لا تنطق اسمها.

انخفض رأس الرجل فورًا.

فالجميع يعرف أن اسم يارا ممنوع داخل عائلة السيوفي.

ممنوع منذ سبع سنوات.

منذ الليلة التي غيرت كل شيء.

في الوقت نفسه…

كانت ريم جالسة في شقتها الصغيرة.

تحاول التركيز في العمل.

لكن هاتفها لم يتوقف عن الرنين.

رسائل.

مكالمات.

إشعارات.

فضول.

شائعات.

تعليقات.

تنهدت بإرهاق.

ثم أغلقت الهاتف نهائيًا.

لكن بعد دقائق…

سمعت طرقًا على الباب.

نهضت بتوتر.

لم تكن تنتظر أحدًا.

اقتربت بحذر.

وسألت:

— مين؟

جاءها صوت مألوف جعل الدم يتجمد في عروقها.

— أنا كريم.

أغمضت عينيها.

لا.

ليس الآن.

ليس بعد كل ما حدث.

قالت من خلف الباب:

— امشي يا كريم.

— لازم نتكلم.

— مفيش كلام بينا.

جاءها صوته أكثر حدة:

— افتحي الباب يا ريم.

لأول مرة منذ انفصالهما شعرت بالخوف الحقيقي.

ذلك الخوف القديم الذي كانت تعرفه جيدًا.

خوف المرأة التي قضت سنوات تحت سيطرة رجل يحب التحكم أكثر مما يحب البشر.

قالت بصوت مرتعش:

— لو ممشيتش هكلم الشرطة.

ضحك بسخرية.

نفس الضحكة التي كانت تكرهها.

— شرطة إيه؟

إنتي فاكرة نفسك بقيتي مهمة فجأة عشان صاحبك الجديد؟

تجمدت يدها فوق المقبض.

ثم سمعت صوتًا آخر.

صوت محرك سيارة.

ثم صوت باب يُغلق بقوة.

وبعدها…

صمت.

صمت غريب.

ثوانٍ مرت.

ثم سمعت كريم يقول بصوت مختلف تمامًا:

— أ… أستاذ آدم.

اتسعت عيناها.

مستحيل.

فتحت الباب بسرعة.

فوجدت كريم واقفًا عند السلم.

وجهه شاحب.

وعلى بعد خطوات يقف آدم.

يرتدي قميصًا أسود بسيطًا.

لكن حضوره وحده كان كافيًا لملء المكان.

سأل بهدوء:

— في مشكلة؟

هز كريم رأسه بسرعة.

— لا.

أبدًا.

أبدًا يا فندم.

ثم التفت إلى ريم.

وحاول الابتسام.

— كنت بس بطمن عليها.

نظر إليه آدم للحظات.

ثم قال:

— خلصت اطمئنانك؟

ابتلع كريم ريقه.

— آه.

— يبقى امشي.

ولم يناقش.

لم يحاول الاعتراض.

لم يتباهَ.

لم يهدد.

استدار ومشى.

كأنه يخشى أن يتأخر ثانية واحدة.

راقبته ريم بذهول.

ثم نظرت إلى آدم.

— إنت كنت هنا إزاي؟

أجاب ببساطة:

— كنت معدي.

عرفت فورًا أنه يكذب.

لكنها لم تعلق.

بعد دقائق.

كانا يجلسان في المقهى الصغير أسفل العمارة.

طلب لها قهوة.

وطلب لنفسه قهوة سوداء.

قالت وهي تنظر إليه:

— أنت مراقبني؟

رفع حاجبه.

— لا.

— إذن جيت في اللحظة المناسبة جدًا.

ابتسم لأول مرة.

— يمكن عندي حظ كويس.

ضحكت رغمًا عنها.

ثم صمتت.

قبل أن تسأل السؤال الذي ظل يطاردها منذ الحفل.

— ليه الناس كلها خايفة منك؟

اختفت الابتسامة.

ونظر إلى فنجانه.

— لأنهم يعرفوا حاجات عني.

— وحاجات دي حقيقية؟

رفع عينيه نحوها.

— بعضها.

ساد الصمت.

ثم أضاف:

— لكن الناس بتحب تضيف من عندها.

راقبته ريم طويلًا.

كان غامضًا.

للدرجة التي تجعل أي شخص عاقل يبتعد.

لكنها لم تستطع.

لأنها للمرة الأولى منذ سنوات تشعر أن أحدًا يراها كما هي.

دون سخرية.

دون شروط.

دون محاولة تغييرها.

في تلك الليلة.

عاد آدم إلى منزله.

كانت فيلا ضخمة تطل على النيل.

هادئة بشكل مخيف.

لكن الهدوء لم يدم.

فور دخوله وجد نادر ينتظره.

قال:

— عندي خبر مش كويس.

خلع آدم ساعته.

— قول.

تنهد نادر.

— والدك رجع.

تجمدت حركة آدم.

لثانية واحدة فقط.

لكن نادر لاحظها.

قال:

— وصل القاهرة من أسبوع.

وبيشتري حصص في شركات منافسة.

واضح إنه بيجهز لحاجة.

ظل آدم صامتًا.

ثم سأل:

— عرف حاجة عن ريم؟

تردد نادر.

وهنا فهم آدم الإجابة قبل أن يسمعها.

قال نادر:

— للأسف… آه.

أغلق آدم عينيه للحظة.

وبدا لأول مرة كأنه رجل يحمل عبئًا ثقيلًا جدًا.

قال بصوت منخفض:

— كنت عارف إن اليوم ده هيجي.

في صباح اليوم التالي…

استيقظت ريم على رسالة مجهولة.

رقم لا تعرفه.

فتحت الرسالة.

فوجدت صورة.

ثم صورة ثانية.

ثم ثالثة.

صور لآدم.

لكنها قديمة.

قديمة جدًا.

وفي كل صورة كانت تقف بجواره امرأة جميلة ذات شعر أسود طويل.

وفي الصورة الأخيرة…

كانت المرأة ترتدي خاتم خطوبة.

أما الرسالة المكتوبة أسفل الصور فكانت أقصر من أن تُصدق.

“اسأليه عن يارا.

واسأليه ليه ماتت.”

سقط الهاتف من يد ريم.

وشعرت بقشعريرة باردة تجتاح جسدها بالكامل.

لأن هذه هي المرة الأولى…

التي تشعر فيها أن الرجل الذي بدأت تثق به ربما يخفي سرًا أخطر مما تتخيل.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *